الجمعة 17 يونيو 2016 05:06 ص

تحتفى الدوائر اليهودية هذه الأيام فى العاصمة الأمريكية بوزارة التعليم المصرية، وبالتعديلات التى تُدخلها على مناهج التدريس فى المرحلة الإعدادية. وتزعم هذه الدوائر أن هناك عهدا جديدا بدأت بشائره فى العلاقات المصرية ــ الإسرائيلية، ومن معالمه تغيير الصورة النمطية العدائية التى يُلقنها التلاميذ المصريين عن إسرائيل كدولة عدوة وغير شرعية، إلى صورة جديدة تراها دولة صديقة شرعية شريكة لمصر فى السلام.

ويعود مصدر هذا الاحتفاء إلى نشر دراسة وافية عنوانها «السلام مع إسرائيل فى الكتب الدراسية المصرية: ما الذى تغير بين عهدى مبارك والسيسى؟»، ونُشرت فى دورية «تقديرات استراتيجية» عدد أبريل ــ مايو 2016 الصادر عن معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى بجامعة تل أبيب.

وأشارت الدراسة إلى أن الصحف والمسئولين المصريين اختاروا تجاهل ما أشار إليه، وردده الإعلام الإسرائيلى منذ فبراير الماضى من حدوث تغيرات جوهرية فى مناهج التعليم المصرية الخاصة بالمرحلة الإعدادية فيما يتعلق بإسرائيل ومعاهدة السلام والقضية الفلسطينية وثقافة الصراع مع إسرائيل. وأرجعت الدراسة موقف الحكومة المصرية وموقف الإعلام إلى نقطتين:

أولاهما حساسية الموضوع للنظام المصرى وهو ما أدى لعدم الحديث عنه داخل مصر،

المدرسى حتى الآن يمثل ثورة تعليمية تجاه صورة إسرائيل والصراع معها، وإن كان يمثل خطوات واضحة فى الاتجاه الصحيح!

وتتحدث الدراسة تحديدا عن مناهج الصف الثالث الإعدادى من خلال استعراضها لكتاب «جغرافية العالم، وتاريخ مصر الحديث»، والذى طبعته وزارة التعليم للعام الدراسى 2015ــ2016. وتركز الدراسة على ما تعده تغيرا كبيرا فى عرض صورة إسرائيل من خلال الترويج لـ«ثقافة الصراع»، واستبدالها بالترويج لـ«ثقافة السلام».

وتذكر الدراسة أن هناك تركيزا مصريا جديدا، لم يوجد من قبل، على الترويج لـ«دروس الحرب والسلام مع إسرائيل»، والتركيز على القيمة الاستراتيجية للسلام.

وترصد الدراسة ثلاثة اتجاهات عامة انتقلت معها الإشارة لصورة إسرائيل من بعد معاهدة السلام من مجرد دولة عادية إلى دولة صديقة لتلاميذ المرحلة الإعدادية.

الاتجاه الأول يركز على المزايا الاقتصادية للسلام مع إسرائيل من خلال انتهاء الحروب ومنح مصر الاستقرار اللازم لتحقيق التنمية والرخاء.

الاتجاه الثانى يركز على شرعية إسرائيل كدولة شريك فى عملية السلام دون تقديم مبررات أو اعتذارات. وترصد الدراسة أنه وللمرة الأولى يتم وضع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن مع الرئيس السادات بعد توقيع اتفاقية السلام فى أحد كتب هذه المرحلة. ويشمل عرض اتفاقية السلام تحليل أسباب التوقيع عليها ويذكر أن لمعاهدة السلام مزايا لمصر والعالم العربى منها ما يتعلق بأهداف أوسع، كمكافحة العنف، والتطرف والإرهاب، دون الإشارة لعودة حقوق مغتصبة.

الاتجاه الثالث يعتمد على تقليل عدد الصفحات التى تذكر القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل مقارنة بما كانت عليه فى الماضى. وعلى سبيل المثال يضم كتاب المواد الاجتماعية لعام 2002 للصف الثالث الإعدادى 32 صفحة عن الحروب العربية الإسرائيلية، مقابل 3 صفحات للسلام مع إسرائيل. أما كتاب عام 2015 فخصص فقط 12 صفحة للحروب العربية الإسرائيلية و4 صفحات لعملية السلام مع إسرائيل.

ومن أهم النقاط خطورة ما أشارت له الدراسة من حذف أجزاء من كتب التاريخ خاصة تلك التى تشجع «التطرف والإرهاب والعنصرية!» واستبدالها بما يشجع على نشر قيم التسامح. من هنا حذفت وزارة التعليم المصرية جزءا يعرض لتاريخ صلاح الدين الأيوبى ولتحريره القدس من الصليبيين، وذلك مخافة أن يُشجع عرض تاريخه على «العنف». وأدى تبنى هذا الأسلوب لظهور بعض الأصوات المعارضة لهذه التعديلات داخل النظام المصرى كما ذكرت الدراسة.

وتحظى طريقة التعرض للقضية الفلسطينية فى كتب عصر السيسى عند مقارنتها بكتب عصر مبارك على حيز واهتمام كبير من قبل الخبراء الإسرائيليين. وتذكر الدراسة أنه تم حذف أهم بنود معاهدة السلام المرتبطة بالقضية الفلسطينية مثل عبارات «الاعتراف بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطينى»، و«مفاوضات تقرير مصير الفلسطينيين» فى بداية الثمانينيات، وهو ما كان يتم التعرض له كثيرا فى كتب عصر مبارك.

فى الوقت نفسه يتم التعرض لمحادثات مدريد ومفاوضات واتفاقية أوسلو بصورة توحى وكأنها قصص نجاح عظيمة. ولا يتحدث الكتاب عن معاناة الفلسطينيين اليومية تحت الاحتلال، بل على العكس يقول إن «مصر دعمت اتفاقيات الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى المحتلة، وانها دعمت تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية». ولا يذكر الكتاب ما كانت تكرره الحكومات المصرية السابقة فى مناهجها التعليمية من محورية دور مصر الملتزم بمساعدة الفلسطينيين والوقوف فى صفهم من أجل تأسيس دولتهم المستقلة.

وتطلق هذه الدراسة وغيرها ناقوس خطر كبير، إذ إنه وبينما النخب تغرق وسط فوضى الأزمات اليومية التى يحيون فيها، يركز البعض على جهود تُنسى الأجيال الجديدة من الشباب والأطفال العرب أصل الصراع، وهو ما يعنى إنجاح استراتيجية إسرائيل فى محاولة إقناع العرب أن اغتصاب الأراضى واحتلال فلسطين وتهويد القدس وانتهاك حقوق الفلسطينيين ليست قضايا مهمة للمصريين خاصة الأجيال الصغيرة الصاعدة منهم. وتحاول هذه الجهود الادعاء أن ما يجمعنا بإسرائيل (ذات الحكومة اليمينية الأكثر تطرفا فى تاريخها) حاليا أكثر مما يبعدنا عنها. من العار أن نُفهم تلاميذ مدارسنا الصغار أن هناك مصالح تجمع بلادهم بدولة أخرى مستعمرة وظالمة ومسيطرة على حياة ومصير شعب فلسطينى لا يزال يدفع نساؤه وأطفاله ورجاله وشبابه يوميا ثمن الهزيمة العربية التاريخية.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن.