الخميس 25 فبراير 2016 07:02 ص

التوقعات

(1) خلال انتخابات المجلس التشريعي وجمعية الخبراء المرتقبة خلال الجمعة المقبلة (غدا)، فإن القيادة المحافظة في إيران سوف تسعى بشكل كبير إلى منع أي تحركات كبيرة نحو الإصلاح.

(2) على الرغم من منع معظم المرشحين الإصلاحيين من خوض السباق، فإن العديد من المرشحين الآخرين يقومون بتكييف رسائلهم من أجل مغازلة الناخبين ذوي التوجهات الإصلاحية.

(3) نجاح هؤلاء المرشحين المعتدلين قد يدفع الحكومة الإيرانية تجاه سياسات أقل تشددا.

تحليل

لأول مرة في تاريخ إيران، يجري انتخاب هيئتين وطنيتين حكوميتين في آن واحد، البرلمان المؤلف من 290 مقعدا، إضافة إلى مجلس الخبراء المؤلف من 88 مقعدا. المرشد الأعلى الإيراني «آية الله علي خامنئي»، الذي يتمتع بتأثير مهيمن على كل قرارات الحكومة الإيرانية، كثيرا ما يعلق على أعمال الهيئات الحكومية المختلفة. وقد أشاد مؤخرا بدور كل من البرلمان ومجلس الخبراء في تكييف السياسة الإيرانية في العصر الحديث تحت إشرافه المباشر. كلا الهيئتين المنتخبتين يتعين عليها السير على خط رفيع من أجل الموازنة بين مطالبات التقدم والحفاظ على مبادئ «خامنئي» المحافظة. هذا الخلط الذي يأتي مع الانتخابات قد لا يكون مصحوبا بتغييرات جوهرية في هذا التوازن الأيدولوجي.

تشير التحالفات التي تشكلت قبيل انتخابات 26 فبراير/شباط إلى وجود تمايزات في صفوف المحافظين، ما بين المتشددين، وبين المحافظين التقليديين، المتطابقين أيدولوجيا مع «خامنئي»، وبين المحافظين البراغماتيين الأكثر اتساقا مع الرئيس الحالي «حسن روحاني»، والإصلاحيين المطالبين بالتغيير. من المنتظر أن يفوز هؤلاء المحافظون المعتدلون بعدد أكبر من المقاعد في كلا الهيئتين، ونجاحهم يدل على وجود درجة رضا كبيرة لدى الجمهور بشأن سياسات «روحاني» الاقتصادية المنفتحة على السوق. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الانتصارات ربما تبرهن على وجود تحول آخر في الحكومة الإيرانية بعيدا عن المحافظين المتشددين الذين طالما سيطروا على الأدوار الرئيسية في عملية رسم السياسات على مدار عقود. المرشد الأعلى نفسه سبق أن أعرب عن تحفظاته بشأن بعض العناصر داخل القاعدة السياسية المحافظة في إيران، التي رآها على أنها فاسدة وخطرة. في رأي «خامنئي» نفسه، فإن الفصائل الأكثر تشددا تمثل تهديدا لكل من نظام الحكم والنمو الاقتصادي في إيران. في عهد الرئيس السابق «محمود أحمدي نجاد»، فإن هناك مجموعة فرعية داخل الجناح المتشدد تحدت سلطة المرشد الأعلى. وحتى مع ذلك، لا يزال «خامنئي» والمتشددون في إيران يعتمدون على بعضهم البعض من أجل الحصول على الدعم.

تحالف المعتدلين

يتشكل النظام السياسي الإيراني من مزيج من عناصر الديمقراطية والثيوقراطية، تتجمع خلاله الفصائل المختلفة حول أهداف اجتماعية وسياسية مشتركة. بشكل عام، تقع التجمعات السياسية في واحد من المعسكرين: المعسكر الأول هو معسكر المحافظين، الذين يعرفون أحيانا باسم الأصوليين، والمعسكر الآخر هو جناح المعتدلين. وتضم مجموعة المحافظين تجمعات من القطاعات مرتفعة المستوى التعليمي والتي تجمعها روابط قوية بالمؤسسات الدينية وطبقة التجار والمرشد الأعلى. ومن بين هؤلاء رئيس البرلمان «علي لاريجاني» و«علي أكبر ولايتي»، وزير الخارجية السابق، والمستشار الحالي للمرشد الأعلى. ويشمل المعسكر المحافظ أيضا الشعوبيين والاجتماعيين المحافظين مثل الرئيس السابق «أحمدي نجاد» والرئيس الحالي لمجلس صيانة الدستور، «أحمد جنتي». يتمتع المتشددون باتصالات أقوى مع النخبة العسكرية الإيرانية والحرس الثوري، وهم يجذبون الناخبين الفقراء في الريف.

المعسكر المعتدل هو مزيج من المحافظين البراغماتيين (يعرفون أحيانا باسم الوسطيين أو المعتدلين) والإصلاحيين الأكثر راديكالية. الرئيس الحالي «حسن روحاني»، والرئيس الأسبق وعضو مجلس الخبراء «علي أكبر هاشمي رفسنجاني» و«حسن الخميني»، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، هم أبرز رموز هذا التيار. وتجمع أجندة هذا الفريق ما بين جدول أعمال محافظ اجتماعيا وبين سياسات خارجية واقتصادية أكثر ليبرالية يعتقدون أنهما مهمة من أجل جلب الاستثمار الأجنبي التي تحتاج البلاد له بشكل كبير.

وهناك أيضا رموز الإصلاحيين الأكثر تطرفا الذين تحظى دعواهم لتغيير السياسات الاقتصادية والخارجية بشعبية كبيرة على الرغم من الصمت القسري للكثير منهم، وهو ما يؤشر على تعطش الجمهور الإيراني من أجل التغيير. وقد تم حظر العديد من القادة الإصلاحيين البارزين، بمن فيهم الرئيس السابق «محمد خاتمي» وكذلك «مير حسين موسوي» و«مهدي كروبي»، من الظهور في وسائل الإعلام كما تم وضع بعضهم تحت الإقامة الجبرية. ظهر هؤلاء الإصلاحيون من رحم الائتلافات الإسلامية خلال الثمانينيات مدفوعين بخيبة أملهم من أن المبادئ التي نادت بها الثورة الإسلامية والي شملت العدالة الاجتماعية والاشتراكية الاقتصادية والتحرر من الطغيان لم تتحقق على أرض الواقع. هؤلاء الإسلاميون الثوريون تحولوا مع مرور الوقت إلى أبطال ودعاة للسيادة الشعبية والتعددية السياسية. الإصلاحيون البارزون اليوم مثل نائب الرئيس السابق «محمد رضا عارف»، يتحركون بحذر شديد تفاديا لإثارة حفيظة «خامنئي» والمؤسسات المحافظة. كما تبين من الحملة التي شنتها الحكومة في عام 2009، فإن قادة إيران المحافظين لا يتسامح مع الاحتجاجات العامة على نتائج الانتخابات. وهم يعتمدون على الجيش الإيراني، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني وكذلك ميليشيات الباسيج المحلية، للمساعدة في الحفاظ على السلام.

وعلى الرغم من كونهم يملكون تأثيرا محدودا على المرشد الأعلى مقارنة بنظرائهم المحافظين، فإن معسكر المعتدلين يتمتع بنفوذ أكبر لدى الجمهور الإيراني. المحافظون البراغماتيون والإصلاحيون يبشرون بالمزيد من التغيير الاجتماعي والاقتصادي وهم في ذلك يلقون اللوم على بطء الأداء الحكومي وعدم كفاءته. ووفقا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما، فإنه مع الرفع البطيء للعقوبات فإن النمو الاقتصادي في إيران سوف يقفز إلى ما يقارب 6 في المائة. لكن مع معدلات بطالة مرتفعة في البلاد، تبلغ 10.6 في المائة، ومع بيئة لا تزال مليئة بالعقبات فيما يتعلق بالاستثمار، فإن إيران لا تزال تحتل المرتبة 118 من بين 189 بلدا في تصنيف صلاحية بيئة الأعمال خلال عام 2015. سنوات من العقوبات المفروضة نتيجة لبرامج إيران النووية قد خلفت حالة من الركود الاقتصادي وهو أمر يود كل من الإصلاحيين والبراغماتيين المحافظين تغييره بسرعة عبر فتح الاقتصاد على العالم الخارجي.

مغازلة المصوتين ذوي التوجهات الإصلاحية

جزئيا، بسبب هذا التداخل في وجهات النظر الاقتصادية، فإن المحافظين والإصلاحيين قد شكلوا ائتلافا فريدا من نوعه قبل الانتخابات. من أجل الاستفادة من قوة الدفع التي يتمتع بها الإصلاحيون عند الناخبين، فإن بعض المحافظين البراغماتيين البارزين قد بدا أنهم ينأون بأنفسهم عن مخيماتهم المحافظة عن طريق العمل كمستقلين أو الانضمام إلى القوائم المدعومة من قبل الإصلاحيين. باستخدام تلك التكتيكات، يأمل بعض المحافظين البراغماتيين في ضمان مقاعدهم والمساعدة في دفع إيران نحو مزيد من السياسات الاقتصادية المحفزة للنمو، في الوقت الذين يبقون فيه آمنين من قبل إلى المؤسسات المحافظة التي تحظى بدعم المرشد الأعلى.

المثال على تلك المؤسسات هو مجلس صيانة الدستور المحافظ أيدولوجيا، وهو هيئة مكونة من 12 عضوا مكلفة بمراجعة التشريعات والموافقة على المرشحين للانتخابات. قام المجلس برئاسة «أحمد جنتي»، بمنع العديد من التشريعات الإصلاحية كما قام بحجب العديد من المرشحين الإصلاحيين لمجلس الخبراء والانتخابات البرلمانية. ويتم تعيين ستة من أعضاء مجلس صيانة الدستور مباشرة من قبل «خامنئي»، بينما الستة المتبقون يتم تعيينهم من قبل رئيس السلطة القضائية، والذي يعين هو الآخر من قبل «خامنئي».

في الماضي، كان العديد من المرشحين الإصلاحيين الذين يوافق عليهم المجلس يختارون في نهاية المطاف مقاطعة الانتخابات بعد استبعاد الكثير من قوائمهم. ولكن هذا العام، فإن المرشحين الإصلاحيين لمجلس الخبراء قد قرروا مواصلة السباق، وهو ما يعني أن نسبة إقبال الناخبين سوف تكون مرتفعة. ونظرا لأن المرشحين الإصلاحيين والمحافظين البراغماتيين يحظون بفرص أفضل في الحصول على نسب تصويت مرتفعة من المتشددين أو المحافظين التقليديين، فإن مجلس الخبراء القادم ربما يكون أقل محافظة من المجالس الماضية. هذا يمكن أن يؤثر على اختيار الزعيم القادم للجمهورية الإسلامية، وهي الوظيفة الرئيسية للجمعية، وبخاصة مع التدهور الكبير في الحالة الصحية للمرشد الحالي.

بالنسبة للسلطة التشريعية، أيضا، فقد كانت نسبة المرشحين الداعين إلى المقاطعة أقل هذا العام. ويأمل المحافظون البراغماتيون والتقليديون أن نسبة الإقبال سوف تمكنهم من الإمساك بالمزيد من المقاعد. «علي مطهري» و«علي لاريجاني» من بين المحافظين التقليديين والبراغماتيين الذين تحولوا عن وجهات النظر المتشددة وظهروا بمظهر علني أكثر إصلاحية. «مطهري»، المرشح المحافظ في منطقة طهران الهامة، وضع اسمه على قائمة تشمل تحالفا بين الإصلاحيين والمعتدلين المؤيدين للحكومة. «على لاريجاني»، رئيس البرلمان المحافظ، رفض بدوره دعوة من المتشددين للانضمام إلى ائتلافهم وقرر خوض الانتخابات كمستقل. على الرغم من أن «لاريجاني» غالبا ما كان يصنف على فئة المحافظين التقليديين، فإنه قد أظهر تأييده للمحافظين البراغماتيين، كما قدم الدعم لـ«روحاني» إلى درجة أن البعض قد صار يصنفه هو نفسه ضمن فئة البراغماتيين.

دعوات الإصلاح الاقتصادي

وبعض النظر عن هوية الفصيل الذي سيحصد العدد الأكبر من المقاعد في انتخابات 26 فبراير/شباط، فإن الشعب الإيراني يتوق للتجديد الاقتصادي والرفع الكامل للعقوبات. ولكن الرفع الكامل للعقوبات سوف يتسبب في هزة للاقتصاد المحلي ويمكن أن تستنزف بعض القوة الاقتصادية للحرس الثوري. يستأثر الحرس الثوري، الذي يوصف بأنه حارس للقيم الثورية، بالكثير من ثروة الدولة. ورغم أن الدستور الإيراني يحظر على الهيئات والتنظيمات العسكرية المشاركة في السياسة، فإن الحرس الثوري قد اكتسب سلطة سياسية مضطردة لاسيما خلال فترة رئاسة «أحمدي نجاد» بسبب علاقته الوثيقة مع الرئيس. تحت قيادة «روحاني»، فإن سياسة الانفتاح الاقتصادي قد بدأت تعود بالنفع على البلاد بشكل عام كما أنها قد تسهم أيضا في تقليص بعض النفوذ الذي حازه الحرس الثوري، ولكن إتمام هذه العملية يتطلب وجود هيئة تشريعية أكثر اعتدالا.

يخبرنا التاريخ أن الناخبين الإيرانيين، الذين يتوقون بفارغ الصبر إلى تحسين الاقتصاد الإيراني، سوف يميلون إلى التصويت لصالح المرشحين الذين يعدونهم بالتغيير. ونظرا لرصدهم هذا الشعور العام، فإن المحافظين يميلون لربط أسمائهم بالإصلاحيين البارزين. وهكذا فإنه حتى مع منع معظم المرشحين الإصلاحيين من الترشح، فإن الناخبين الإيرانيين لا زال لديهم فرصة محدودة للتصويت لصالح الإصلاح الاقتصادي، وذلك ببساطة من خلال دعم المحافظين الذين قدموا أنفسهم على أنهم معتدلون وقابلون للتغيير.

في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فإن تحالف المعتدلين يملك الفرصة من أجل تقليم نفوذ المتشددين بشأن السياسة الاقتصادية دون الخروج على الخط الأيدولوجي الذي وضعته المؤسسة المحافظة في إيران. ومع ذلك فإن التصويت لديه فرصة ضئيلة لإحداث تغيير جوهري في السياسة الخارجية الشاملة لإيران. الانفتاح الاقتصادي في إيران ورغبتها في الحفاظ على الاتفاق النووي وتركيزها على التحديات الإقليمية سوف تظل محددات قائمة بصرف النظر عن هوية الفصيل الذي من المنتظر أن يسود. مع ذلك، فإن تصويت 26 فبراير/شباط سوف يكون مؤشرا حول تفاعلات التيارات الأيدولوجية المتغيرة في البلاد والتي يمكن أن يكون لها آثار على الانتخابات الرئاسية الإيرانية في عام 2017.

المصدر | ستراتفور