الاثنين 29 فبراير 2016 10:02 ص

صارت أجواء العلاقات بين تركيا وروسيا مشحونة بشكل كبير منذ قيام تركيا بإسقاط الطائرة الروسية التي قامت بانتهاك مجالها الجوي في نوفمبر/تشرين الثاني. ولكن التوترات بين البلدين كانت آخذة في التصاعد منذ عدة أشهر قبل هذه الواقعة، وذلك بسبب التدخل الروسي في أوكرانيا ثم في سوريا. ونتيجة لذلك، فإن في خلال العامين الأخيرين، كان البلدان قد تراجعا إلى حد كبير عن حالة الوفاق التي كانت قد بنيت بينهما على مدار الـ15 عاما الماضية.

بنت البلدان علاقتهما على التعاون الاقتصادي والتبرم المشترك من النظام العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، والكيمياء الشخصية القيادية للرئيسين «فلاديمير بوتين» و«رجب طيب أردوغان». وقد كان هذا الوفاق الروسي التركي في الجزء الأكبر منه شذوذا تاريخيا. تبدو دوافع تلك المواجهة الأخيرة أكبر بكثير من فقدان طائرة حربية واحدة، وعلى الأرجح تبشر بالعودة إلى المنافسة الجيوسياسية التي كانت قاعدة حاكمة للعلاقات التركية الروسية على مر التاريخ.

تاريخ من التنافس الجيوسياسي

مواجهة اليوم، في الواقع، هي أقل وضوحا وحدة من مواجهات الأعوام الخمسة عشر السابقة للتقارب الطارئ. بعد كل شيء، هناك سوابق تاريخية للمنافسة بين الروس والأتراك على مدار أكثر من 5 قرون سابقة. الكثير من التوسع الإمبراطوري الروسي، بدءا من ضم القرم للمرة الأولى عام 1783 جاء في حقيقة الأمر على حساب «الدولة الإسلامية» وتوابعها على الساحل الشمالي للبحر الأسود والبلقان والقوقاز. قلبت مكاسب الروس من تراجع الإمبراطورية العثمانية موازين القوى في أوروبا، ودفعت كل من بريطانيا وفرنسا إلى تكثيف جهودهما من أجل للحفاظ على الدولة العثمانية كقوة عازلة، ولاسيما خلال حرب القرم في الفترة بين عامي 1854-1856. كانت طموحات روسيا للاستيلاء على المضايق التركية واستكمال تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية أحد الأسباب الأكثر مباشرة للحرب العالمية الأولى.

تواصل التنافس الروسي التركي حتى بعد انهيار الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، بصرف النظر عن التقارب الوجيز بين الزعيم السوفييتي «فلاديمير لينين» وبين مؤسس الدولة التركية الحديثة «مصطفى كمال أتاتورك» في مواجهة الإمبريالية الغربية مطلع العشرينات. خططت تركيا لإبقاء نفسها على الحياد خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن الاتحاد السوفييتي المنتصر قد أحيا طموح الإمبراطورية الروسية في السيطرة على المضايق التركية.  طالب «جوزيف ستالين» بسيطرة تركية سوفييتية مشتركة على الممرات وبمنح الاتحاد السوفييتي الحق في إقامة قواعد عسكرية في تركيا.

قاومت أنقرة مساعي «ستالين» بقوة، ما دفعه إلى محاولة توليد ثورة شيوعية في تركيا. وردا على ذلك، قدم الرئيس الأمريكي «هاري ترومان» المساعدة وفقا لمبدأ ترومان. وفي عام 1952، انضمت تركيا إلى حلف الشمال الأطلسي. أصبحت تركيا الكمالية في وقت لاحق معقلا لمعاداة الشيوعية وركيزة من ركائز التحالف الغربي في حين لم يتخل الاتحاد السوفييتي مطلقا عن جهوده لأجل إضعاف تركيا. من بين أدواته في ذلك كان دعم التمرد الكردي الذي قاده حزب العمال الكردستاني ضد أنقرة خلال حقبة الثمانينيات.

وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، أسهم تراجع النفوذ الروسي وتراجع تواجد روسيا المباشر على الحدود التركية بفعل وجود جمهوريات القوقاز كعازل بينهما في إزالة التهديد العسكري وسمح للبلدين بالتركيز على التعاون الاقتصادي.

ومع ذلك، فقد واصلت كل من أنقرة وموسكو الصراع في جوارهما المشترك. في وقت مبكر من التسعينيات، حاولت تركيا الاستفادة من لعلاقات التاريخية والثقافية لتحل محل روسيا باعتبارها راعيا للجمهوريات الإسلامية الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى. قامت كل من أنقرة وموسكو بدعم أحد طرفي الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ الذي تم تجميده عام 1994 بعد إعلان وقف إطلاق النار. وكان الصراع الأكبر يتمثل في الحرب في الشيشان حيث اتهمت روسيا تركيا بدعم المتمردين الانفصاليين.

من الصراع إلى التعاون

ومع تعثر اقتصاد كلا البلدين بشدة مع مطلع القرن، فقد عمدت أنقرة وموسكو إلى تخفيض صراعهما الجيوسياسي والتركيز على التعاون الاقتصادي. رفضت موسكو طلبا للجوء من قبل زعيم حزب العمال الكردستاني «عبد الله أوجلان» وقامت بإلغاء صفقة لبيع أنظمة الدفاع الجوي إس - 300 لصالح قبرص اليونانية. وتناول اتفاق عام 2001 التوترات بين البلدين عبر القوقاز وآسيا الوسطى. وبموجب اتفاق يناير/كانون الثاني من العام 2002، فقد سحبت روسيا دعمها لحزب العمال الكردستاني في حين اعتمدت تركيا موقفا أكثر تشددا تجاه الشيشان والجماعات العاملة في شمال القوقاز على الرغم من التعاطف الكبير الذي كانوا يتمتعون به بين عموم الأتراك (مئات الآلاف من المواطنين الأتراك هم من ذوي الأصول القوقازية حيث فر العديد من المسلمين إلى تركيا أثناء الغزو الروسي للقوقاز في القرن التاسع عشر).

مع القليل من الاحتكاكات الاستراتيجية، فقد ازدهرت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا. وبحلول عام 2008 كانت روسيا قد أصبحت الشريك التجاري الأكبر لتركيا. وكانت الطاقة هي المكون الأكثر استراتيجية في العلاقات بين البلدين. استوردت تركيا، التي لا تملك سوى القليل من المواد الهيدروكربونية، أكثر من 40 في المائة من نفطها من روسيا في عام 2009 (على الرغم من أن هذه النسبة قد شهدت انخفاضا نسبيا منذ لك الحين). لا تزال روسيا تزود تركيا بواقع 57 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي. وقد امتدت هذه العلاقات الاقتصادية لتشمل الطاقة النووية، والبناء، والسياحة، والقطاعات الأخرى كذلك.

كانت أهم العوامل التي هيأت للتقارب الروسي التركي هي الشعور التزايد بالاغتراب تجاه الغرب، إضافة إلى حالة الوئام بين «بوتين» و«أردوغان». عارض كلاهما الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. وفي الوقت نفسه، على الجانب الروسي، فإن توسع الناتو تزامنا مع الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا أحيت المخاوف من أن الغرب كان يسعى لدحر النفوذ الروسي. على الجانب التركي، فإن المفاوضات الغير مثمرة الخاصة بالانضمام للاتحاد الأوروبي جنبا إلى جنب مع قبول انضمام قبرص اليونانية على الرغم من رفضها لخطة السلام التي ترعاها الأمم المتحدة قد عمقا من إحباط أنقرة. سعى البلدان إلى نفسيهما كوسطاء بين الغرب وطهران فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، حتى إن أنقرة قد اتخذت موقفا أكثر استيعابا تجاه غزو روسيا لجورجيا في عام 2008.

العودة إلى الصراع

وعلى الرغم من هذا التعاون، فإن الوفاق الروسي التركي ظل مرتكزا إلى أسس جيوسياسية ضحلة والتي تم اختبارها مرارا وتكرارا خلال السنوات الماضية بسبب انتشار الصراعات الإقليمية. قبل إسقاط تركيا للطائرة الروسية، كانت أنقرة وموسكو تحاولان تجاوز خلافاتهما في سوريا من أجل التعاون في مناطق أخرى.  ولكن الأزمات في القوقاز وأوكرانيا والشرق الأوسط قد تركت روسيا وتركيا على طرفي نقيض ووضعت ضغوطا على العلاقات التركية الروسية، وجاءت حادثة الطائرة لتسلط الضوء على هذه الضغوط.

من ناحية، فإن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم قد تسبب في تغييرات جذرية في موازين القوى عبر البحر الأسود. وتواجه تركيا الآن مخاوف الحصار من قبل القوات البحرية الروسية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تصاعد الصراع بين أذربيجان وأرمينيا من جديد يهدد بجر روسيا وتركيا الى صراع بالوكالة. ولم تفلح جهود روسيا من أجل دفع باكو بعيدا عن تركيا والاتحاد الأوروبي.

وعلاوة على ذلك، فقد تحولت سوريا بالفعل إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوتين في الوقت الذي تسعى فيه تركيا إلى الإطاحة بالرئيس السوري «بشار الأسد» وتواصل تقديم الدعم لجماعات المعارضة التي تصنفها موسكو كجماعات إرهابية. قدمت روسيا، جنبا إلى جنب مع إيران، دعما غير محدود للنظام السوري بما في ذلك من خلال التدخل العسكري المباشر الذي سمح للأسد باستعادة الزخم على الأرض خلال الأسابيع الأخيرة، ما تسبب في نسف جهود محادثات السلام الدولية في جنيف. وقد كانت نتائج الحرب كارثية بالنسبة إلى تركيا حيث تسببت في اندفاع 2.5 مليون لاجئ إلى البلاد، في حين يواصل حزب الاتحاد الديمقراطي توسعه لتشكيل ما يشبه دولة كردية على الحدود التركية، مما ساهم في تأجيج التمرد الكردي مرة أخرى.

وقد حاولت أنقرة احتواء الأزمة ولكن موسكو قد وظفتها من أجل إثارة المشاعر القومية ضد تركيا وقانت بفرض عقوبات كلفت الاقتصاد التركي 0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وقد زادت القوات الروسية أيضا من هجماتها ضد وكلاء تركيا في سوريا وسارعت بتأييد حزب الاتحاد الديمقراطي. تدرك روسيا أن تركيا واقعة تحت ضغط هائل بسبب أزمة اللاجئين والهجمات المرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية». وتجدد الحرب مع حزب العمال الكردستاني، وتسعى لاستثمار هذا الضغط لصالحها.

وكما كان الحال في العصور السابقة، فإن تركيا لا تزال تعتبر تزايد النفوذ الروسي خطرا عليها وعلى توازن القوى في المنطقة. واستجابة ذلك، فإن تركيا تحاول رأب علاقاتها مع الغرب. دعت أنقرة حزب الشمال الأطلسي لإجراء مشاورات على الفور عقب قيامها بإسقاط الطائرة الروسية. وفي الآونة الأخيرة،  قامت تركيا بتوقيع اتفاق مع الاتحاد الأوربي حصلت بموجبه على تعهدات بمنح مالية وإعادة فتح مفاوضات انضمامها للاتحاد الأوروبي مقابل المساعدة في وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

وقد كان التقارب الروسي التركي خلال السنوات الـ15 الماضية ممكنا فقط لأن البيئة الجيوسياسية كانت هادئة على نحو غير عادي. تشكل روسيا المنطوية تهديدا أقل على المصالح التركية. وفي الوقت الذي كانت خلاله تركيا تبحث عن مصالحها بعيدا عن الغرب، فقد رأت في روسيا شريكا مفيدا. في ظل هذه الظروف، وجدت أنقرة وموسكو من السهل عليهما التعاون في التجارة والطاقة، وحتى في مجالات الدبلوماسية الإقليمية.

في السنوات القليلة الماضية، عادت الجغرافيا السياسية إلى أوضاعها التقليدية. الآن تختلف المصالح الروسية والتركية على نحو متزايد في مناطق القوقاز والبحر الأسود، والشرق الأوسط. تسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في تصاعد شعور تركيا بالخطر القادم من الشمال، في حين أن الصراعات السورية والكردية قد خلقت جرحا مفتوحا على حدودها الشرقية. ومرة أخرى، يتم تعريف العلاقات الروسية التركية على أنها صراع من أجل الهيمنة الإقليمية.

المصدر | فورين أفيرز