الجمعة 19 فبراير 2016 04:02 ص

من أغرب البنود التي وقع عليها نواب بريطانيون في ما سموه «قانون السّلوك غير الاجتماعي» لعام 2003 بند يعتبر أن «الغرافيتي ليس فناً، بل جريمة»، لكن هذا البند لم يمنع فناناً بريطانياً مجهول الهوية، معروف جماهيريا باسم بانكسي، من المضي في الرسم على الجدران، بطريقة أزعجت (إسرائيل)، عندما صور مأساة العدوان الصهيوني على غزة، بمجموعة من لوحات الشارع، انتشرت في العالم كله لاحقاً، لتدل على مدى بشاعة ما يفعل الصهاينة في غزة، مثلاً.

‏عموماً.. البرلمانات لا تصنع الفنون والآداب، رغم أنها تستطيع توصيف الجرائم قانونياً، ثم إن الفنانين عادة لا يهتمون بما تقرّه القوانين، لكي يمارسوا فنونهم، ذلك أن الفن صنو الحرية، وشكل من أشكالها، إن لم يكن شكلها الأكثر أهمية وجمالية أيضاً.

وبالتالي، ذهب ذلك البند القانوني البريطاني أدراج الإهمال، في ظل انتشار رسومات وعبارات الغرافيتي على كل شيء تقريباً، حيث لا يعتبر من يكتب ويرسم تلك العبارات والرسومات نفسه أديباً، أو فناناً يمارس هوايته الخاصة، بقدر ما هو إنسان يحاول التعبير عن رأيه الخاص، بطريقة عامة وبالوسيلة المتاحة، بعد أن ضاقت به سبل إعلان ذلك الرأي بالطرق التقليدية.

‏لفتت نظري، قبل أيام، صورة كتابةٍ على جدار مهمل، غفل من التعريف عن مكانه، كتبها صاحبها بمنتهى الذكاء، لتكون هي الوسيلة وهي الهدف في الوقت عينه. تقول العبارة حرفياً: «من حق الشعب أن يـ...».

وهكذا بدت العبارة ناقصةً شكلاً، ولكنها مكتملة موضوعاً أو رسالة، فقد فضل هذا الكاتب المجهول أن يبرهن على وجهة نظره بكتابتها ناقصةً، ما يوحي وكأنه قد اضطر لذلك النقصان لسبب قاهر، كأن يكون قد قبضت عليه السلطة، قبل أن يتم القول، وهذا هو الأرجح والأقرب إلى ظن كل من يطلع عليها.

وهكذا عبّر ذلك الكاتب المجهول بفكرته الصاعقة عن قضية الحرية وعلاقتها بالسلطة، بكل هذه البساطة والعمق نفسه، ليبرهن، من حيث لا يدري ربما، على أهمية أدب الشوارع الذي هو من أشكال الغرافيتي.

والعبارة تعني، في مستوى من مستويات قراءتها، أن شوارع بلدان القمع وانعدام الحريات هي البيئة الخصبة لازدهار مثل هذا الفن العريق.

‏لنتذكّر، مثلاً، أن الثورة السورية المستمرة، بمسميات وتوصيفات مختلفة منذ عام 2011، بدأت بعبارة كتبها أطفال لم يتجاوز أكبرهم الثانية عشرة عاماً على جدران البيوت في مدينة درعا، لكن القبض عليهم لاحقاً، وتعريضهم لأقسى أنواع العذاب الذي من الممكن أن يواجهه طفل في أعمارهم أشعل الغضب في نفوس أهالي المدينة، ما ساهم في بدء ثورةٍ اندلعت، ولم تنطفئ حتى اللحظة.

وعلى الرغم من أن الغرافيتي، في تعريفه العلمي، وفقاً لموسوعة ويكيبيديا هو؛ «ترك الرسومات أو الأحرف على الجدران، أو الأشياء، بطريقة غير مرغوب فيها، أو بدون إذن صاحب المكان، وترجع أصولها إلى الحضارات العتيقة»، إلا أن ضيق التعريف لا ينفي رحابة هذا الفن، ليضم تحت جناحه الكبير أنواعاً من التعبير الشعبي عما تجيش به نفوس الجماهير تجاه كل شيء حولهم، فيسجلونه كالكتابة والرسم على كل ما يمكن الكتابة والرسم عليه من أسطح متوفرة، ومنها مثلاً سياراتهم الخاصة.

‏في كتابه المثير «هتاف الصامتين»، سعى عالم الاجتماع المصري، الدكتور سيد عويس، إلى دراسة ظاهرة الكتابة على هياكل المركبات في المجتمع المصري المعاصر، حيث استمر في ملاحقة السيارات الشعبية ثلاث سنوات، بدءاً من 1970، في محافظات مصر كلها، وجمع في نهايتها أزيد من ألف عبارة مختلفة، اعتبرت أساساً لدراسة نفسية واجتماعية غير مسبوقة للمجتمع المصري.

ما أحوجنا الآن لدراسةٍ من هذا النوع والمستوى، بعد خمس سنوات من الربيع العربي المقموع من خلال أدب وفن الشوارع، تستهدف نفسية الشعب العربي الذي من حقه أن ...

* سعدية مفرح شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية.

المصدر | العربي الجديد