الأربعاء 31 ديسمبر 2014 02:12 ص

تتبني المملكة العربية السعودية سياسة سوق النفط على أسس اقتصادية بحتة لا أقلَّ من ولا أكثر؛ هكذا كرر وزير البترول السعودي «علي النعيمي» في مقابلة تحدث فيها بكل صراحة مع صحيفة «الحياة».

ورفض «النعيمي» ما أسماه بــ«نظريات المؤامرة» التي تدّعي أن المملكة العربية السعودية تستخدم النفط كسلاح دبلوماسي ضد إيران أو روسيا أو أي بلد آخر، واصفًا هذه المعتقدات بأنها تنمّ عن سوء فهم، وتحمل نوايا مُغرضة، فضلاً عن كونها محض خيال لا يستند إلى أساس.

وظل «النعيمي» يواجه ما دأبت وسائل الإعلام الغربية على ترديده على نطاق واسع من أن المملكة تعمدت دفع أسعار النفط إلى الهبوط من أجل إضعاف خصومها في سوريا والعراق وإيران.

والسؤال الآن؛ هل هناك حقًا أي أدلة تشير إلى أن كبار الساسة في المملكة العربية السعودية سعوا عن عمد لانخفاض أسعار النفط؟ أم أن السعودية قد استجابت ببساطة لأحداث خارجة عن سيطرتها باختيار الإستراتيجية الأكثر منطقية من بين مجموعة خيارات غير جذابة؟ لن نعرف الجواب أبدًا بصورة يقينية.

ويضع الوزير بالتشاور مع الملك ومجموعة صغيرة من كبار الأمراء السياسة النفطية للمملكة. ومعرفة ما يدور في تلك المناقشات والتشاورات يكاد يكون مستحيلاً؛ حيث إن هؤلاء الذين على دراية لا يميلون إلى التحدث، بينما أولئك الذين يتحدثون فغالبًا لا يعلمون.

ومع ذلك؛ توجد أسباب للشك في أن المملكة تستخدم سلاح النفط في إطار استراتيجية جغرافية سياسية كبرى، إما من تلقاء نفسها وإما بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وألقى «النعيمي» في المقابلة الصحفية باللائمة في انخفاض أسعار النفط على الركود الاقتصادي العالمي، وزيادة الإنتاج من خارج منظمة «أوبك»، وانتشار المعلومات المغلوطة والمضاربين في البورصة.

ومن المؤكد أن تلك العوامل الذي ذكرها «النُعيمي» تقدم تفسيرًا مقنعًا لانخفاض أسعار النفط إلى النصف تقريبًا منذ يونيو الماضي. ولا توجد حاجة لاستدعاء نظرية المؤامرة عن وجود خطة سرية لإلحاق الضرر بإيران وروسيا لتفسير مستجدات التاريخ الحديث بشأن الأسعار.

ويردد بعض المراقبين أنه في الوقت الذي لم تتسبب فيه المملكة العربية السعودية في انخفاض الأسعار، إلا إنها في الوقت ذاته لم تفعل شيئًا لمنعه رغم قدرتها عليه. ولم تتبن المملكة أي إجراءات من شأنها أن تبقي سعر برميل النفط عند مستوى 100 دولار في المدى المتوسط. وكما أوضح «النعيمي» أنه إذا خفّضت المملكة العربية السعودية الإنتاج، فإن ذلك ببساطة سيشجع منتجي الصخر الزيتي في الولايات المتحدة ومنتجي النفط في البرازيل وفي مناطق أخرى على إنتاج المزيد. وفي تلك الحالة ستفقد المملكة جزءًا من حصتها في السوق من دون كسب تحسن دائم في السعر.

وإذا كان انخفاض أسعار النفط يفيد السعودية والولايات المتحدة من الناحية الدبلوماسية من طريق تشديد الضغط الاقتصادي على دول معادية مثل إيران وروسيا وفنزويلا فتلك فائدة جانبية، وليست هي الهدف الرئيسي للسياسة.

وكان الرد السعودي الطبيعي على ارتفاع إمدادات المعروض من الصخر الزيتي وركود الطلب على النفط الخام هو السماح بانخفاض الأسعار لكبح الاستثمار في الصخر الزيتي الأمريكي واستعادة بعض النمو المفقود في الطلب.

ومن هنا؛ فإن القول بوجود مؤامرة فيما يجري في الآونة الأخيرة هو أمر غير ضروري وغير مؤكد على الإطلاق. ولم يقدم مؤيدو نظرية «النفط كسلاح دبلوماسي» دليلاً واحدًا مباشرًا. وفي تلك الظروف لا يوجد سبب للشك في تفسيرات وزير النفط السعودي.

وقد انتقدتُ في الماضي صناع السياسة السعوديين لعدم شرح استراتيجيتهم بوضوح أكبر ما أوجد فراغًا معلوماتيًا فسره البعض على حسب هواه.

ومن الواضح أن تصريحات «النعيمي» ومقابلاته الصحفية التي تحدث فيها بكل صراحة على مدى الأيام القليلة الماضية تهدف إلى سد الفراغ، وترصد بوضوح كيف تتوقع المملكة تطور الأوضاع في أسواق النفط وسبب هذا التطور. ولا يوجد سبب للشك فيه.

الطاقة هي القوة. والسيطرة على إمدادات الطاقة تمنح قوة هائلة للدول التي تمتلك تلك الأداة. ولعب الوصول إلى إمدادات الطاقة دورًا سياسيًا في الإستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية لألمانيا واليابان أثناء الحرب العالمية الثانية. ووضعت وزارة الدفاع الأمريكية في عام 1973م بالفعل خططًا لقوة انتشار سريع للسيطرة على حقول النفط السعودية لكسر حظر النفط الذي لعبت به المملكة كورقة ضغط آنذاك.

ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر ما لعبته العوامل الدبلوماسية أحيانًا من دورٍ في السياسة النفطية السعودية. وقد استخدم «الملك فيصل» النفط صراحة كـ«أداة سياسية» في الحظر الذي فُرض عام 1973م في محاولة لتغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. كما تردد أن «الملك فهد» في الثمانينيات أمر بمبيعات نفطية إضافية في مقابل صفقة أسلحة مع بريطانيا.

ومنذ أمدٍ ليس ببعيد؛ تدخلت السعودية لتعويض النقص في إمدادات المعروض أثناء الحربين الأولى والثانية بين العراق والولايات المتحدة. ويبدو أن نوعًا من التفاهم حدث بين الرياض وواشنطن لزيادة الإنتاج السعودي لسد الفجوة الناتجة عن انخفاض الصادرات الإيرانية بسبب العقوبات الموقعة ضدها.

لكن التدخل السياسي في السياسة النفطية كان بمثابة استثناء أكثر من كونه قاعدة على مدى العقود الأربعة الماضية. وتبيع السعودية - بشكل عام - أقصى ما تستطيعه من النفط بأعلى سعر مُتاح بالنظر الى مبيعات المنتجين المنافسين وحالة الأسواق. ولم يمنع ذلك دخلاء من محاولة التعبير عن رؤيتهم للسياسة السعودية.

وفي مارس من عام 1986م، وفي خضم انهيار مماثل في سوق النفط، نشر الكاتب المحافظ «ويليام سافير» مقالة رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بعنوان «قراءة في عقل اليماني». وتصور «سافير» أن وزير النفط السعودي آنذاك «زكي اليماني» قال: «تتمثل استراتيجيتي في الإنتاج والإنتاج حتى يتسبب انخفاض الأسعار في إفلاس إيران». «الأوامر التي تلقيتها من العائلة المالكة لا يمكن أن تكون أكثر وضوحًا؛ فمهما كانت التكاليف لابد من كسر إيران. ومع بقائنا على المحك؛ فإننا على استعداد للمعاناة جرّاء هبوط هذه الأسعار لأننا نعلم أننا نبيد آلة الحرب الايرانية».

وردًا على سؤال حول هذا الموضوع في وقت لاحق من قبل الكاتب «جيفري روبنسون»؛ نفى «يماني» أنه جرب مثل هذه الاستراتيجية، وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ«التفكير بالتمني الصحفي»، ودوافع «سافير» السياسية الخاصة للدفاع عن خط متشدد بشأن إيران.

ويبدو جليًا عند استعادة أحداث الماضي أن انهيار السعر عام 1986م  كان كارثة للمملكة دفعتها إلى حافة الإفلاس وخسر «يماني» وظيفته. وبدا أن الفكرة التي كانت في مجملها جزءًا من مخطط جغرافي سياسي كبير لإيذاء إيران خيالاً محضًا راود عقل المحافظين الجدد. لكن كثيرًا من عبارات وكتابات التنظير عن الاستراتيجيات من الأرائك المريحة تستخدم الآن لإلصاق دوافع سياسية متعمدة بالانهيار الحالي في أسعار النفط، وهو أمر ليس أكثر اقناعًا مما كان عليه من قبل.

قد يكون هناك في بعض الأحيان آثار اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية ذات مغزى نتيجة التحولات الكبيرة في أسعار النفط. وقد جادل الاقتصادي الروسي «إيجور جايدار» بأن انهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينيات كانت سببًا في تفكك الاتحاد السوفياتي.

ولكن لا يرى أي محللٍ جاد أن انهيار أسعار النفط خلال عامي 1985-1986 تمّ بشكل متعمد من قبل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أو أي شخص آخر لاسقاط الاتحاد السوفياتي. لقد تهاوت الأسعار آنذاك بسبب ارتفاع الأسعار أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات والتي حفّزت الزيادة الكبيرة في الإمدادات من خارج «أوبك» والحفاظ على كميّات الوقود الهائلة في الاقتصادات المتقدمة. ربما حدث نفس الشيء بشكل كبير أو صغير نتيجة الزيادة الكبيرة في أسعار النفط الحقيقية بين عامي 2002 و 2012م. والآن؛ تسببت الاستجابة المتأخرة من العرض والطلب في الدخول إلى نفس الدائرة مرة أخرى.

نظريات المؤامرة ليست ضرورية ولا مفيدة عند محاولاتنا فهم الأحداث الأخيرة في سوق النفط. ليست ضرورية لأنها لا تضيف شيئًا إلى تفسير الأسباب وراء انخفاض الأسعار. وليست مفيدة لأنها تعني أن المملكة العربية السعودية كان يمكنها بعقلانية أن تتبع سياسة مختلفة.

هناك أوقات يتم فيها صناعة التاريخ من خلال الصفقات السرية بين العظماء والأقوياء. ولكنها في معظم الوقت تكشف عن نفسها بنفسها نتيجة للأخطاء وسوء التقدير والحوادث والأحداث غير المتوقعة التي تصيب كبار صناع السياسة بالدهشة كما تُفاجأنا نحن أيضًا.

المصدر | جون كيمب، اليابان تايمز