السبت 21 يونيو 2014 10:06 ص

لوري بلوتكين بوغارت، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 16/6/2014 

جاءت مزاعم الفساد حول اختيار مكان استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 في وقت حرج إذ تزامنت مع بدء مباريات كأس العالم في كرة القدم التي تستضيفها البرازيل هذا العام. وفي ضوء بعض التقارير، احتلت مزاعم الفساد مركز الصدارة أمام أسباب أخرى منطقية تُثار حول اختيار قطر كدولة مضيفة لكأس العالم، بما في ذلك متوسط درجات الحرارة في هذه الدولة الخليجية البالغ 106 درجات فهرنهايت (41 درجة مئوية) خلال فترة الشهرين التي تجري خلالها مباريات كأس العالم في حزيران/يونيو وتموز/يوليو، فضلاً عن أن جميع مواطني الإمارة الحاليين [ذوي الجنسية القطرية] الذين يبلغ عددهم 250 ألف نسمة لا يمكنهم ملء مدرجات الملاعب الثمانية التي يتم تشييدها من أجل مباريات كأس العالم.

إلا أنّ إحدى المشكلات الأكثر أهمية المرتبطة باختيار دولة قطر تبقى الطريقة التي تنوي بها هذه الإمارة بناء البنية التحتية اللازمة وبالتالي التحضير لإقامة هذا الحدث وهي الاعتماد على مئات الآلاف من العمال الوافدين الذين يعيشون ويعملون في ظل ظروف غالباً ما تكون تعسّفية. وبغض النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها مسألة الاتهامات بالفساد، يجب على واشنطن الاستفادة من الحماس الحالي الذي يشهده المجتمع الدولي لحثّ قطر ودول الخليج الأخرى على تطبيق إجراءات الإصلاح على نظام العمالة الوافدة.

المغتربين في الخليج 

تُعرف دولة قطر بتسجيلها لأعلى نسبة للوافدين من غير المواطنين مقارنة بالسكان المحليين من أي بلد آخر في العالم، إذ يشكل الأجانب نحو 88 في المائة من عدد السكان البالغ 2.1 مليون نسمة. وتنتشر هذه الظاهرة إلى حدّ ما في كافة أنحاء دول الخليج الست. ويشكل الأجانب أيضاً أغلبية كبيرة من السكان في الإمارات العربية المتحدة والكويت، وتصل هذه إلى حوالي 80 و 70 في المائة على التوالي. وفي البحرين، يشكلون حوالي 55 في المائة. وفي المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، تبلغ هذه النسبة حوالي 30 في المائة. ووفقاً لتقديرات "البنك الدولي"، ليست هناك أي منطقة أخرى من العالم يشكل فيها المواطنون مثل هذه النسبة الصغيرة من عدد السكان كما هو الحال في هذه الدول الخليجية. وفي كثير من الحالات، يُطلب من العمال الأجانب في هذه الدول أداء واجباتهم في ظروف قانونية غير معترف بها دولياً.

إن ما تم الكشف عنه مؤخراً حول الظروف السيئة للعمالة الأجنبية في كل من قطر والإمارات العربية المتحدة - التي هي موطن المدينتين اللامعتين دبي وأبوظبي - سلّط الضوء على ظروف عمل الأجانب الذين يعيشون ويعملون في بعض الأحيان في حالات لا يتم فيها توفير ما يكفي من الغذاء، ويُمنحون أماكن سكنية مزرية، و [يُستعبدون] في ساعات عمل طويلة بصورة غير عادية، وتُخفض رواتبهم أو لا يتم دفعها لهم على الإطلاق لعدة أشهر، والأسوأ من ذلك أنهم يمنعون من تغيير وظائفهم أو مغادرة البلاد، وهذا أمر أقرب ما يكون إلى السخرة. ويقيناً، إنّ عدداً كبيراً من الوافدين في الخليج، مثل مختلف الأجانب الذين يعملون كمهنيين ماهرين في الوزارات الحكومية وقطاع النفط وشركات القطاع الخاص، لا يعانون من هذه المشاكل. إن غالبية الذين يعانون من مثل هذه الظروف هم المهاجرون غير المؤهلين وفي المقام الأول من البلدان الفقيرة في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، ويعتبر عمال البناء والمنازل الأكثر عرضة لسوء المعاملة.

عوامل النظام المحركة

إن أحد العوامل المحركة الرئيسية لنظام العمالة الأجنبية في الخليج هو نخبة رجال الأعمال الأثرياء والأقوياء ورجال الأعمال المحليين الآخرين، بما في ذلك حلفاء مهمين للحكومة. ويرأس المواطنون الخليجيون وشركاؤهم الدوليون الشركات التي تتعاقد معها حكومات دول الخليج وشركات خاصة أخرى، مما يجعلهم يحققون مكاسب مالية هائلة من خلال توظيف العمالة الأجنبية غير المكلفة. وتستفيد أيضاً وكالات التوظيف في دول الخليج والوكالات الأجنبية عبر توفير "الكفالة" المحلية المطلوبة للعمال الأجانب، بما في ذلك السفر والتأشيرات والترتيبات اللوجستية الأخرى. ومن هذا المنطلق، أبدى رجال الأعمال القطريون قلقهم إزاء إعلان الحكومة القطرية الشهر الماضي عن نيتها إصلاح قانون العمالة الوافدة، وذلك جزئياً عبر إلغاء الشرط الذي ينصّ على ضرورة حصول العامل على موافقة الكفيل لمغادرة البلاد وزيادة الغرامات على الكفلاء الذين يصادرون جوازات سفر العمال. وقد شدّد مجتمع الأعمال على أن إلغاء هذا الشرط من شأنه أن يسمح للعمال بترك البلاد من دون دفع الديون المستحقة عليهم تجاه الكفلاء وأصحاب العمل.

في السنوات الأخيرة، بذلت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة جهوداً على نطاق واسع لإصلاح الممارسات في نظام العمالة الأجنبية، إلا أنهما وحكومات خليجية أخرى قد مكّنوا أيضاً النظام الحالي. وقد سعى القطريون والإماراتيون على وجه الخصوص إلى تعزيز قوتهما السياسية والاقتصادية عبر تنفيذ مشاريع وطنية ملفتة للانتباه، واستثمارات تجارية دولية وأخرى غيرها، وفي حالة قطر، من خلال إقامة روابط وتحالفات سياسية غير عادية. وتُعدّ حملة قطر لكسب التأييد لاستضافتها كأس العالم مثالاً على ذلك، وتمثّل جزءاً من جهود الدوحة لبناء سمعة وأعمال مزدهرة من خلال رعاية حدث رياضي عالمي.

ويُشكل الازدراء المحلي المنتشر تجاه العمال الوافدين أحد العوامل الأخرى المحركة المرتبطة بمشاكل العمالة في دول الخليج. فما من اهتمام شعبي كبير في إصلاح نظام الكفيل لتعزيز حقوق العمالة الأجنبية، إذ أننا لا نرى تحركاً سوى من النشطاء الذين يدافعون عن حقوق الإنسان ومناصرين آخرين لغير المواطنين. ويساهم في تأجيج هذا الموقف القلقُ المحلي حيال الملابسات الاجتماعية والثقافية والسياسية المترتبة عن تمكين أعداد هائلة من المهاجرين غير العرب أو حتى الوافدين العرب الذين ليسوا من إحدى دول الخليج. وقد أظهر استطلاع نادر للرأي العام أجري في قطر في كانون الأول/ديسمبر 2012، وتم تمويله من قبل "جامعة قطر" أن حوالى 90 في المائة من القطريين الذي شاركوا في الاستطلاع لا يرغبون بإضعاف نظام الكفيل، في حين أن 30 في المائة يدعمون التغييرات التي من شأنها جعل العمال الأجانب أكثر اعتماداً على كفلائهم.

السياسة الأمريكية

إن الحكومات الخليجية حساسة ومتفاعلة مع الانتقادات الدولية لقوانينها وممارساتها المتعلقة بالعمالة الأجنبية. على سبيل المثال، عندما أعلنت وزارتا الداخلية والعمل في قطر عن الإصلاحات التي سبق ذكرها في قانون العمل في 14 أيار/مايو، كانتا على ما يبدو تستجيبان للضغوط الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية، وعن التقارير الصحفية وغيرها من المصادر. وعندما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في 18 أيار/مايو، مقالاً حول ظروف العمالة الوافدة المرتبطة ببناء "جامعة نيويورك أبوظبي"، لم تُنشر النسخة الدولية من ذلك الإصدار في الإمارات العربية المتحدة؛ وبعد عشرة أيام، أصدر وزير الشؤون الخارجية الإماراتي تقريراً مسهباً حول إصلاحات قانون العمالة الوافدة التي تم تطبيقها في السنوات الأخيرة.

ويقيناً، إن الإعلان عن إصلاحات لا يشير بالضرورة إلى إصلاحات هيكلية فعلية. فعلى سبيل المثال، ما زال يتعيّن على "مجلس الشورى" (هيئة تشريعية استشارية) في البلاد ودوائر حكومية أخرى إقرار المقترحات القطرية التي أعلِن عنها الشهر الماضي ، كما أن هذه لا تتضمن متطلبات الحد الأدنى للأجور ولا تعالج ظروف العمل والمعيشة الأساسية. ولكن، بما أن اهتمام الحكومات الخليجية بالظروف السيئة للعمالة الأجنبية يبدو مدفوعاً بعامل حماية سمعتها الدولية، فإن قطر والإمارات العربية المتحدة والدول الإقليمية الأخرى التي ستستضيف أحداثاً دولية رئيسية خلال العقد المقبل باتت تستجيب للنداءات الدولية لإجراء إصلاحات في هذا المجال.

ووفقاً لذلك، يجب على واشنطن اللجوء إلى التقرير السنوي لوزارة الخارجية حول "الاتجار بالبشر"، المقرر إصداره هذا الشهر، لتعزيز الضغط لإجراء مثل هذه الإصلاحات. إن هذا التقرير الهام - الذي يوضح بالتفصيل ظروف العمالة الوافدة والقوانين والممارسات في جميع أنحاء العالم والذي تصفه الوزارة بأنه "أداة دبلوماسية رئيسية لإشراك الحكومات الأجنبية" في دفع عجلة الإصلاح في مثل هذه القضايا - يحمل في طياته إمكانيات خاصة للدعوة إلى التغيير في الخليج.

لوري بلوتكين بوغارت هي زميلة أبحاث في برنامج سياسة الخليج بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذراع البحثي للوبي المصالح الإسرائيلية بالعاصمة واشنطن.