الأربعاء 2 مارس 2016 02:03 ص

"مصر لم تكن مستعدة لتكون جمهورية أو أن تقبل روح الحرية"

للوهلة الأولى، عند مطالعتك هذه الجملة، ومن دون معرفة من قالها، ستقول بعفوية إنها تنتمي إلى العهد الملكي في مصر، والذي كان يحاول الدفاع عن مملكته، أو تظن أن نظام مبارك/السيسي هو من عبر عن الجملة، خصوصا الجزء الثاني منها (تقبل روح الحرية)، فهي متسقة مع ما قاله من قبل رئيس المخابرات المصرية السابق، عمر سليمان، حينما كان نائبا لحسني مبارك في أثناء الثورة، وقبل أيام من سقوطه وتركه الحكم: "الشعب المصري مازال غير مؤهل للديمقراطية"، أو كما عبر عنها الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، أن الديمقراطية تحتاج عشر سنوات أو عشرين حتى تتحقق. 

تأسست هذه الجملة مع الاحتلال الفرنسي لمصر الذي كان يسعى، دائما، إلى شرعنة وجوده بأنه أتى ليعلم المصريين، وليجعلهم أكثر قابلية لروح الحرية. ذهب نابليون، وبقيت كلماته، خصوصا الجزء الثاني منها، وتعالت تلك المقولة، ولا سيما بعد انطلاق الثورات العربية. لم تكن هذه المقولة حكرا على النظام المصري، بل امتدت لتشمل أنظمة قمعية شبيهة به في بلدان مجاورة، وعبر كل بلغته وخطابه، إلا أن الملفت للنظر في ذلك أن هذه المقولة التي أسس لها الاستعمار ورثتها الأنظمة القمعية، لفرض نوع من الوصاية علي شعوبها، وتكريس صورة أبوية سلطوية تحكم أجيالا مختلفة. 

السؤال الذي يشغل بال الجميع، في الفترة الأخيرة، وخصوصا في البلدان التي شهدت ثورات ضد أنظمة سلطوية: لماذا فشلت الثورات، وبقيت الأنظمة الديكتاتورية، وكيف استطاعت هذه الأنظمة أن تصمد تلك الفترة في مواجهة الزحف الشعبي ضدها؟ ولا بد من الأخذ في الحسبان أن سقوط رأس النظام لا يعني سقوط النظام نفسه، فلقد سقطت الرؤوس وبقي النظام كما هو، ولم تحدث عملية تغيير كلية في أي من البلدان التي شهد ثورات، بل عادت إليها الأنظمة القديمة، واستولت على السلطة عبر آليات أكثر ديمقراطية، لكنها بالأدوات القديمة نفسها التي تدير المشهد. ولعل التجربة في تونس واضحة، وهي التجربة نفسها في مصر، مع الفارق في الطريقة والمسار الذي اتخذه البلدان. ما يمكن الكشف عنه هو عملية خلل أحدثتها الأنظمة القمعية وتغيرات في البني المجتمعية، وتشوهات في الإدراك العقلي للشعوب، عبر سنوات متتالية من السلطوية، أدت إلى ما يمكن تسميتها شرعنة القمع، والقبول به أساسا في العلاقة التبادلية بين الدولة ومواطنيها. وقد استطاعت من خلال تلك العلاقة المؤسسة على القمع أن تخلق داعميها/أتباعها، وأن تروج مقولاتها من خلالهم. 

1. لجأت تلك الأنظمة القمعية إلى الأدوات نفسها التي استخدمها الاستعمار، بل والتأكيد على بعض سردياته الخاصة للبقاء في الحكم، مبدأ عدم القدرة على تمثيل الذات في مواجهة الآخر هو أهم السرديات التي أسس لها الاستعمار، وينعكس ذلك في مقولة ماركس: هؤلاء لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ويجب أن يقوم أحد آخر بتمثيلهم. عملا بهذه الجملة، اتخذت الأنظمة القمعية لنفسها منهجا، هو عدم قدرة الناس على اختيار من يمثلهم، وبالتالي، لا بد من فرض الوصاية الأبوية لتوجيههم والسيطرة عليهم وتمثيلهم. بالطبع، تم ذلك من خلال عدة تدابير مختلفة في مجملها، غير أنها التدابير نفسها التي استخدمها الاستعمار من قبل.

2. عمليات التجهيل الممنهجة التي قادتها تلك الأنظمة القمعية أدت إلى إيجاد أجيال غير قادرة على التفكير خارج مقولات النظام، أو حتى التفكير في مناقشتها، ناهيك عن تحويل الولاء من الدولة إلى النظام، فتولدت حالة من فقدان الهوية والانتماء، وأصبح هناك نوع من التماهي بين الدولة والنظام، فسقوطه يعني سقوط الدولة وغياب الاستقرار، اللجوء إلى ذلك هو عملية شرعنة لبقائه، استنادا إلى عملية الإخضاع السياسي التي يمارسها عبر أدواته المختلفة، والربط الدائم بين عمليات الاستقرار المؤقتة والنظام الاجتماعي والاقتصادي الذي قام بتأسيسه. الخطوات التي يتبعها أي نظام قمعي لمحاولة إيجاد أتباعه ما هي إلا عمليات تتابعية، تقوم على محاولة تجذير مفهوم الشرعية، في محاولة منه لضمان أطول فترة بقاء له، ويمكن أن تتولد الشرعية من السياق الاستبدادي الأيديولوجي، أو الديني، ومن الأحداث الرئيسية التاريخية المشتركة، والقيم التقليدية والعادات، أو من خلال تصعيد شخص معين وإيجاد كاريزما خاصة له، ليقوم للتسويق لنفسه من خلالها. حدث ذلك في مصر بعد سقوط جماعة الإخوان المسلمين، من خلال صناعة صورة كاريزمية لوزير الدفاع المصري آنذاك، والذي أصبح فيما بعد رئيسا للدولة، معبرا عن كتلة المصالح ودوائر الحكم المختلفة لهذا النظام. 

3. ممارسة القمع وشرعنته تهدفان إلى وضع حدود عامة للمساحة التي يمكن أن يتصرف فيها المواطنون. كما تهدف إلى القضاء على الصورة التي تتمتع بها المعارضة الوطنية (تلك التي لم تدجن مع النظام، أو يتم صناعتها على عين الدولة) وبعض ممارستهم والسعي إلى تشويهها عبر وسائل مختلفة، في مقدمتها الأداة الإعلامية، كذلك التأكيد أيضا على الانقسام الأيديولوجي، ليعكس صورة من الصراع داخل قوى المعارضة، وعدم قدرتها على أن تكون البديل لهذا النظام. 

4. دائما ما تقوم الأنظمة الأوتوقراطية بعمل ما يمكن تسميته البديل المشترك، أي تدجين معارضة/نخبة داخل بنية النظام (إيجاد معارضة/نخبة) تصبح مرتبطة معه بطريقة عضوية، تلعب دور الظهير السياسي له لإطالة عمره، ولعل الحالة المصرية أكدت على ذلك، ففي لحظة معينة، أدرك الجميع أن النخبة المصرية (من اليمين إلى اليسار) غير مستعدة للديمقراطية أو ممارستها، عملا بقول ابن خلدون: "كل عربي يعتبر نفسه جديرا بالحكم، ومن النادر إيجاد أي فرد يفضل الآخر على نفسه…"، لعبت تلك المعارضة/النخب دور الظهير السياسي لإطالة عمر النظام، والإبقاء عليه، من خلال تصدير مقولات معينة، كان أبرزها الحفاظ على الدولة. 

موازين القوى العالمية والمجتمعية تشهد تغيرا ملحوظا، فالعالم الآن في طريقه إلى أن يكون متعدد الأقطاب، وليس أحاديا، وتحت وطأة الضغط الشعبي، بدأ الغرب يدرك أن الأنظمة العسكرية التي دعمها كثيرا، لم تعد مجدية، ولا بد من الاستجابة إلى سعي الشعوب في نيل حريتها، وبناء ديمقراطيتها الخاصة بها. وكأنها مرحلة جديدة تعلن انتهاء مرحلة الكولونيالية وما بعد الكولونيالية. فهل نشهد مرحلة ما بعد بعد الكولونيالية.

* تقادم الخطيب - أكاديمي مصري بجامعة برلين وناشط في الحراك السياسي منذ 2006

المصدر | العربي الجديد