الخميس 27 نوفمبر 2014 04:11 ص

آن الأوان أن تدرك أنظمة الحكم في دول مجلس التعاون الخليجي أن هذا المجلس، بأهدافه وأحلامه وقراراته المصيرية وإمكانياته المادية والمعنوية الكبيرة، ليس مسؤوليتها وحدها، لقد أصبح ابناً غالياً في أفئدة وعقول شعوب دول المجلس أيضاً.

من هنا فان أي مواقف كبرى تتخذ باسمه، قد تعرض مسيرته أو وجوده للخطر، يجب أن تأخذ في الحسبان مشاعر وتوجهات وحسابات تلك الشعوب، ذلك أن هذه الشعوب تعتبر رابطة العروبة الموحدة، تاريخاً وثقافة ومصيراً ومـصــــالح، وعـــلى كل المستويات، مكملة ومعززة لكل تطلعـــاتها وممارساتها الوطنية.

مناسبة التذكير بهذه البديهية هو بعض المواقف أو بعض القرارات التي أخذتها، أو قد تتخذها، بعض دول المجلس، التي من الممكن أن تؤدي إلى انهياره أو إضعافه أو حرف مسيرته، وينطبق الأمر نفسه على المواقف والقرارات التي اتخذت أو سوف تتخذ، والتي قد تؤدي إلى إضعاف صراع هذه الأمة مع الوجود الصهيوني الاستيطاني، أو تمزيق لحمة المجتمعات العربية بزجها في صراعات طائفية أو مناطقية عبثية.

إن مثل هذه القرارات والمواقف لا يمكن تبريرها بشماعة السيادة الوطنية، ولا هي تتماشى مع التزامات العروبة والمصالح القومية العربية العليا التي يجب أن تعطى أولوية متقدمة في قائمة الأولويات.

مواقف وقرارات مفصلية في حياة شعوب مجلس التعاون، وبالتالي شعوب الأمة العربية جمعاء كهذه، لا بد أن تصدر عن إرادة مجتمعية مشتركة، ما يعني أنه آن الآوان لقادة مجلس التعاون التفكير في الوسائل التنظيمية والسياسية التي ستمكنهم من معرفة صادقة بتوجهات أكثرية أفراد شعوب المجلس، تجاه القضايا الوطنية والقومية الكبرى، وذلك قبل اتخاذ قرارات بشأنها أو مواقف تجاهها. 

ما عاد صالحاً ولا مقبولاً أن تتعامل دول المجلس، مجتمعة أو منفردة، بصورة مباشرة أوغير مباشرة، مع العدو الصهيوني الذي لا يترك رذيلة سياسية وأمنية إلاُ ويمارسها يومياً ضدً شعب فلسطين العربي في الداخل والخارج، أو تتعامل مع الدول الاستعمارية التي تعمل ليل نهار على تمزيق الأمة العربية ومنعها من التوحد والنهوض، أو تتعامل مع القوى التكفيرية الإرهابية، التي تعيث في أرض العرب فساداً وتدميراً لبنيتها الاجتماعية وتهدد بإقامة أنظمة حكم بربرية بدائية في هذا القطر العربي أو ذاك، أو تتعامل مع إملاءات بعض المؤسسات الدولية السياسية والاقتصادية، التي سيؤدي الأخذ بها إلى الإضرار بملايين الفقراء العرب أو الإضعاف الشديد لالتزامات الدولة العربية تجاه شعبها،، نقول إنه ما عاد صالحاً ولا مقبولاً أن تتم تلك التعاملات من دون أن تكون لشعوب دول المجلس كلمة بشأنها. 

ونستطيع أن نعطي عشرات الأمثلة على مواقف وقرارات ما كان لشعوب دول المجلس أن توافق على الأخذ بها لو أن آراءها ومشاعرها جرى التفتيش عنها. 

نقول ذلك لأن شعوب دول المجلس بدأت تضيق بالخلافات غير المسوغة التي تعشش داخل المجلس وتكبر وتهدد مستقبله، ولا عادت هذه الشعوب تطيق رؤية بلدانها وهي تغوص في أوحال الأوضاع الكارثية، التي يعيشها الوطن العربي حالياً، وإن بنسب مختلفة، وإن بقصد أو بغير قصد.

شعوب هذه المنطقة تريد أن تساهم دول المجلس، أنظمتها السياسية وقوى ومجتمعاتها المدنية، في حل قضايا الأمة العربية من خلال تبني سياسات أخوية موضوعية معقولة تساعد على إخراج الأمة العربية من الجحيم الذي تعيشه الآن،
شعوب دول المجلس، تريد أن ترى ثرواتها البترولية الهائلة في خدمة مسؤولياتها والتزاماتها القومية.

في دول العالم الديمقراطية تعرف أنظمة الحكم توجهات ومشاعر شعوبها، إما من خلال برلمانات منتخبة تمثل جموع الناس، أو من خلال استفتاءات دورية أو من خلال الإجابات على أسئلة تطرح على عينات تمثل جميع شـــرائح المجتمعات، إضافة لذلك تلعب وسائل الإعلام الحكومية وغير الحكومية أدواراً مهمة في إجراء نقاشات واسعة لمعرفة توجهات المواطنين.

أما عندنا في دول المجلس فإن أغلب تلك الوسائل لمعرفة رأي المواطنين غير موجودة أو غيــــر مستعملة أو غير موثوق بنتائجها.

في اعتقادي أن الأمانة العامة لمجلس التعاون يجب أن تدعوا مجموعة من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني في دول المجلس لوضع تصورات عملية تقدم لقادة دول المجلس لإقرارها، وذلك لحل إشكالية التعرف على توجهات ومشاعر شعوب دول المجلس تجاه ما يُتخذ من قرارات كبرى باسمها، ولكن من دون إشراك حقيقي حقوقي لها.

نقول لقادة دول المجلس: احذروا من اتساع الهوة بين أفكاركم ومشاعركم وبين أفكار ومشاعر شعوبكم.

٭ د. علي محمد فخرو مفكر ووزير بحريني سابق.

 

المصدر | القدس العربي