الجمعة 19 فبراير 2016 04:02 ص

لن يتم حل أزمة الدولار العنيفة في مصر بالحملات الأمنية المكثفة على المضاربين في العملة، ولن يتم حلها بتكثيف البنك المركزي الحملات على شركات الصرافة وإغلاق بعضها أو حتى سحب الترخيص من العديد منها، وبالطبع فإن أي اتفاق مع الصرافات حول سقف محدد لسعر الدولار في السوق السوداء سيكون مصيره الفشل؛ لأن الربح والمكسب والمصلحة هو من يحرك هذه الشركات وليس كلمة الشرف أو مصلحة البلد.

ولن يتم حل أزمة الدولار المتصاعدة والمربكة للجميع، حكومة ومواطنين ودائنين لمصر، بوضع قيود على عمليات السحب النقدي الدولاري من البنوك كما حدث في الأيام الماضية، أو ترشيد استخدام بطاقات الائتمان في الخارج وتقليص حدها في عمليات السحب أو الشراء، ولن يتم وقف موجة ارتفاع الدولار المستمرة عبر الهجوم على البنك المركزي أو المستوردين أو غيرهم، فالكل ضحايا من وجهة نظري.

كل هذه الإجراءات والقيود لن توفر سيولة دولارية للسوق المتعطش لكل أنواع النقد الأجنبي، ولن تثمر عن تدبير النقد الأجنبي المطلوب لتمويل حركة التجارة والصناعة وعمليات الاستيراد، إضافة إلى أن كل قرار له تكلفته، فوضع قيود على الواردات لتوفير 25% من فاتورتها البالغة 88 مليار دولار في العام الماضي سيقلب السوق رأساً على عقب، وسيرفع الأسعار بشكل جنوني، والضحية في النهاية هو المواطن الفقير المغلوب على أمره، كما أن ملاحقة شركات الصرافة أمنياً يدفع بأصحابها نحو العمل من المنازل والمقاهي.

مشكلة الدولار في مصر هي أن الحكومة تحاول أن تدس رأسها في الرمال، وبدلاً من أن تجد علاجاً جذرياً وناجحاً للأزمة المتفاقمة تصدر قرارات مربكة للسوق تعمق من خلالها الأزمة، وبدلاً من أن تعترف أن هناك ندرة حقيقية في الدولار بسبب ما اقترفته يداها من أثام وجرائم وعمليات قتل وتعذيب وتشويه صورة البلاد أمام السائح والمستثمر والمستورد الأجنبي، تحاول أن تصدر الأزمة لآخرين.

الحكومة هي المسؤول الأول عن الفشل في ملف تنشيط الصادرات وفقدانها 10 مليارات دولار من قيمتها خلال السنوات الخمس الماضية، وهي المسؤولة عن الفشل الذريع في قطاع السياحة بتصديرها للعالم فكرة أن مصر تضم أكبر عدد من الإرهابيين في العالم. 

والحكومة مسؤولة أيضا عن تطفيش الاستثمارات الأجنبية لإخفاقها في ملفات الطاقة وسوق الصرف وقبلهما الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، وبالطبع هي مسؤولة عن إهدار مليارات الجنيهات في مشروع توسعة قناة السويس دون أن يعود بالنفع على الاقتصاد المتهاوي أو على سوق الصرف المتعطش للدولار.

والأهم من ذلك أن الممارسات الحكومية الفجة في ملفات حقوق الانسان والحريات دفعت آلاف المصريين العاملين بالخارج نحو عدم تحويل أموالهم لداخل الوطن خوفاً من مصادرتها أو تأكلها بفعل التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية، وربما اعتراضاً على ما تمارسه السلطة من قمع وقتل للمعارضين السياسيين لها.

إذن الحكومة مسؤولة عن الانهيار الذي حدث في موارد البلاد من النقد الأجنبي، وعلاج الأزمة يبدأ من الحكومة وليس من الآخرين، ولا أقصد بالحكومة هنا أعضاء مجلس الوزراء والجهاز الحكومي بالدولة فهؤلاء موظفون، بل أقصد هنا السلطة الحاكمة في البلاد.

المصدر | العربي الجديد