الثلاثاء 1 ديسمبر 2015 12:12 ص

في خريف عام 1914، كانت السفينتان الحربيتان الألمانيتان، «جوبن» و«بريسلاو»، تحملان اللاجئين في العاصمة العثمانية القسطنطينية. بعد مفاوضات سرية بين مكاتب الحرب الألمانية والعثمانية، فإن «جوبن» و«بريسلاو»، جنبا إلى جنب مع سرب البحرية العثمانية المصاحب لهما قد انتقلوا إلى قصف المدن الساحلية الروسية نوفوروسيسك، أوديسا، وسيفاستوبول. هذا وفقا لـ«فيلهلم سوشون»، قائد السرب المتوسط ​​الألماني. كان الأمر ذريعة مثالية لإجبار العثمانيين المحايدين على التورط في الحرب العالمية رغما عنهم. وكانت روسيا تمثل بالنسبة للعثمانيين العدو القديم، وعن طريق إقراض اثنين من البوارج الألمانية للقسطنطينية، فإن ألمانيا قد تمكنت من تعديل الأولويات الاستراتيجية للعثمانيين، وقد كان «سوشون» محقا في وجهة نظره.

في العام الماضي، في مقال عن الجغرافيا السياسية لمنطقة البحر الأسود، ذكرت أن مسار العلاقات الروسية التركية الحديثة قد تأسس في عام 1783، عندما استولت جيوش القيصر الروسي على شبه جزيرة القرم ما كان يعد بالنسبة إلى العثمانيين خسارة لجزء من أراضي المسلمين. الصدمة والرغبة في منع أي خسائر قادمة قد دفعت العثمانيين نحو التغريب، بمعنى بذل الجهود لتحقيق التوازن ضد التوسع الروسي من خلال التحالفات الأوروبية. جاء التوازن الأكثر أهمية خلال حرب القرم بين عامي 1853 إلى 1856 حيث دعمت فرنسا وبريطانيا بنجاح الدولة العثمانية ضد محاولات روسيا السيطرة على أراضيها.

على الرغم من نتائج تلك الحرب، فإن تواجد البحرية الروسية في البحر الأسود قد تعزز تدريجيا خلال الـ60 عاما المقبلة. وتزايدت المكاسب الإقليمية الروسية ضد العثمانيين على أرض الواقع. في الواقع، منذ أكثر من قرن من الزمان، واصل العثمانيون فقدان الأراضي لصالح الإمبراطورية الروسية سواء في القوقاز والبلقان، وهي الصدمة التي أثرت على تفكير الإمبراطورية في زمن «سوشون». وبعبارة أخرى، فإنه كان من المنطقي بالنسبة إلى «سوشون» أن يعتقد بأن اثنين من البوارج الألمانية من شأنها أن تعزز الدوافع النفسية للعثمانيين لفعل ما يودون القيام به في البحر الأسود على أية حال.

تأثيرات التاريخ

ومن الصعب أن نقلل من مدى تأثير التاريخ على التفكير الاستراتيجي التركي. اتفاق التجارة مع إيران، على سبيل المثال، يمكن أن يكون قد تم عقده بالنظر إلى معاهدة «ذوهاب» عام 1693 والتي أنهت الحرب بين العثمانيين والصفويين. وعلاوة على ذلك، فقد جادلت تركيا منذ فترة طويلة أن البرنامج النووي الإيراني لن يكون تهديدا لأنقرة نظرا لأن الحدود التركية الإيرانية لم يتم انتهاكها منذ هذا الاتفاق. المشروع المشترك مع فرنسا يمكن النظر إليه كذلك في سياق التسهيلات التي قدمها السلطان «سليم الأول» لصالح التجار الفرنسيين. خلال مفاوضات الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوربي عام 1996، جادل بعض أعضاء البرلمان التركي صراحة أن الصفقة كانت أسوأ من التنازلات.

ومن المؤكد أن التفكير التاريخي هو حاكم على أداء القوى الأخرى كذلك. عندما ضمت روسيا القرم في مارس/ أذار 2014 على سبيل المثال، فإنها لم تغفل الإشارة إلى تواريخ 1783 و 1856. تمثل القرم «جناح الفانتوم»، (على حد تعبير الصحافي البريطاني ماثيو نورمان)، لكل من الإمبراطوريتين الروسية والتركية السابقة. وبعد الاستيلاء عليها، أكد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» أن تركيا لن تعترف أبدا بضم شبه جزيرة القرم من قبل روسيا.

انتهاكات متكررة

وردت تركيا على هذه الحوادث من خلال الطلبات الدبلوماسية والاتصالات العسكرية المباشرة، وأحيانا آثرت البقاء هادئة حتى لا تشعل أزمة أكبر لمنظمة حلف شمال الأطلسي. ليست الحرب الخطابية فقط هي التي اشتدت منذ دخول المقاتلات الروسية إلى أوكرانيا، فقد شهدت تركيا أيضا عددا متزايدا من انتهاكات المجال الجوي من قبل الطائرات الروسية عبر البحر الأسود. بالإضافة إلى ذلك، فإن أسطول البحر الأسود الروسي، الذي يتمركز في موانئ نوفوروسيسك، أوديسا، وسيفاستوبول، قد فرض هيمته على البحر الأسود وتورط في عدد من المناوشات الرادارية مع السفن التركية وحلف شمال الأطلسي. جاء التطور الأكثر إثارة للقلق في مارس/ أذار من العام 2015، حين قامت الطائرات الروسية، أثناء تدريبات على القصف الجوي بعيد المدى، باستهداف حاملة الصواريخ «USS Vicksburg» والفرقاطة التركية TCG»» في المنطقة.

وردت تركيا على هذه الحوادث من خلال الطلبات الدبلوماسية والاتصالات العسكرية المباشرة، وأحيانا البقاء هادئة حتى لا يشعل أزمة أكبر منظمة حلف شمال الأطلسي. ولتجنب حدوث مواجهة في البحر الأسود. بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، فقد أعادت تركيا توجيه بعض وحداتها في البحر الأسود نحو جنوب أفريقيا والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي تسبب في احتجاج أميرال البحرية التركية السابق علنا على إضعاف الوجود التركي في البحر الأسود.

خلال الأشهر التالية، تم تكثيف الوجود الروسي في بحر إيجه. كما شنت روسيا دوريات متعددة في شرق المتوسط وكثفت أنشطتها في القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، بسوريا. بحلول صيف عام 2015، مع تكثيف الحملات الجوية لدول حلف الشمال الأطلسي في سوريا، (ومع فقدان الرئيس السوري بشار الأسد، حليف روسيا، لمساحات كبيرة من الأراضي)، اعتقدت موسكو أن قدرتها على الوصول إلى طرطوس قد صارت مهددة. حذر نائب الأميرال «فيكتور شيركوف»، القائد العام للقوات البحرية الروسية، أن «هذه القاعدة أساسية بالنسبة لنا .. لقد كانت تعمل وسوف تستمر في العمل».

الوصول إلى سوريا

وهكذا، وبعد تحضيرات دامت طوال فصل الصيف، فقد وصلت القوات الروسية إلى سوريا في نهاية سبتمبر/ أيلول في مهمة رسمية لدعم قوات «الأسد»، وتخفيف الضغط المحتمل على القاعدة الجوية الروسية في اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس، وبالتالي استهداف مجموعات من المقاتلين السنة المعرفة باسم «الدولة الإسلامية» وغيرها من المجموعات في جميع أنحاء إدلب وحلب، والتي تقع على مقربة من القواعد. وكان انضمام روسيا الى سوريا خطوة أكثر خطورة بالنسبة إلى تركيا من ضمها لشبه جزيرة القرم. في عام 1939، سيطرت تركيا على مقاطعة هاطاي السورية، وكان هذا هو التوسع الوحيد لتركيا الحديثة منذ ترسيم حدودها. وعلاوة على ذلك، دعمت تركيا بعض الجماعات المتمردة التي كانت تقاتل روسيا الآن، وبالأخص التركمان في شمال غرب سوريا. بحلول فصل الخريف، كانت السفن الحربية الروسية تجوب طرطوس واللاذقية، وتطوف حول البحر الأسود، من القاعدة الروسية الموجودة في أرمينيا، وتتواجد على طول بحر إيجه. وكانت تركيا محاطة تقريبا بالعسكرية الروسية من جميع الجوانب ما دفعت رئيس الأركان التركي المعين حديثا «خلوصي عكار» إلى التأكيد على أن البلاد صارت تقع داخل «دائرة من النار».

ويبدو أن هذا التفسير قد أثبتته الأحداث التي وقعت في 3 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عندما دخلت طائرة مقاتلة روسية المجال الجوي التركي أثناء مهمة قصف في سوريا. قامت اثنتان من الطائرات التركية بمرافقتها مرة أخرى إلى خارج المجال الجوي التركي في حين قامت أنقرة باستدعاء السفير الروسي «أندري كارلوف». ادعت روسيا أن الانتهاك كان خطئا في الملاحة، ولكن هذا لم يمنع «كارلوف» من تلقي محاضرة طويلة من تركيا حول حقها في استعمال قواعد الاشتباك. وزير الخارجية التركية دعا أيضا نظيره الروسي لإيصال نفس الرسالة.

وبعد ذلك بيوم واحد، تحديدا في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، اقتربت طائرة روسية من طراز ميج 29 من المجال الجوي التركي من ناحية سوريا، وقد تم التقاطها عبر اثنين من الطائرات التركية تجوب الجانب التركي من الحدود. في اليم التالي تكرر الأمر، مع طائرة روسية وثماني طائرات جوية تركية داخل الحدود التركية.

دعت تركيا إلى اجتماع طارىء لحلف الأطلسي. في أعقابه، وصف أمين العام لحلف الناتو «ينس شتولتنبرج» الإجراءات الروسية بأنها «متعمدة». وأصدر البيت الأبيض بيانا أشار فيه إلى تكرار الانتهاكات الروسية التي وصفها بكونها «مستفزة». وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» أكد بدوره أن الأحداث الأخيرة قد تؤدي إلى تصعيد التوتر. ردا على ذلك، اقترحت وزارة الشؤون الخارجية الروسية إنشاء مجموعة عمل تركية روسية مشتركة تضم حضورا عسكريا رفيع المستوى من الطرفين من أجل تنسيق العمليات الجوية للبلدين في سوريا على نحو أفضل. لم يكن هناك أي مؤشر على ما إذا كان الجانب الروسي قد التقطت الرسالة أم أنه يواصل الإقدام على هذه الانتهاكات بشكل متعمد.

بالنظر إلى ذلك، فإن قيام تركيا بإسقاط الطائرة الروسية في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني لا ينبغي أن يشكل أي مفاجأة، على الرغم من أنه يقدم الكثير لباحثي العلاقات الدولية بشأن مساحات عدم اليقين، والإدراك، والعمليات المعرفية. الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» ونظيره التركي «أردوغان» يحملان تاريخا طويلا من التعاون. وزارتا الخارجية الروسية والتركية لديهما سهولة الوصول إلى بعضها البعض على أعلى مستوى. وقد سبق للبلدين إجراء مناورات عسكرية مشتركة، فكيف حدث كل هذا؟

تقول الرواية التركية أنه لم يتم التعرف على هوية الطائرة الروسية وقد تم الخلط بينها وبين الطائرات السورية. في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني جادل «أردوغان» أن الرد التركي ربما يكون مختلفا لو تم تحديد هوية الطائرة باعتبارها روسية. تقول الرواية الروسية أن الطائرتين التركيتين اللتين قامتا بإسقاط الطائرة قد قامتا بنصب كمين لها مشيرة إلى أن القرار كان متعمدا. وفي كلتا الحالتين، فإن الأحداث تعكس المظالم التركية عميقة وطويلة الأجل، الأمر الذي يعني أن تركيا ربما ترد بالمثل في المرة القادمة، على الرغم من أنها، وبدافع من الرغبة في نزع فتيل التوتر، لا ترغب في التصريح بذلك. وحقيقة أن أحد الطيارين الروس قد قتل بنيران على الأرض بعد هبوطه بمظلة من طائرته يجعل الوضع برمته أكثر تعقيدا، ويسهم في زيادة الضغط الشعبي على «بوتين» من أجل الانتقام لمقتل الضابط.

إذا لم تتم إدارة الصراع السوري، فإنه يمكن أن يتحول بسهولة من حرب بالوكالة إلى حرب شاملة بين روسيا وتركيا، وربما حلف شمال الأطلسي. بالنسبة لتركيا، فإن التطويق العسكري هو سياسة إمبراطورية روسية تدفع تركيا نحو اتخذا موقف. ما هو أكثر من كونه مشكلة تركية هي حقيقة أن وانتهاكات المجال الجوي الروسي هي مشكلة لحلف الشمال الأطلسي (وفقا لما ينص عليه ميثاق الحلف) بالنسبة لروسيا، فإن مناوراتها الجوية هي مجرد رد على أنشطة الولايات المتحدة نفسها في القطب الشمالي والمحيط الهادئ، والذي تعتبرها موسكو تهديدا لها.

في القرون الماضية، عانت تركيا كثيرا في أوقات الصعود الروسي. خلال حرب القرم، والحرب العالمية الأولى والحرب الباردة، حاولت روسيا أن تحمي نفسها من خلال التحالفات الغربية. اليوم، تعود روسيا للتهديد مرة أخرى. ولا ينبغي أن يكون الرد عسكريا على الرغم من ذلك. يمكن لمفاوضات نشطة ومكثفة أن تخفف الضغط الذي يمارسه الناتو على روسيا في القطب الشمالي والمحيط الهادئ، والأخذ بالاعتبار مخاوف تركيا تجاه موسكو على مستوى حلف شمال الأطلسي، الذي يمكن أن يكون بمنأى عن أشباح الماضي التي تكتنف العلاقات التركية الروسية.

أكثر من أي وقت مضى، من المهم التأكد أن المقاتلتين التركيتين اللتين قامتا بإسقاط الطائرة الروسية لن تلعبا نفس جوبن وبريسلاو عبر إقحام تركيا إلى الحرب، والتي تعني «المزيد من القتل، المزيد من البؤس، والمزيد من الخراب بشكل قد لا تتحمله بوصلة السفينة أكثر من أي وقت مضى»، باستعارة كلمات «وينستون تشرشل».

اقرأ أيضاً

الخارجية الأمريكية: جميع الأدلة تثبت أن المقاتلة الروسية اخترقت أجواء تركيا

تركيا بعد إسقاط الطائرة الروسية

بعد الإجراءات الروسية ضدها.. أوروبا تدعم تركيا بـ3.1 مليار دولار

نائب روسي لتركيا: إعادة «آيا صوفيا» كنيسة مقابل الصمت عن إسقاط الطائرة

ما الذي نتوقعه بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية؟

«أوباما»: البيت الأبيض وحلف الناتو يؤيدان حق تركيا في الدفاع عن سيادتها

روسيا المترددة في معاقبة تركيا

طائرة روسية تسقط 5 أطنان من السلاح للأكراد في سوريا

وزير الخارجية البحريني يزور موسكو منتصف ديسمبر الجاري

مآلات الأزمة الروسية مع تركيا

«فورين أفيرز»: حقائق الجغرافيا السياسية والصراع التركي الروسي

«نيوزويك»: لماذا يراهن «بوتين» على الأكراد؟

تركيا تعتقل عميلين روسيين على خلفية مقتل قائد بارز بالمقاومة الشيشانية

لماذا تسعى تركيا وروسيا إلى تفادي المواجهة مع بعضهما البعض؟

موسكو مستعدة للاجتماع بوزير الخارجية التركي في إشارة على تراجع الأزمة

«فورين أفيرز»: معالم التقارب التركي الروسي في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة

تركيا بعد الانقلاب الفاشل .. أقرب إلى روسيا وأبعد عن الولايات المتحدة

مركز الدراسات الاستراتيجية: لماذا تعد روسيا أبرز المستفيدين من فشل انقلاب تركيا؟

«حرييت ديلي نيوز»: تفاصيل الدبلوماسية السرية التي أنهت الأزمة بين تركيا وروسيا

«أردوغان» خلال لقائه «بوتين»: العلاقات الروسية التركية عادت إلى مسارها الإيجابي

«أردوغان»: تركيا وروسيا مصممتان على إعادة العلاقات إلى سابق عهدها

لقاء «بوتين» و«أردوغان»: هل تتغير خارطة تحالفات الشرق الأوسط؟

«جورج فريدمان»: إلى أي مدى يمكن أن يصمد التحالف التركي الروسي؟

التقارب التركي الروسي.. لماذا على الغرب أن يحرص على إبقاء تركيا في معسكره؟

«فورين أفيرز»: العلاقات التركية الروسية تتحسن.. لكن هل ستستمر؟

ماذا تعني استعادة العلاقات التركية الروسية بالنسبة إلى الشرق الأوسط؟

«فورين بوليسي»: الصراع الروسي التركي حول سوريا مستمر خلف الأبواب المغلقة

واشنطن ليست قلقة من تقارب روسيا وتركيا.. وهي مخطئة في ذلك

«جورج فريدمان»: المشكلات الكامنة في تحالف كل من تركيا وإيران مع روسيا

كيف يمكن أن يجلب فشل الانقلاب في تركيا السلام إلى كل من سوريا واليمن؟