الأربعاء 17 فبراير 2016 12:02 ص

في يوم 2 يناير/كانون الثاني الماضي، قامت السعودية بإعدام جماعي لـ47 شخصا أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب، ومن بين الذين أعدموا كان رجل الدين الشيعي المعارض البارز «نمر النمر»، فضلا عن المنظر السني البارز لتنظيم القاعدة.

«نمر النمر»، كان ناقدا قاسيا للحكومة السعودية وأحد الداعين الرئيسيين للمظاهرات التي سادت المنطقة ذات الأغلبية الشيعية في القطيف في 2011 وقد تسبب إعدامه بالفعل في تصاعد التوترات الإقليمية مما أثار خلافا بين المملكة العربية السعودية وإيران انتهى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مع المزيد من الاحتجاجات المضطربة.

في وسط هذا الجدل، تم فقد السؤال حول الطريقة التي ترسم بها المملكة العربية السعودية الخط الفاصل بين المعارضة والتحريض على الإرهاب، وباختصار، فإنه في كثير من الأحيان لا يوجد مثل هذا الخط.

النشطاء، والمعارضون اللاعنفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان جميعهم يتعرضون لخطر التصنيف كإرهابيين من قبل الرياض، وفي الآونة الأخيرة، قامت الحكومة بإرسال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان المعروفين دوليا إلى مركز إعادة تأهيل الإرهابيين المخصص للمتعاطفين مع تنظيم القاعدة.

في 9 ديسمبر/كانون الأول عام 2015، احتفل السعوديون التقدميون بإطلاق سراح «محمد البجادي»، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان خضع إلى السجن منذ العام 2011.

شارك «البجادي» في تأسيس الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية، والتي قامت بتوثيق انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان ودعت لإجراء إصلاحات كبيرة في قطاع الحكم بما في ذلك إنشاء نظام ملكي دستوري، قبل أن يتم حلها بقرار من المحكمة في مارس/آذار 2013.

قامت السلطات بسجن «البجادي» بعد توجيه عدد من التهم له على رأسها تأسيس منظمة غير مرخصة، وتشويه سمعة المملكة العربية السعودية، وقد وصفته منظمة العفو الدولية بأنه «سجين رأي».

ولكن مصادر سعودية مطلعة ادعت أن طريقة الإفراج عن «البجادي» لم تكن مباشرة، وكتب عدة أعضاء من المجتمع الإصلاحي السعودي، ووكالة أنباء البحرين اليوم أن «البجادي» قد خضع قبل الإفراج عنه لعملية ما يعرف بـ«المناصحة» في مركز الأمير «محمد بن نايف» للإرشاد والرعاية، وهو المركز المخصص لإعادة تأهيل العناصر الإرهابية في المملكة.

تم إنشاء المركز في عام 2006، وبحمل المركز اسم ولي العهد الحالي ووزير الداخلية الذي قاد حملة القضاء على الخلايا المحلية لتنظيم القاعدة في منتصف العقد الماضي ما جعله أحد الشخصيات المفضلة لدى الإدارة الأمريكية.

بتوجيه من وزارة الداخلية، فإن المتشددين الدينيين والمتعاطفين معهم يتلقون المشورة الأيدولوجية في شكل جلسات تثقيف ومناقشة منظمة مع العلماء المسلمين المعتمدين في البلاد، بالإضافة إلى ذلك، يوفر المركز للمساجين الرعاية النفسية والتدريب المهني بهدف إعادة إدماجهم في نهاية المطاف في المجتمع السعودي.

شكوك حول النتائج

يستخدم المسؤولون السعوديون المركز كأداة للعلاقات الهامة تهدف إلى تلميع أوراق اعتماد المملكة في مكافحة الإرهاب، على الرغم من أن البرنامج قد تمت مقابلته بالكثير من الشك في بعض الأحيان.

وصفت مجلة التايم المركز في عام 2009 بأنه «مركز بيتي فورد للإرهابيين»، وفي عام 2015 قامت صحيفة نيويورك تايمز بالتهوين من مخرجاته بشكل كبير.

أما النقد الأكثر موضوعية للمركز فقد ورد في تقرير مؤسسة راند لعام 2010، والتي وصفت البرنامج بأنه ثقيل في الحمولة الأيدولوجية في حين أنه ضعيف من حيث «إعادة التأهيل».

ويقول المستشارون إن البرنامج يسعى بشكل أقل نحو تخليص المتشددين المسجونين في وجهات النظر المتشددة الخاصة بهم مقارنة بسعيه في تعزيز سيادة الدولة السعودية في تحديد الاستخدام الملائم للعنف.

قد تفشل هذه البرامج أيضا في منع المتطرفين من إعادة الانخراط في الإرهاب بعد الإفراج عنه، عندما أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» عن مسؤوليته عن أحد التفجيرات الانتحارية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي في أحد مساجد الإسماعيلية في مدينة نجران بجنوب السعودية، والذي أودى بحياة اثنين وأصاب 25 آخرين، فقد وصف الانتحاري بأنه أحد خريجي مركز «محمد بن نايف».

في سبتمبر/أيلول 2014، اعتقلت الشرطة السعودية 88 يشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة، 59  من هؤلاء، وفقا لتقرير سي بي إس نيوز، كانوا قد تم إدراجهم ضمن نظام الإصلاح قبل الإفراج عنهم، وبعد عدة أشهر، تم اكتشاف أن 47 من الأفراد الـ77 المحتجزين على ذمة صلتهم المزعومة بهجوم لتنظيم «الدولة الإسلامية» على مسجد شيعي سعودي كانوا على صلة سابقة بالمركز وفقا لعضو في مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية... يمكننا أن نقرأ هذه الأرقام على أنها اعتراف محرج من قبل الحكومة واتهام مثير للقلق حول مدى فاعلية أساليب المركز.

استهداف النشطاء

كان «البجادي» مرشحا غريبا للخضوع لبرامج إعادة التأهيل الخاصة بالإرهابيين، مع ذلك، فإنه قبل إغلاق جمعية الحقوق المدنية والسياسية في عام 2013 فقد دعا أعضاءه إلى مبادئ تتعارض مع تلك التي يعتنقها تنظيم القاعدة و«الدولة الإسلامية» بما في ذلك زيادة التمثيل الانتخابي ومنح النساء حق قيادة السيارات.

ادعى المدافعون عن حقوق الإنسان في السعودية الذين تحدثنا إليهم أن اثنين آخرين على الأقل من النشطاء الآخرين قد قضوا وقتا للتأهيل في المركز، وهو ما يؤشر إلى اتجاه مثير للقلق.

صحيح أن الظروف المادية في المركز أفضل من السجون النموذجية في المملكة بما يضمن الوصول إلى حمام السباحة، العلاج عن طريق الفن، وساحة السجن قليلة الحراسة، ولكن احتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان في منشأة كهذه يبدو رمزا لفشل كبير في الاستراتيجية السعودية لمكافحة الإرهاب.

في صلب هذا الفشل يقع الخلط السعودي ما بين المعارضة السلمية مع التطرف العنيف، وهو الاتجاه الذي ارتفع جنبا إلى جنب مع صعود نجم «بن نايف»

في عام 2011، عندما تولى الأمير المسؤولية عن وزارة الداخلية، فقد بدأت الحكومة السعودية في تحويل نشطاء حقوق الإنسان إلى مراكز مكافحة الإرهاب، والمعروفة باسم المحكمة الجزائية المختصة.

وفي مارس/أذار من العام 2014، قامت وزارة الداخلية، تحت قيادة «بن نايف»، بإعلان لوائح مكافحة الإرهاب الرئيسية الجديدة بالشراكة مع وزارات أخرى، قامت هذه الأنظمة الجديدة بمساواة العناصر الرئيسية لحرية التعبير أوالدعوة لحقوق الإنسان مع الإرهاب، كما قامت بتجريم أنشطة سلمية أخرى مثل المشاركة في التظاهرات وتوقيع العرائض، والدعوة إلى الإلحاد، أو الإضرار بسمعة الدولة.

وقد أفرز هذا النهج حملة متواصلة من الاعتقالات قبل وزارة «بن نايف»، وهي حملة استهدفت القضاء بشكل ممنهج على المجتمع اللاعنفي لحقوق لإنسان وقامت بتقويض أسس الاعتدال داخل المجتمع في المستقبل.

وكما أبلغ مصدر مجهول منظمة هيومن رايتس ووتش في عام 2014 فإن «مجرد الحديث معك الآن يعتبر الإرهاب.. يمكن محاكمتي بتهمة الإرهاب بسبب إجراء مثل هذا الحوار».

إضافة إلى السخرية من كل هذا، فإن العديد من الناشطين تم جرهم أمام محكمة الإرهاب نتيجة جهودهم في مكافحة التطرف داخل المجتمع.

في يوليو/تموز من العام 2014، قامت المحكمة الجزائية المختصة بالتذرع بلوائح مكافحة الإرهاب من أجل الحكم على محام في مجال حقوق الإنسان هو «وليد أبو الخير»، والذي يعد مدافعا قويا عن التغيير السياسي السلمي، بالسجن لمدة 15 عاما بسبب مجموعة من التهم الغامضة مثل إثارة الرأي العام والإضرار بالنظام العام.

وقال «عبد الله الحميد»، عضو جمعية الحقوق المدنية والسياسية المسجون، في ختام جلسة استماع في عام 2012 إنه «لا يمكن التعامل مع الوجود المتزايد للعنف والإرهاب دون السماح للناس بالتعبير عن رأيهم بطريقة سلمية»، وهو يقضي حاليا حكما بالسجن لمدة 11 عاما، هؤلاء الرجال، على الأقل، لم يتم إيواؤهم في مركز «محمد بن نايف».

ونظرا للسجل الأيدولوجي لبرنامج إعادة تأهيل الإرهابيين، فإن المرء يظن أن رسائل مكافحة التطرف التي يتبناها هؤلاء سوف تكون موضع ترحيب... فسجنهم، من ناحية أخرى، ينبغي أن يدفعنا إلى دراسة أنواع الرسائل الأيدولوجية التي ترغب المملكة العربية السعودية في تعزيزها في الداخل والخارج.

لا يزال ليس هناك ما يدل، على سبيل المثال، أن المملكة العربية السعودية قد انتهت أخيرا من إزالة المواد «المسيئة للأديان الأخرى غير الإسلام» من الكتب المدرسية.. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال المملكة العربية السعودية تقديم الامتيازات الرسمية لصالح رجال الدين الذين يقومون بنشر التعصب الديني.

هاتان الديناميتان اصطدمتا ببعضهما البعض في حالة «مخلف الشمري»، أحد المدافعين عن حقوق الإنسان الذين حصلوا على خمس سنوات في السجن من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة بتهمة زرع الفتنة.

رغم كونه سنيا، فقد قاد «الشمري» حملة من أجل وضع حد للتمييز ضد الشيعة حتى إنه قد تمت إدانته من قبل محكمة مستقلة في عام 2014 بتهمة إثارة الرأي العام بعد أن قام بأداء الصلاة بجوار بعض رموز الشيعة البارزين في لفتة تضامن ضد الكراهية الطائفية.

قضى «الشمري» 45 يوما في المستشفى في عام 2012 بعد أن قام نجله، «عادل»، بإطلاق النار عليه 4 مرات.

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «عادل» قد أمضى سنتين في مركز المملكة لإعادة تأهيل المتطرفين، ولكن وفقا لأبيه فقد كان أكثر تطرفا من ذي قبل عندما خرج.

وأشارت الصحيفة إلى أن «عادل» كان قد اعتقل سابقا وتم استجوابه من قبل الشرطة لمدة 5 أيام وسرعان ما بدأ يخبر أفراد الأسرة أن والدهم قد أصبح كافرا.

في حين نشطاء حقوق السعودية كثيرا ما منعوا من السفر إلى الخارج، بما في ذلك في نهاية الأحكام بالسجن لمدد طويلة، فقد أوردت التايم أنه قبل إعادة التأهيل فإن «عادل» لم يجد صعوبة في السفر إلى الفلبين ومن ثم إلى العراق عندما سعى للانضمام إلى التمرد هناك، وكما قال والده للصحيفة، «إذا كنت ضمن تنظيم القاعدة فإن هناك أسبابا لكونك هناك.. هم يعطوك مالا وسيارة وزوجة».

ما الذي يمكن أن تفعله واشنطن حول هذا الموضوع؟ أعلنت الحملة المحلية التي تدافع عن منح المرأة السعودية حق قيادة السيارات على موقع تويتر في عام 2014 بأن التاريخ «لن يغفر أبدا» للولايات المتحدة إذا قامت بدعم وصول «بن نايف» إلى العرش.

خلال العام الماضي، تمت ترقية «بن نايف» مرتين وصولا إلى منصب ولي العهد، ومع ذلك، لا يزال «محمد بن نايف» هو المسؤول السعودي المفضل بالنسبة إلى الولايات المتحدة وهو يستقبل بشكل غير عادي في البيت الأبيض وغيره من أفرع الحكومة الأمريكية على الرغم من أن المجتمع السعودي يجفل في ظل الممارسات القمعية لوزارته، وفي ظل البنية الانتهازية لمركز مكافحة الإرهاب الذي يحمل اسمه.

بالتأكيد فإن المدافعين المحللين عن حقوق الإنسان لا ينتمون إلى مراكز إعادة تأهيل الإرهابيين.

في الواقع، من الصعب أن نتصور المملكة العربية السعودية سوف تتحرك صوب الاعتدال والتعددية في غيابهم، وفي نهاية المطاف، فإن جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية في المنطقة تخاطر بأن يتم تخفيضها إلى ممارسات عبثية ما لم يتم إقناع المملكة العربية السعودية بتمكين دعاة الاعتدال بدلا من سحقهم.

المصدر | فورين بوليسي