الاثنين 23 مايو 2016 02:05 ص

مثل عدد كبير من المشاركين في «ستراتفور»، أقضي وقتا طويلا في التفكير حول الجغرافيا. في كتابي الصادر في عام 2010 تحت عنوان لماذا يحكم الغرب، قمت بافتراض أن الجغرافيا هي القوة الرئيسية التي حددت المصائر المختلفة لكل جزء من أجزاء كوكب الأرض على مدار الـ20 ألف عام الماضية. وترجع طريقة عمل هذا الأمر إلى حقيقة أن الجغرافيا هي التي تقود التنمية الاجتماعية وتحدد ما يمكن لأعضاء المجتمع القيام به: ولكن في الوقت نفسه فإن تلك التنمية الاقتصادية تعيد تعريف الجغرافيا وتحديد ما يعنيه الفضاء من حولنا.

على سبيل المثال فقد كانت الجغرافيا هي السبب في أن شمال غرب أوروبا خلال أكثر حقب التاريخ كانت مناطق هامشية متخلفة. لقد كانت دوما بعيدة عن المراكز الحقيقية للتنمية التي تمتد من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الصين، وقد كان معزولة دوما عن بقية العالم بفعل المحيط الذي كان من الصعب التغلب عليه. ولكن في خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، عندما بدأ الناس في بناء السفن العابرة للمحيطات فقد تغير معنى الجغرافيا بالنسبة إلى شمال غرب أوروبا. وتحول المحيط الأطلسي من حاجز إلى طريق للسفر يربط أوروبا مع باقي الكوكب لتتحول المنطقة من الهامش لتصبح مركزا عالميا. استمر التطور خلال القرن العشرين انكمش المحيط الهادي هو الآخر وذلك بفضل لشركات الطيران وسفن الحاويات والإنترنت. وكانت النتيجة أن شرق آسيا قد كرر نفس لعبة أوروبا منتقلا من الهامش إلى القلب من تحول المحيط من حاجز إلى طريق للتنقل.

وقد أكدت أن هذه عملية طويلة الأجل. كما أوضحت لماذا هيمن الغرب على الكوكب خلال القرنين أو الثلاثة الماضيين ولماذا ينازعه الشرق في تلك الهيمنة الآن. ولكن يبقى هناك سؤال واحد للإجابة: هل صار معنى الجغرافيا سريع التغير إلى تلك الدرجة التي لم يعد فيها هناك معنى للجغرافيا عل الإطلاق؟

عالم جديد في طور التشكل؟

يأتي الجواب على هذا التساؤل في كتاب «باراج خانا»: محاولة لرسم مستقبل العولمة، والذي تم نشره قبل شهر واحد تقريبا. وقد حاز هذا الكتاب اهتماما واسعا. «خانا» نفسه قد كتب عمودا لـ«ستراتفور» شرح فيه ما تقول حججه لنا عن الصين. السبب الذي يدفعني للعودة للحديث عن الكتاب مرة أخرى هو أن جواب «خانا» حول ما ستعنيه الجغرافيا خلال القرن الـ21 هو الجواب الأكثر إلحاحا والأكثر انفتاحا للمزيد من المناقشة.

يوافق «خانا» أن الجغرافيا تقود إلى التنمية الاجتماعية وأن التنمية الاجتماعية تعيد بدورها تعريف الجغرافيا. لكنه يذهب خطوة أبعد من خلال التعرف على الآلية التي تقوم بها التنمية بالتأثير مرة أخرى في الجغرافيا وهي البنية التحتية. وهو يعرف الإنسانية على أنها إعادة هندسة كوكب الأرض. كتاب ممتاز آخر، لعالم الآثار «باري كونليف» يوضح أن هذه العملية مستمرة منذ أكثر من 6 آلاف عام حيث بدأت مع تدجين الخيول في أوكرانيا واستمرت مع اختراع العجلات المتنقلة و بناء القوارب والطرق، وإنشاء المدن. ولكن اهتمام «خانا» قد تركز على العالم منذ عام 1989 وبالتحديد منذ سقوط جدار برلين وصعود شبكة الإنترنت واستبدال عالم ويستفاليا القديم ليحل محله ما يسميه بأنه «عالم سلاسل التوريد العالمية».

ووفقا لقوله فإن سلاسل التوريد وليست مفاهيم السياسة والحدود هي التي تعرف العالم وتضع المبادئ المنظمة في القرن الحادي والعشرين. لا تتغير البلاد من حيث هي ولكن الربط يقدم بديلا لمصير الجغرافيا. وفي حين تظهر الخرائط القديمة الحدود والمحيطات والسلاسل الجبلية التي تفصل بين الناس، فإن الخرائط الجديدة تظهر التدفقات التي تظهر بينها. منذ عام 1989، ازداد عدد الوحدات السياسية المستقلة على الأرض، ولكنها، وفقا لـ«خانا»، صارت مندمجة في وحدات وظيفية أكبر بكثير والتي تنمو بشكل كبير حتى صارت أكثر من دولة تستخدم بنى تحتية مشتركة ناهيك عن الاتفاقات الجمركية والشبكات المصرفية، وشبكات الطاقة التي تنتقل من المساحات السياسية إلى المساحات الوظيفية.

ولكن «خانا» لا يجادل فقط أن تجميع القوى قد حتم فرض المزيد من التفويض السياسي. ولكنه يشير إلى أن ديناميكية هذا الأمر تسير وفق الطريقة التي وصفها الفيلسوف الألماني« هيجل»: التقدم عبر تجاوز الخلافات. والتجاوز هنا يعني على وجه التحديد التحول من عقلية «أنا وهم» إلى عقلية «نحن». وهو يجادل أن التفويض يعد أمرا حاسما في هذا الصدد نظرا لأنه ما إن تتم تسوية الحدود والبلدان حتى يبدأ البحث عن تدفق السلع والخدمات. ويخلص من ذلك إلى أن سلاسل التوريد تقلل من حوافز الصراع وأن أسباب الحرب كما عرفناها منذ إنشاء عالم ويستافليا تتلاشى الآن. ويتم إحلال المغازلات محل التحالفات وتبنى العلاقات على أساس التكامل بين العرض والطلب.

وأنا هنا أود التوقف للتركيز على هذه الفكرة الأساسية التي تفسر ما يمكن أن نراه على أنه عالم مسطح وأقل حجما وربما أكثر ازدحاما ودفئا. ولكن في هذه المرحلة من القصة، على ما أعتقد، فإنه من المفيد أن نرجع إلى منظور أوسع في التاريخ لنضيف إلى ما أقر «خانا» أنه لم يلتفت إليه كثيرا في الحقبة التي سبقت عام 1989.

نشأة العنف

يحلل كتاب «خانا» ببساطة المرحلة الأخيرة والأكثر إثارة من قصة قديمة. الحياة، بالمعنى البيولوجي حيث نقوم باستخراج الطاقة من البيئة المحيطة بها وإعادة استخدامها، بدأت قبل 3.8 مليار سنة في شكل سلاسل قصيرة من الجزيئات الكربونية التي عقدت معا بواسطة الأغشية الأولية. قبل نحو 3.5 مليار سنة تجمعت هذه النقط الكربونية لتشكل خلايا بسيطة تقوم ببعض الوظائف المتخصصة. قبل نحو 1.5 مليار سنة، تطورت هذه الخلايا واكتسبت قدرة الارتباط والاندماج الجنسي وتبادل معلومات الحمض النووي بين خليتين بدلا من استنساخ خلية واحدة. قبل نحو 600 مليون سنة، كانت بعض الخلايا تتقاسم المعلومات الجينية بدقة متمكنة من تشكيل كائنات متعددة الخلايا. (أجسامنا تتكون من مائة مليار خلية على الأقل).

وقد سار التطور الذي وصفه «خانا» على ذات الطريق تقريبا. وباستعارة لغته نفسها يمكننا أن نقول أن الانتخاب الطبيعي قد اختار المناطق المثلى التي قامت بنقل المادة الوراثية بطريقة أكثر كفاءة عبر الزمن. وكما هو الحال في عالم ما بعد عام 1989 فقد كان الأمر يسير أيضا عبر المنافسة وكذلك التعاون. الخلايا التي تطورت إلى جزيئات كربونية هي تلك الخلايا التي تنافست بشكل أفضل من أجل الوصول إلى طاقة الجزيئات. وبالمثل، أثبتت الكائنات متعددة الخلايا قدرة على المنافسة في مواجهة نظيرتها من وحيدة الخلية. وخلال المائة مليون سنة الماضية، تطورت بعض الكائنات الحية مثل النمل والنحل والقرود والبشر لتصبح كائنات اجتماعية تتعاون في شكل مجموعات وتتنافس مع الحيوانات الأخرى التي تشاركها نفس الميول.

كانت أول الحيوانات التي طورت بنية تحتية خاصة بها لتمكنها من التنافس مع غيرها من الحيوانات كانت هي أسماك القرش الأولية التي بدأت منذ 400 مليون عام في اكتساب الأسنان الغضروفية القوية التي تمكنها من تمزيق لحم الحيوانات الأخرى. وجدت هذه الأسماك طريقا مختصرا في سباقها الكبير نحو الطاقة: سرقة الطاقة المخزونة في غيرها من الحيوانات عن طريق التهامها كطعام لها وبدأت هذه الأسماك في الاقتتال مع بعضها في التنافس على الطعام أو الشريك الجنسي. رفعت الأسنان المنافسة إلى مستوى جديد، وقد استجابت غيرها من الأنواع سواء عبر سرعة الفرار أو تطوير بعض الحويصلات السامة وهكذا بدأ تطور العنف.

اكتسب جميع أنواع الحيوانات، والإنسان أيضا، القدرة على استخدام القوة لتسوية النزاعات. ومع ذلك فقد كان البشر مختلفون على سائر الفصائل الأخرى بامتلاكهم للدماغ البشري الذي يسمح لنا بممارسة الاختيار الواعي في بناء المؤسسات والمنظمات والثقافات. في حين أن سائر الحيوانات تستجيب للتغيرات في بيئاتها من خلال التكيف الوراثي والتحول إلى أنواع جديدة فإن البشر كان يتكيفون بشكل ثقافي عبر فعل الأمور بشكل مختلف. قبل حوالي 20 ألف عام، كان متوسط فرصة موت البشر من العنف هي 1 لكل 10 وهي ذاتها نفس الاحتمالات التي يواجهها الشامبانزي الحالي. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن معدل الموت بفعل العنف حاليا هو 0.7%. في بعض الأماكن المحظوظة مثل الدانمارك فإن هذا المعدل يبلغ بالكاد 0.001%. وخلافا لغيره من الأنواع في أي وقت مضى، فقد نجح الإنسان في خفض معدل الموت العنيف بنسبة 90% بغير حاجة إلى التطور إلى نوع جديد.

منذ آلاف السنين كان البشر يخلقون المناطق الآمنة للعيش ويوسعونها عن طريق الغزو العنيف. هؤلاء الفاتحين، كما وصفهم «توماس هوبز» في القرن الـ17، فرضوا أنفسهم بالقوة كحكام وأجبروا رعاياهم على قبول حقهم الشرعي في استخدام القوة. وفي الوقت الذي قامت فيه الولايات بفرض السلام داخل أراضيها فقد نشأ هذا النوع من الجغرافيا الوظيفية داخل بين الإمبراطوريات. هناك أرقام مذهلة حول جرار النبيذ التي تم العثور عليها على شاطيء موزيريس على الساحل الهندي، حيث تدفقت تجارة الحرير الصيني إلى الإمبراطورية الرومانية التي زعم الجغرافي «بليني الكبير» أن أثمانه تسببت في تدفق الفضة خارج الإمبراطورية ما أسهم في زعزعة استقرار العملة الرومانية. في عصر إمبراطوريات ماوريان وهان الرومانية قبل نحو ألفي عام، انخفضت معدلات الوفيات الناتجة عن العنف إلى حوالي 2% في حين ارتفع نصيب الفرد من مستويات الاستهلاك بنسبة 50%.

هذه العمليات من الربط والاتصال بين الإمبراطوريات ذهبت إلى آفاق أبعد مع إنشاء الحكومات التي كانت قادرة على العمل عبر القارات في بريطانيا ثم الولايات المتحدة. لم تكن أي منها حكومة عالمية كانت تفرض سطوتها عبر رفع تكلفة قيام أي حكومة أخرى بمواجهتها بالعنف. كانت النتيجة أن تعلمت تسخير المزيد من القوة التدميرية حتى بلغ الحد في السبعينيات أن هناك قوة نووية تكفي لإنهاء الحياة على الأرض. ولعل أكبر مفارقة في التاريخ بأنه في الوقت الذي ارتفعت فيه القدرة على تقديم الموت العنيف، فإن النسبة الفعلية للموت عبر العنف قد انخفضت.

الطريق القديمة لا تزال تعمل

ربما هذا هو الجانب الجيد الذي نتعلمه من تاريخ الاتصال في العالم. على الجانب السيئ، فإن علينا أن نعلم أن تلك الطريق كانت وعرة للغاية. غالبا ما كان يصحب نمو تلك الدول ردود أفعال تسببت في تراجع السلام والرخاء العالميين. في القرن الثالث، بدأت الإمبراطوريات تتمزق من البحر المتوسط إلى الصين. انهارت طرق التجارة وتصادمت الشعوب وارتفع العنف بشكل كبير. خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر ومرة أخرى خلال القرن العشرين تأرجحت أوراسيا على شفا هاوية مماثلة. في كل حالة فإن ما أعاد تفعيل نمو الربط والسلام والرخاء ه وإعادة إحياء تلك الإمبراطوريات الضخمة.

يعترف «خانا» بالكثير من هذا ولكن لا يزال يخلص إلى أن «النظام العالمي لم يعد شيئا يمكن فرضه من أعلى إلى أسفل». ولكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح حقا هو: هل الاتصال والبنية التحتية سميكة حقا بشكل كبير لجعل الجغرافيا السياسية غير مهمة وحتى تحل محل الحرب كأداة لإعادة ترتيب سلاسل التوريد في العالم؟ يقتبس «خانا» من «باري لين» من مؤسسة أمريكا الجديدة قوله: «لقد أنشأت الشركات النظام الأكثر كفاءة إنتاجية في العالم على الإطلاق».

العالم يتغير، و«خانا» محق بالتأكيد في أن سلاسل التوريد والفضاء الإلكتروني يغيرون حياة البشر بشكل كبير، ولكن ذلك أيضا يظل في أفضل الأحوال نوع من الجغرافيا الوظيفية التي تحل محل الجغرافيا السياسية التقليدية. يضيف «خانا» بالقول أنه «إذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تعترف بحقائق الجغرافيا السياسية الجديدة التي خلقتها سلاسل التوريد فإن بإمكانها أن تقلل من تدخلاتها العسكرية التي تضر أكثر مما تنفع». وهو هنا يؤكد الدرس التاريخي بأن الشيء الوحيد الذي يثبط باستمرار الجهات الفاعلة من استخدام القوة لمحاولة حل مشاكلهم هو ذلك النظام التنين المفروض من أعلى إلى أسفل.

يرى «خانا» أن «العالم يتطور إلى حضارة كوكبية حول المدن الساحلية. ينبغي أن نكون أكثر اهتماما بتطوير سلاسل التوريد من الهيمنة الإمبريالية. تلك المدن الساحلية تريد قوى أمنية وتقنيات لمكافحة الإرهاب أكثر من الاحتلالات الأجنبية والأسلحة النووية. نحن نفضل عالم قائم على العلاقات أكثر من أن نعيش في عالم يحكمه تنين لا يغلب. عالم من الثقافات المفتوحة مثل زنجبار وعمان، والبندقية، وسنغافورة، سيكون أكثر أمانا من عالم الإمبراطوريات الضخمة الذي وصفه جورج أوريل».

أعتقد أن «خانا» على صواب في أن هذا هو الاتجاه الذي يأخذنا إليه عالم ما بعد عام 1989. ولكن النظر طويل الأجل يخبرنا أنه لا يمكننا أن نصل إلى ذلك إلا إذا قام الجميع بعقلانية في التفكير في مصلحة النظام ككل. ولكن التقييمات الأنانية قصيرة الأجل غالبا ما تقطع هذه الأمور. عندما قام الرئيس الرئيسي بضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 متشبثا بالجغرافيا السياسية ومتجاهلا كل هذا الحديث عن الجغرافيا الوظيفية فإنه فعل ذلك لأنه يعلم أن المعاني القديمة للجغرافيا السياسية لا تزال حاضرة، وهي تسمح للأوكرانيين ذوي الميول الغربية بسحب القرم نحو مدار حلف الناتو وهو أمر من شأنه أن يشكل تهديدا وجوديا لروسيا. نحن لم نتحرر بعد من عالم ويستفاليا. ويبدو أن حقيقة الأمر هي أن الجغرافيا تواصل تغيير معانيها باستمرار وبشكل أسرع من أي وقت مضى، ولكن لا يزال لدينا طريق طويل لنقطعه قبل أن تصبح بلا معنى على الإطلاق.