الأحد 27 مارس 2016 01:03 ص

يقف الشرق الأوسط اليوم مرة أخرى على حافة الانهيار. تستمر الكارثة الإنسانية في سوريا بلا هوادة، بينما يواصل تنظيم «الدولة الإسلامية» مسيرته، وتبقى روسيا هي الوحيدة بين القوى العظمى التي تلعب دورا جديا في المنطقة. هناك دولة أخرى في الشرق الأوسط تعاني حالة من عدم الاستقرار وهي المملكة العربية السعودية. تأسست شرعية النظام الملكي على مزيج بين الضمان الاجتماعي والمحافظة الدينية. وقد تسببت التغيرات الكبرى في أسواق الطاقة وظهور مصادر الوقود البديلة في تقلص ميزانية المملكة في الوقت الذي يتزايد فيه عدد السكان.

تاريخيا، كان الاستقرار الداخلي للبلاد يواجه تهديدات عندما تشهد المنطقة استقطابا بين الأيدولوجيات المتنافسة. في الوقت الذي يواجه فيه الحكام الطاعنين في السن تهديدات دراماتيكية لحكمهم، فإنهم قد لا يملكون ما يكفي من المال أو حتى من الشرعية الدينية لمواجهة صعود خصومهم. قد يكون الإسلام الوهابي هو الحاضنة الفكرية لآل سعود، ولكن دولة الرفاه هي إنجازهم العملي الأكثر بروزا. في أوقات انخفاض أسعار النفط كانت المملكة غالبا ما تلجأ إلى السحب من احتياطاتها الضخمة حتى لا تعطل هذه العلاقة التبادلية.

كانت أسعار النفط تشهد انتعاشا في معظم الأحيان. وقد كان عدد السكان محدودا بما يكفي لضمان الاستقرار. لكن العقد الاجتماعي للبلاد يبدو معرضا للخطر بفعل التغيرات الديمغرافية الجديدة وتناقص الإيرادات في المملكة. لا تزال المملكة العربية السعودية تقف بعيدة عن حافة الإفلاس المالي ولكن مستقبلها الاقتصادي يبدو غير مؤكد. قد لا يتمتع حكام المملكة الحاليين بذات الترف الذي كان يتمتع به أسلافهم والذي مكنهم من شراء ولاء رعاياهم. خلال الأشهر الماضية، قامت المملكة بتطبيق بعض التدابير التقشفية وهي على ما يبدو تستعد للمزيد من تخفيض الدعم. ومع ذلك، فإن الملكية لا تزال تعتمد بشكل علني على العمالة الأجنبية، ويبدو أن إصلاح الدعم لا يمثل إلا حلا مؤقتا. لا يزال معظم السعوديين عازفين عن العمل في القطاع الخاص وهم يفضلون الوظائف الحكومية ذات العائد الكبير والتي لا تتطلب إلا أقل القليل. هذه هي حصيلة أكثر من قرن من الوعود والتعهدات المالية من نظام ملكي نادرا ما مارس الحصافة المالية.

وتأتي هذه الأنباء الاقتصادية المقلقة في الوقت الذي تخوض فيه البلاد صراعا إقليميا مع عدوها طويل الأمد في طهران. في عام 1964، كتب «مالكوم كير» كتابا تحت اسم «الحرب الباردة العربية» وصف فيه حالة الاستقطاب بين الملكيات المحافظة والجمهوريات الراديكالية بقيادة «مصر عبد الناصر». يشهد الشرق الأوسط اليوم حربا بادرة أخرى تدور هذه المرة بين النظام الملكي السعودي وبين إيران. تدور رحى هذه الحرب الطائفية في كل من العراق، البحرين، لبنان، اليمن، وبشكل أكبر في سوريا. هذه الحرب الجديدة عالية التكلفة على نظام الحكم في المملكة العربية السعودية الذي يرغب في تحجيم نفوذ إيران في المنطقة. وفي الوقت الذي تجني فيه إيران ثمار الاتفاق النووي وتبدو غير مبالية، على ما يبدو، بالهزات الإقليمية، فقد قدمت السعودية نفسها باعتبارها الحاضن الرئيسي للمقاومة السنية.

وإلى الآن، يبدو أن السعودية تخوض رهانا خاسرا. تواصل إيران تعزيز مكانتها في كل من العراق وسوريا بينما تتلاعب بالانقسامات الطائفية في كل من البحرين ولبنان، وتراقب تورط السعوديين في مستنقع اليمن. وكلما طال أمد هذه الصراعات، فإنها سوف تستنفذ المزيد من قدرات الخزانة السعودية.

خلال الخمسينات والستينات، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها المنتج الأكبر للنفط في الوقت الذي شرع فيه النظام الملكي في تنفيذ مشروعات للتنمية مثيرة للإعجاب. شملت تلك المشروعات بناء بنية تحتية وطنية واسعة شملت تقديم السكن المجاني، والتعليم، والرعاية الصحية. ومع ذلك فإن دعاوى القومية العربية الناصرية المعادية للولايات المتحدة قد وجدت بعض الصدى عند الشباب والمثقفين. صارت المملكة محاصرة لدرجة أن بعض المنتمين لطبقة الأمراء في البلاد قد وجدوا في رسالة «عبد الناصر» القومية حلا ثوريا للنهج المحافظ الحذر في العائلة المالكة. وفي واحدة من المفارقات التي شهدها الشرق الأوسط، فقد كانت (إسرائيل) هي التي هبت من أجل إنقاذ آل سعود. جاء ذلك بشكل غير مباشر بعد النصر الحاسم الذي حققته على «مصر عبد الناصر» في يونيو/حزيران 1967 والذي أثبت أن القومية العربية لم تكن أكثر من شعارات جوفاء. اضطر «عبد الناصر» المحبط والمفلس إلى السلام مع السعوديين نظرا لحاجته لعائداتهم النفطية التي غلبت على احتقاره المعقود لنهجهم التقليدي.

خلال السبعينيات اندلعت الاضطرابات الإقليمية مرة أخرى. لم تكن تلك الاضطرابات ناجمة عن عوامل اقتصادية. تسببت التحولات الإقليمية في إشعال التوتر بين السنة والشيعة داخل المملكة. تسبب قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 في موجة من الاحتجاجات في المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية في محاولة من السكان الشيعة، الذين كانوا يشكون من التمييز في المعاملة، لاستلهام النموذج الثوري الإيراني. كانت الاستجابة على الجانب السني متطرفة أيضا حيث تم الاستيلاء على الحرم من قبل مجموعة مسلحة قبل أن يتم إخلاؤهم قسرا. كانت تلك التحولات مدفوعة من قبل التغييرات الإقليمية أكثر مما كانت بفعل أزمات اقتصادية.

في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، تزايدت الآلام السنية بعد أن هيمنت الأحزاب والمجموعات الشيعية بشكل مفاجئ على بغداد. هاجمت جماعات سنية متطرفة السعودية لموقفها السلبي بالسماح للشيعة بالسيطرة على دولة عربية محورية وإعادة ترتيب التوازن في المنطقة لصالح القوى الثيوقراطية الشيعية في إيران. لم يعد الحكم الملكي قادرا على الاعتماد على رجال الدين لدرء هذه الانتقادات في الوقت الذي تحيط به موجات الإرهاب التي أطلقها تنظيم القاعدة.

ما بين عامي 2003 إلى 2006، كانت المملكة العربية السعودية مسرحا لمعارك الشوارع التي تكلف مئات الأرواح. نجحت قوات الأمن في فرض سيادتها في نهاية المطاف ولكن استقرار النظام كان قد اهتز بفعل سردية تنظيم القاعدة التي ألهمت العديد من المكونات السنية الأخرى. مرة أخرى، وقعت كل هذه الاضطرابات في وقت كانت أسعار النفط فيه تحوم حول مائة دولار للبرميل. اليوم، تبلغ قيمة النفط أقل من نصف هذا الرقم، في الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط انهيار سلطات الدول وتكثف الهويات الطائفية وتوسع نفوذ تنظيم «الدولة الإسلامية». فمن الصعب أن نتصور كيف يمكن لهؤلاء المسلحين أن يستحوذوا على لب السنة في المنطقة دون أن يحولوا جهودهم إلى البلد الذي يمارس الوصاية على أقدس المواقع الإسلامية. مرة أخرى، سوف يتم قلب السردية التي تعتمد عليها السعودية بوصفها حامية للمقدسات الإسلامية ضدها من قبل المتعصبين الذين يدعون أن النظام الملكي لا يفعل ما يكفي من أجل درء زنادقة الشيعة. يأتي هذا في وقت تهدد فيه أسعار النفط المنخفضة بنضوب خزائن البلاد كما يواجه النظام الملكي تزايد عدد السكان والتهديدات الإرهابية. لقد حان الوقت لواحدة من الملكيات الأكثر مرونة في الشرق الأوسط لتجديد ميثاقها الوطني القديم.

لقد مضى العهد الذي كان يمكن خلاله للمملكة ببساطة أن تعتمد على المدفوعات النقدية لمواطنيها وعلى هيمنة سرديتها الدينية. لم يعد الاقتصاد الإيراني يسمح بمثل هذا القدر من الكرم بينما تعجز الشرعية الدينية عن مواجهة المسلحين الذين يدعون أن نهجهم هو أكثر انسجاما مع إرادة الله. النظام الملكي في حاجة إلى عقد جديد يستمد قوته من المشاركة الديمقراطية. يمكن للبرلمان والمجالس المحلية أن تسمح للمواطنين بإبداء صوتهم في المداولات الوطنية وأن تقلل من جاذبية الأيدولوجيات العدمية مثل «الدولة الإسلامية». يمكن فقط لحكومة تسند على قاعدة شعبية أن تعالج مثل هذه القضايا الاقتصادية الشائكة. ومن المفارقات، فإن المملكة التي تعتمد منذ فترة طويلة على النفط والدين قد تحتاج الآن إلى الاعتماد على الديمقراطية لضمان استمرار وجودها.