الجمعة 27 مايو 2016 10:05 ص

لن يكون هناك مبالغة إذا وصفنا «تركي الدخيل» المدير العام لقناة العربية الإسلامي المتطرف السابق، والعلماني الحالي بالمفوض السامي الإماراتي بالديوان الملكي السعودي، بصرف النظر عن عمله كمدير عام لقناة العربية، وكونه المستشار الخاص لـ«محمد بن زايد» ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات لم يترك «الدخيل» أروقة الديوان الملكي منذ أن عمل في المشروع الإنساني للأمير «عبدالعزيز بن فهد» صاحب النفوذ الكبير في الديوان الملكي خلال حكم والده الملك «فهد بن عبدالعزيز»، وحتى بعد تولي الملك «عبدالله» العرش.

من «متعب بن عبدالله» إلى «محمد بن سلمان»

كان «الدخيل» سعيد الحظ لأنه ابن خال «متعب بن عبدالله» وزير الحرس الملكي السعودي، الابن الأصعب مراسًا من أبناء الملك «عبدالله»، الذي كان لديه تطلعات لأن يحكم المملكة. بسرعة أصبح «تركي الدخيل» رجل الحاشية الأبرز لـ«متعب» بعد إدراك الثنائي أن لديهم نفس التوجهات الليبرالية. في هذه الأثناء أصبح الدخيل حلقة الوصل بين الأمير «متعب» و«محمد بن زايد» الذي خطط لتوثيق علاقته مع ابن الملك المرشح القادم للعرش.

كان هدف «محمد بن زايد» هو السيطرة على ملك سعودي ضعيف، وهو ما سيسمح له بالسيطرة على النزعة الإمبريالية لمركز صنع القرار في المملكة، وهذه النزعة هي التي امتدت إلى السلالات الحاكمة للدول الخليجية، لدرجة أنها في أحد الأيام أوقفت إنشاء الاتحاد التعاوني الذي كان من المفترض أن يشمل الإمارات المتحدة بصورتها الحالية بجانب قطر، والبحرين، وفاوضت السعودية الشيخ «زايد» حول أراضي قبيلته، وذلك خلال اتفاقية جدة عام 1974 التي رسمت الحدود بين البلدين، وحتى أولاد الشيخ «زايد» يرون أن هذه الاتفاقية غير عادلة بالنسبة لهم، وأن المملكة استغلت ضعف الإمارات في هذه الوقت لفرض شروطها.

ظهر «محمد بن زايد» فجأة كلاعب في الساحة الإقليمية، وعرف عنه عداؤه الشديد للأحزاب الإسلامية، إضافة إلى علاقتة الممتازة بالحكومة الإسرائيلية، حيث يدير هذه العلاقة مستشاره الفلسطيني «محمد دحلان» عن طريق علاقات «دحلان» الممتازة بحكومة «نتنياهو». لا يعلم الكثيرون أن «محمد بن زايد» كان أحد هؤلاء المنتمين للتيار الإسلامي، إذ انتمى إلى جماعة التبليغ: وهي جماعة هندية صوفية تبقى بعيدة عن السياسة وهو ما يفسر كراهية «بن زايد» المبالغ فيها للأحزاب الإسلامية، إذ أنه كان أحد ضحايا خطاب هذه الأحزاب لفترة طويلة. شكل انتماؤهما السابق للمدارس الإسلامية وتحولهم عن ذلك القاسم المشترك بين «محمد بن زايد» و«تركي الدخيل».

مع وفاة الملك «عبدالله» ترك «متعب» ابنه أروقة القصر والحكم، لكن «الدخيل» أعاد تدوير نفسه هذه المرة مع «محمد بن سلمان» الشاب الطامح إلى عرش المملكة، وتملكت الرجلان المشاعر العميقة لتجربة الإمارات التنموية.

كانت تجربة «الدخيل» مع «محمد بن سلمان» هذه المرة مختلفة عن تجربته مع «متعب» والأمير «عبدالعزيز بن فهد» لأنه في الوقت الذي كان فيه «الدخيل» مع الملك «عبدالله» والملك «فهد»، كان الأميران «سلطان» و«نايف» القويان على قيد الحياة، واللذان عاملا الدول الخليجية الأخرى بتكبر، وخلال حقبة «متعب» لم يستطيع أن يمارس مهامه بتمرير الأجندة الخاصة بسبب التردد المستمر للأمير «متعب»، لكن بعد وصول الملك «سلمان» للعرش وجد المفوض السامي الإماراتي مبتغاه في الأمير محمد بن سلمان، هذا الشاب الطموح والجريء.

يحاول «محمد بن زايد» إظهار نجاحه عن طريق إقامة العلاقات الممتازة مع الأميركيين والإسرئيليين، ويحاول أن يبدو كالنموذج الذي يحتذى به أمام الشاب «محمد بن سلمان»، والأكثر من ذلك يحاول أن يقوم بدور الوسيط بين «محمد بن سلمان» والأميركيين في مفارقة غريبة في العلاقات السعودية الأميركية في الوقت الذي لا تظهر فيه الإمارات قيامها بهذا الدور.

أجندة «بن زايد»

نجح «محمد بن زايد» حتى الآن في تمرير الأجندة الخاصة به عبر مفوضه السامي، وذلك بالتقليل من دور رجال الدين في الحياة العامة، والتهيئة للقرار المثير بالتقليل من الشرطة الدينية، والتوسط بين (إسرائيل) والسعودية في شراء بيانات استخباراتية ملتقطة عبر الأقمار الصناعية عن الحملة العسكرية في اليمن، وذلك بعد رفض الولايات المتحدة تقديم مثل هذه المعلومات الملتقطة بواسطة أقمارها الصناعية، والتي توضح أماكن تمركز قوات الحوثي.

السؤال الأكبر الآن هو كيف يحدث هذا في ظل حكم الملك «سلمان» رجل العروبة العجوز الذي قلب المنطقة رأسًا على عقب في أقل من عام، وأخرج الخلاف الكبير بينه وبين الولايات المتحدة إلى العلن، ورفض بشكل قاطع تسليم المنطقة لإيران، وهو ما أثار اندهاش الكثيرين الذين يعتقدون أن السعودية دولة تابعة للولايات المتحدة تطبق أجندتها دون قيد أو شرط.

لقد أحرج الملك «سلمان» خصومه عندما نفذ أيدلوجيته السياسية على الأرض متجاهلًا التعليمات الأميركية فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع الجار العدو: إيران، واستخدم كامل نفوذه في دعم الإسلاميين في الثورة السورية متحالفًا مع تركيا، وهو ما جعل «محمد بن زايد» يصطف بشكل سري مع الأردن الحليف المقرب من المملكة السعودية من أجل اغتيال الرجل الأبرز للملكة في الثورة السورية، المحارب «زهران علوش» في خطوة لم تفق السعودية من صدمتها حتى الآن.

لا يمتلك أحد إجابات مرضية حول نظرة «سلمان» لدور «تركي الدخيل» في الديوان الملكي، لكنه منشغل جدًا بالسياسة الخارجية، وفي الغالب لا يلاحظ مثل هذه التفاصيل الجانبية التي قد تتزايد يومًا ما.

مُرر جزء ضخم من أجندة «بن زايد» عن طريق مفوضه السامي باستغلال سلطة ولي ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان». نجح الرجل القوي، وزير الداخلية السعودي «محمد بن نايف» الذي عادة ما يتصرف كملك بالداخل والخارج في تحسين صورة الوزارة في الداخل عندما أنشأ مركز إعادة وتأهيل سجناء القاعدة، وعمل على تغير أيدلوجيتهم وتزويجهم، ودمجهم في المجتمع، ونجح أيضًا في أن يكون قريب من التيارات المحافظة، مثل والده الأمير «نايف»، وهو ما يكرهه «محمد بن زايد»، ويهدف إلى تفكيكه، بالإضافة إلى أن «بن نايف» ضد أي أمر يتعلق بحدود الدولة وتقويض سيادتها، وخاصة الحدود المتنازع عليها مع الإمارات. دفع هذا «محمد بن زايد» أن يلقي بكامل ثقله السياسي في القضية اليمنية إلى أن يتملك القوة ضد السعودية فيما يتعلق بفتح قضية الحدود مرة أخرى، وليس هناك خطر أكبر على السعودية من القضية اليمنية، لذا كان يجب على السعودية الإطاحة بحكومة «بحاح» المتحالفة مع الإمارات، في خطوة مفاجئة وصادمة للإماراتيين. لجعل الإماراتيين يصرفون النظر عن الصفعة السياسية دخلت المملكة في الحال في معركة ضد تنظيم القاعدة لإبقاء قوات «بن زايد» منشغلة، ووضعها في دوامة من المتاعب لا نهاية لها.

عقبة «بن نايف»

العقبة المتبقية في طريق «بن زايد» هي ولي العهد السعودي «محمد بن نايف» الذي تولى قضية الحدود من والده، والقضية اليمنية التي يحاول «محمد بن سلمان» أن يأخذها منه. ويحمل «بن نايف» ثقلًا سياسيا كبيرا بخبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب، والتعامل بكفاءة مع كافة الطبقات في المجتمع السعودي، بالإضافة إلى العلاقة الممتازة مع قطر:الحليفة للأحزاب الإسلامية في المنطقة العدو اللدود لـ «بن زايد».

صحيح أن قطر الآن في موقف لا تحسد عليه بعد خسارة رهانها على الإخوان المسلمين الذين يحاربون بعضهم البعض في صراع على خلافة المرشد العام، ولذا ضاقت الدوحة بهم ذرعًا، وطردتهم إلى تركيا، لكن في هذه النقطة تحديدًا من يعرف السياسة الخارجية السعودية يدرك أن الملك «سلمان» قام بتعيين «محمد بن نايف» لكي يكون مقربًا من قطر بسبب نشاطها السياسي في المنطقة، وعين «محمد بن سلمان» لكي يكون قريبًا من الإمارات لنفس السبب، في محاولة لكي تكون السعودية المحرك الرئيسي للمشهد في المنطقة، ولإدارة توازن القوي المتناقضة: وهو الدور المفضل للسعودية على مر عقود، لكن الأمور وصلت إلى أن الإمارات لها ممثل دائم في مطبخ صنع القرار السعودي.

ربما استطاع الثعلب «محمد بن زايد» إغضاب «محمد بن نايف» عندما أطاح بالدكتور «سعد الجبري» وزير الدولة في الحكومة السعودية، والمقرب من «بن نايف» وعضو مجلس الشئون الأمنية والسياسية الذي يترأسه «محمد بن نايف». كان «الجبري» الذراع اليمنى لـ «بن نايف» وكان مساعده الأكبر في الملفات الأمنية التي تناقشها الحكومة، وبعد إقالته أصبح «بن نايف» دون ذراع أيمن في المباراة الطويلة والصعبة مع «بن زايد».

يعد «منصور النقيدان» أحد أبرز المثقفين السعوديين، يعيش في دولة الإمارات، وهو صديق لـ«تركي الدخيل»، و«النقيدان» إرهابي سابق أحرق أحد المحلات التي تبيع الأفلام السينمائية في السعودية كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، وهو حاليًا هو أحد أبرز الفاشيين العلمانيين الذي دعم مذبحة رابعة، والتي دعمها أيضًا «محمد بن زايد». كتب «النقيدان» على تويتر بعد إقالة «الجبري»: «الآن نستطيع أن نستنشق هواءً نظيفًا.. قرار عظيم وتاريخي تأخر كثيرًا». (الصورة: منصور النقيدان).

النقطة الأكثر خطورة فيما يتعلق بالمندوب السامي الإماراتي هو أن «عادل الطريفي» أحد أبرز أصدقائه تولي وزارة الثقافة والإعلام السعودية، وهو ما يعني أن الأجندة الإماراتية ستطغى على المشهد الإعلامي والثقافي في المملكة. صحيح أن هذا المنصب كان حكرًا على العلمانيين، لكن الموقف مختلف، إذ ستكون الإمارات حاضرة هذه المرة.

وظهر فيه محمد بن سلمان في حوار تلفزيوني معلنا رؤية المملكة لعام 3030 التي تطمح من خلالها إلى زيادة العائدات غير النفطية ولتغيير الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. كان ذلك دون إشارة إلى أي تغيير في الحياة السياسية، كما لو كان الأمر مستوحى من تجربة الإمارات، أدار الحوار «تركي الدخيل» الذي ظهر منتشيًا ويمزح مع ولي ولي العهد، لم يكن اختيار المحاور عشوائيًا لكنه ظهر وكأنه يمتلك حق امتياز نقل تجربة الإمارات إلى السعودية وتقليص دور رجال الدين المحيطين بـ«محمد بن نايف» وآخر صخرة في وجه «محمد بن زايد» للقضاء على الإمبريالية السعودية إلى الأبد.