الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 04:10 ص

يُفهم من اجتماع القادة العسكريين في دول «التحالف ضد الإرهاب» أن الاستراتيجية التي رسمها الجانب الأميركي للحرب، هي الوحيدة الممكنة في ظل المعطيات الراهنة، أي ضربات جوية متواصلة لإيقاع خسائر في صفوف تنظيم «داعش» وترسانته، مع إمكان تكثيفها وتركيزها في بعض الأحيان لإحباط تقدم مقاتليه، واحتلالهم مواقع جديدة.

لا مجال للتغيير، إذن، رغم كل الانتقادات والنتائج المتواضعة حتى الآن، وكذلك خطورة ما ينجزه «داعش» على الأرض في مختلف مناطق سيطرته.

والسبب الواضح يكمن في الحلقة المفقودة: ليس لـ«التحالف» قوات على الأرض، وهذه في ذاتها مسألة بالغة التعقيد، فالأمر يتعلّق بدولتين فاشلتين، لكن لو أخذ في الاعتبار عنصرٌ واحد فحسب -وهو هنا القوات المسلحة- لاتضح هول الفشل، إذ يصبح انحياز الجيش وفئويته سببين كافيين لاستبعاده عن وظيفة وُجد أصلاً من أجلها.

فمن جهة، لم يدرك الحكم العراقي ما كان يفعله حين تلاعب بالجيش وأفسد مصداقيته، وقد يقول البعض: بل كان مدركاً ومصرّاً على إخضاع معارضيه وعدم الاعتراف بحقوقهم.

وهو في الحالين حصد النتيجة نفسها، فانتهى إلى تيئيس مواطنيه، ودفعهم إلى «التحالف مع الشيطان»، ومن جهة أخرى، لم يشأ النظام السوري أن يدرك بدوره ما الذي يعنيه إقحام الجيش في حرب على الشعب الذي صبر عليه خمسة عقود، ولم يطالبه في البداية إلا بالبديهيات.

والأكيد أن نوري المالكي وبشار الأسد لا يزالان يعتقدان أنهما فعَلا ما هو صحيح عندما افتعلا حرباً أهلية في بلدين لا خيار لطوائفهما وأعراقهما سوى أن تتعايش وتبلور تسويات فيما بينها.

فلا بدعة «تحالف الأقليات» لحكم الغالبية نجح في سوريا لأنه تمادى في الظلم والإجرام، ولا هيمنة الفئة الواحدة في العراق نجحت في إقامة «ديموقراطية» كانت «الهدف»، المعلن على الأقل، لغزو واحتلال أميركيين، ولإسقاط نظام كان يفترض أن تُدفن الدكتاتورية معه.

في مستنقع الأخطاء والجرائم هذا ولد تنظيم «داعش»،ثمة قوى دولية وإقليمية تتحمل جانباً من المسؤولية، إلى جانب أجهزة استخبارات وعصابات وسماسرة سلاح، وتتمتع بجانب من استغلال هذا المخلوق الهجين الذي يستمد قوته الآن من وجوده في المدن واحتمائه بالمدنيين، وتغلغله في المجتمعات، لكن المسؤولية الكبرى والأولى تبقى على عاتق من فتحوا بلادهم لكل العابثين، لذلك تبدو المهمة شبه مستحيلة أمام أي تحالف خارجي طالما أن حلفاء الداخل مصرّون على مواصلة المسيرة الجهنمية ذاتها، وكأن من واجب العالم أن يحقق لهم خلاصهم، بل أكثر من ذلك أن يغلّب فئة على فئة.

أليس عجيباً أن نظام دمشق يعتقد أن بإمكانه أن يتابع حربه على الشعب كالمعتاد، بمزيد من البراميل المتفجّرة، أو أن فرصته مؤاتية للبحث عن انتصارات سوداء هنا وهناك، فيما تدور حرب معولمة على أرض سوريا.

أليس مستهجناً أن الحكم في العراق لا يزال يدير نفسه بالعقلية والآليات والأدوات التي أوصلته إلى الكارثة؟ فما يحاوله رئيس الوزراء الجديد من تغيير قليل وغير جوهري يُواجَه بنقد مرير من داخل حزبه، حيث يسيطر نهج سلفه، بما فيه من استعداء للشركاء في الوطن وإصرار على مصادرة السلطة، ليس فقط أن مَن في دمشق بغداد لم يتعلموا شيئاً، بل إنهم لا يريدون أن يتعلموا.

لم يخطئ باراك أوباما عندما أشار، بعد الاجتماع مع القادة العسكريين، إلى أن «الحرب على داعش» لا تقتصر على الشأن العسكري البحت، خصوصاً أن «داعش» ليس جيشاً يمكن دحره فيعلن استسلامه.

فالعالم والمنطقة العربية يواجهان وضعاً صعباً لا مجال فيه للحلول السريعة، كما يقول الرئيس الأميركي، لكن هناك الكثير مما ينبغي العمل عليه سياسياً واقتصادياً لمواجهة «أطروحات» التنظيم الإرهابي.

تلك هي الحرب الأخرى، غير العسكرية، ولعلها الأكثر أهمية، التي يجب أن تُخاض بالتزامن، وتتطلّب مبادراتٍ وجهوداً جبارة، وخروجاً عن المألوف وتكلّساته.

هذا الكلام ليس جديداً، ويشبه في عمقه الدعوات إلى الدمقرطة والإصلاح التي أُطلقت خلال «الحرب على الإرهاب» مطلع العقد الماضي، غير أن أوباما لا يريد أن يتلبس الدور السيئ لجورج دبليو بوش، بل يوحي بأنه لمقاربة غير فوقية، خصوصاً بعد إقراره بأنه وإدارته أخطآ في تقدير خطورة «داعش».

واقعياً، لا يمكن شن حرب في العراق وسوريا، للقضاء على تنظيم إرهابي، مع الإبقاء على السياسات ذاتها التي شحذت كل هذا التطرف، سواء كانت خارجية أم محلية.

وجاءت ملاحظة الوزير جون كيري في محلّها، عندما قال إن حل القضية الفلسطينية عنصر أساسي في هزيمة الإرهاب.

ولا شك أن الحرب ستكون بلا أي معنى، وستحمل بذور فشلها إذا لم تصحح الحكومة العراقية أداءها، وإذا لم يعط الوسط السياسي انطباعاً واضحاً بأن العلاقة بين المكوّنات تسلك مساراً صحيحاً.

وستكون كذلك حرباً فاشلة إذا لم تتبلور خلالها نهاية للصراع في سوريا، وبالأخص إذا تحولت سياقاً لإفلات النظام مما ارتكبه في حق شعبه.

لا داعي لأن ينتظر هذا الجانب السياسي مجريات الحرب، والجميع يقول، إنها طويلة، فالناس تريد أن تشعر بالأمل وبأن هناك بدائل.

المصدر | الاتحاد الظبيانية