الثلاثاء 3 مايو 2016 02:05 ص

وفر قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي يمكنه منع طهران من الحصول على أوراق مالية أمريكية تمتلكها بقيمة 2 مليار دولار، وفر مادة غنية من جديد للسجال بين المتشددين والمحافظين البراغماتيين في إيران، وفي مقدمتهم الرئيس الإيراني الحالي «حسن روحاني» وسلفه «محمود أحمدي نجاد». محافظ البنك المركزي، نائب الرئيس الإيراني ومسؤول الشؤون السياسية في وزارة الخارجية الإيرانية جميعهم ألقوا بالمسؤولية في جميع القرارات على إهمال إدارة «أحمدي نجاد» بترك الأموال في البنوك الأوروبية والذي سمح باحتجازها من قبل الولايات المتحدة مع تشديد العقوبات. من جانبه، فقد اتهم «نجاد» ضعف إدارة «روحاني» في مفاوضات التوصل إلى الاتفاق النووي، والذي سمح للولايات المتحدة أن تشكل تهديدا ماليا للجمهورية الإسلامية.

يلمح المتشددون إلى أن سوء إدارة «روحاني» للقضية يرقى إلى مستوى السرقة، وهو ما يضيف ثقلا إلى تلميحات «أحمدي نجاد» الأخيرة حول استعداده لخوض انتخابات الرئاسة في عام 2017. بعد كل شيء، لا تزال شعبوية «أحمدي نجاد» تحظى بتأييد بين الفقراء والريفيين والسكان المحافظين. ومع كون إيران لم تتعاف بعد من أوضاعها الاقتصادية المتعثرة التي عانتها بسبب العقوبات الدولية، فإن كل كل قرار سياسي ينطوي على بعد اقتصادي سوف يخضع لتدقيق كبير خلال مرحلة ما قبل الانتخابات.

تحليل

أظهرت الانتخابات البرلمانية في فبراير/شباط مدى جاذبية خطاب المعتدلين للجمهور الإيراني. الآن، مع اقتراب موعد جولة الإعادة في 29 إبريل/نيسان وقبل عام واحد من موعد الانتخابات الرئاسية، فإن «روحاني» وحلفاءه يعملون على تعزيز فوائد سياساتهم الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن الوقت ليس في صالح «روحاني». الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بعد عامين من رئاسة «روحاني» لم يدخل إلى حيز التنفيذ سوى قبل 18 شهرا من نهاية ولايته الرئاسية. الفوائد من الاستثمار الأجنبي في الإدارة وإعادة الهيكلة الاقتصادية سوف تستغرق سنوات حتى تظهر آثارها. وعلاوة على ذلك، فإن النظام المالي الإيراني لم تندمج اندماجا كاملا في النظام العالمي: وقد شكا مسؤولو البنك المركزي الإيراني أنه كان هناك فقط القليل من المعاملات من قبل البنوك الدولية بسبب وجود قلق بشأن النظام المصرفي الإيراني. هناك 3 فوائد اقتصادية يمكنها أن تصب في مصلحة «روحاني» عبر مساعدته على إنعاش الاقتصاد وهي زيادة صادرات النفط والتجارة الخارجية واستعادة المليارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. هذا هو السبب في كون الحكم الصادر عن المحكمة العليا الأمريكية والذي يسمح لأسر ضحايا تفجير عام 1983 في لبنان وغيرها من الهجمات المرتبطة بإيران، بالحصول على ما يقرب من ملياري دولار كتعويضات من أموال إيران المجمدة، قد أعاد الجدال حول جدوى اعتماد الاقتصاد الإيراني على الغرب

«روحاني» في مواجهة «أحمدي نجاد»

ومع كونه يمثل خطابا أكثر تقدمية من الناحية الاجتماعية يتجاوز ما يراه بعض المتشددين القيم المثلى للجمهورية الإسلامية، فإن «روحاني» لا يزال يعمل ضمن الحدود التي خطها له المرشد الأعلى «آية الله علي خامنئي». الخلفية الدينية لـ«روحاني» مع امتلاكه عقودا من الخبرة في العمل داخل أروقة الحكومة الإيرانية ضمنت لـ«خامنئي» أن «روحاني» لن يبتعد كثيرا عن الخط المرسوم له. ويبقى برنامج الإصلاح الاجتماعي هو الذي يتسبب في استنزاف الدعم الذي يحظى به من النخبة الحاكمة على الرغم من أن «روحاني» يواصل العمل بعناية على موازنة أجندته الاجتماعية والاقتصادية مع المثل والقيم المحافظة.

ولكن بعض من تلك القرارات الحكيمة اقتصاديا التي اتخذها «روحاني» مثل إلغاء الدعم النقدي عن 24 مليون إيراني، قد تساهم في حفظ أموال الحكومة لكنها سوف تضر شعبيته بين الناخبين. وقد كانت هذه المدفوعات تحظى بشعبية كبيرة خلال رئاسة «أحمدي نجاد» ويمكن أن يسهم غيابها في زيادة الدعم لترشيح «نجاد».

ومع ذلك، فقد تسببت السياسات الاقتصادية لـ«أحمدي نجاد» في تحميل إيران بعقوبات اقتصادية. وعلاوة على ذلك، في حين أن الحرس الثوري الإسلامي قد يشعر بالاستياء نتيجة لتخفيف قبضته على الاقتصاد الإيراني حال نجحت جهود «روحاني» في تعزيز التجارة الحرة، فإنه مكروه سوء الإدارة الاقتصادية في عهد أحمدي نجاد كان أكثر ضررا بكثير. شخصية أحمدي نجاد الصاخبة ورغبته في تحدي ​​سيادة المرشد الأعلى على النظام الإيراني تنتقص بشكل خطير من قبوله بين النخبة الحاكمة أيضا.

مجلس صيانة الدستور، الذي يعين موافقته على جميع المرشحين للرئاسة، قد يسارع إلى استبعاد «أحمدي نجاد» من البداية حتى يمنع شخصية مثيرة للجدل مثله من تهديد استقرار الحكومة. ولكن قاعدة الدعم الشعبي الكبيرة التي يحظى بها قد تجعل هذا السيناريو أكثر صعوبة، رغم أن مجلس صيانة الدستور قد سبق له فعل ذلك مع الرئيس السابق صاحب الشعبية الكبيرة «علي أكبر هاشمي رفسنجاني» في عام 2013. وعلاوة على ذلك، فإن هناك بالتأكيد العديد من المرشحين المحافظين الآخرين إلى جانب «أحمدي نجاد» بإمكانهم الظهور وتحدي روحاني.

خيارات أخرى

يرغب «خامنئي» في تجنب العودة لعهد العقوبات، لذا فإنه من المرج أن يقدم الدعم لمرشحين إضافيين يدعمون السياسات الاقتصادية المتوافقة مع «روحاني». هناك أيضا شخصيتان يمكن أن تحظى كل منهما بدعم «خامنئي»، إضافة إلى معظم القاعدة المحافظة التقليدية في إيران وهما رئيس مجلس الشورى الإسلامي «علي لاريجاني» ورئيس فيلق القدس في الحرس الثوري، «قاسم سليماني». «لاريجاني»، على سبيل المثال، يوافق إلى حد كبير على سياسات «روحاني» الاقتصادية ويمكنها أن يمضي بها قدما ولكنه يبدي ميلا أكبر تجاه القضايا الاجتماعية المحافظة. أحد الخيارات المحتملة أيضا هو المرشح الرئاسي السابق «سعيد جليلي» الذي يمكن أن يحوز دعم الفصائل المتشددة في إيران بسبب تاريخه كأحد رموز الحرب العراقية الإيرانية.

وفي حين أن هناك شخصية أخرى قد تظهر على الساحة، فإن العرف في إيران قد جرى أن الرئيس يحصل على فترتين لتنفيذ برنامجه الانتخابي على مدار أكثر من 30 عاما. وقد أنهى معظم الرؤساء فترتهم الرئاسية الأولى مع مستويات عالية من الدعم وكذلك الحال مع «روحاني» الذي لا يزال يحظى بدعم شعبي قوي بالرغم من الجهود المبذولة من قبل خصومه المتشددين لتقويض شعبيته. وحتى أكثر المنافسين رفيعي المستوى لـ«روحاني»، مثل «لاريجاني»، لم يكونوا عدوانيين في تحديهم له على الأقل حتى الآن. ومع ذلك فإن الانتخابات الرئاسية قد تمثل فرصة لمرشح أكثر محافظة وأكثر قربا من «خامنئي» كي يكون واجهة إيران على العالم. المرشد الأعلى هو من يحوز السلطة الحقيقية في نهاية المطاف، ولكن الرئيس هو انعكاس للمطالب الشعبية.