الثلاثاء 31 مارس 2015 12:03 م

بات التمدد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط يقلق العرب إلي حد بعيد، لاسيما في ظل الاتفاق الذي يجري حاليا صياغته في مدينة لوزان السويسرية بين الدول الغربية الكبري وطهران بشأن برنامجها النووي. وكلما اقتربت الأطراف من التوصل إلى اتفاق، تزايدت مساعي بناء حصن عربي ضد النتائج المتوقعة للاتفاق.

ويمكن لهذين التطورين أن يعيدا تشكيل ملامح الشرق الأوسط. وسواء تم توقيع الاتفاق أم لا، فإن هناك حديث يدور عن حدث تاريخي لم تره المنطقة منذ عشرات السنين، ألا وهو نية الدول العربية إنشاء قوة عربية مشتركة كبيرة وقوية. وإسرائيل للمرة الأولي غير منزعجة، ويمكن القول إنها في الحقيقه تطير بها فرحا.

واعتمدت نظرية الأمن الإسرائيلية، علي مدي أجيال، علي السعي للتصدي بنجاح لأي تحالف عربي وليس فقط لدوله عربية واحدة. وفي الوقت الذي بدأ فيه مثل هذا التحالف يتشكل، فإن إسرائيل تراه جزءا لا يتجزأ من ركائز أمنها. وحتي إذا لم يكن هناك من وجه لها الدعوة بالمشاركة في هذا التحالف، فإنها من بين أول المساهمين فيه وبأسهم ممتازة.

ورغم إن قرار الجامعة العربية بتشكيل قوه عربيه قوامها 40 ألف جندي لم يلق أي اعتراض، إلا إن هناك الكثير من الأسئله المبدئية الهامة التي يتوجب علي العرب الإجابة عليها خلال مباحثات طويلة يتم التخطيط لإطلاقها خلال شهر أبريل/نيسان المقبل. فمن غير الواضح من سيتولي الإشراف علي هذه القوة، وهل ستعتمد علي متطوعين أم وحدات نظاميه تنسلخ عن الجيوش النظامية، ومن سيمول، والأهم من ذلك كله ما هي الأسباب التي تستدعي تفعيلها، ومن سيقرر تلك الأسباب، وما هي القيود المفروضة على تلك القوة.

هل يمكن لمصر أن تطالب بذلك عندما تتعرض للهجوم من قبل تنظيمات إرهابية تتسلل إلى أراضيها من ليبيا مثلما حدث قبل شهرين عندما ضربت بنفسها هناك؟ وهل يمكن للسعودية أن تأمر الجيش العربي بالعمل ضد تمرد مدني شيعي يندلع في البحرين؟ وماذا بشأن تدخل في العراق ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ وهل سيُسمح لتلك القوة العربية المشتركة بالعمل في غزه ضد كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، المصنف كتنظيم إرهابي في مصر؟، وصرح الأمين العام لحزب الله «حسن نصر الله »: «إذا كان هدف القوة العربية العمل ضد إسرائيل، فإننا سنكون أول المنضمين إليها». لكن من الواضح أن هذا لن يكون هدفها على الإطلاق.

سنة ضد شيعة

وحتى من قبل الإعلان عن قوة عربية مشتركة كان هناك تغيير مهم في المنظور العسكري للدول العربية.

وامتنعت الدول العربية من إرسال قوات مسلحة منذ فترة طويلة للعمل ضد الدول العربية الأخرى أو للعمل مباشرة في البلدان التي انتشرت فيها الجماعات الإرهابية. عندما غزا الرئيس العراقي «صدام حسين» الكويت في عام 1990، معلنا اندلاع حرب الخليج،  وكان ذلك بمثابة أول غزو عربي لدولة عربية. (إيران بلد مسلم ولكنها ليست عربية، وبالتالي فإن الحرب بين إيران والعراق لا تدخل ضمن هذا السياق). ويعني قرار الجامعة العربية أن القوات العسكرية العربية حصلت على موافقة بالتدخل في شؤون بلدان عربية أخرى.

وأنشئت هذه القوة، على الأقل كما قيل في البداية، لضرب المنظمات الإرهابية، بينما تتم عملية عرقلة النفوذ الإيراني في الدول العربية دون حاجة لتدخل عسكري في إيران. وإذا أصبح هذا التوافق العسكري والسياسي حقيقة واقعة، فإنه يمكن اعتباره انعكاسا للمحور السني ضد المحور الشيعي، ولكن سيكون من الخطأ أن ننظر إليه على أنه مهمة دينية.

الإرهاب في مصر، على سبيل المثال، هو إرهاب سني، وفي هذه الحالة يصبح الشيعة في جانب «الرجال الأخيار». وهذا يفرض على القوة المشتركة تعريف التقارب العربي على أنه معركة ضد إيران وممثليها أكثر من كونها معركة ضد المذهب الشيعي الذي هو فرع من فروع الدين الإسلامي.

وبذلت شخصيات سياسية ووسائل إعلام إيرانية مؤخرا جهودا مضنية لإدانة الهجوم العربي المشترك في اليمن، والذي يضم خمس دول عربية مدعومة من تركيا وباكستان. الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» الذي أعلن أن «إيران تسعى للسيطرة على المنطقة، وهذا أمر غير مقبول» ربما يقدم دليلا قاطعا على أن الهدف هو إيران الشيعية، وليس حربا سنية ضد الشيعة بشكل عام، وأنه حتى على استعداد لدفع ثمن دبلوماسي حاد مقابل ذلك. وعلى المستوى الرسمي، قالت إيران إن زيارة «أردوغان» إلى البلاد المقرر لها بداية شهر إبريل في موعدها ولم يتم إلغاؤها، ولكن بعض نواب البرلمان الإيراني يطالبون «أردوغان» بعدم المجيء.

واضطر الرئيس التركي، الذي يحاول زرع علاقات وثيقة مع إيران، أن يكون هناك استثناء يميز سياسته العامة، وهو التقارب مع جيران تركيا. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الخطوة الأخيرة متسقة مع قراره في وقت سابق بقطع العلاقات مع سوريا، ومطالبته الإطاحة بالرئيس السوري «بشار الأسد» من منصبه كشرط لمشاركة «أردوغان» في التحالف الغربي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.

موقف تركيا هو أيضا علامة صارخة على التغييرات التي من المتوقع أن تعيد تشكيل العلاقات في الشرق الأوسط نظرا لحاجة الدول العربية والإسلامية أن تقرر ما إذا كانت ستقف إلى جانب المحور السعودي أو الإيراني. ولقد اتخذ الرئيس السوداني «عمر البشير» قرار مماثلا لـ«أردوغان »عندما انضم إلى التحالف السعودي قبل أسبوع وطرد الممثلين الإيرانيين من بلاده.

ويرتبط انتشار عباءة السعودية في المنطقة بتوقعات أن إيران والقوى العالمية الست على وشك توقيع اتفاق نووي قريبا: بيان المبادئ واتفاق مفصل في المستقبل.

العودة إلى نادي النفط

وأيا كانت وتيرة رفع العقوبات ضد طهران، فإن إيران سوف تستعيد مكانتها في سوق تصدير النفط بقوة كاملة. وستتحول إيران من موقفها كدولة تعتمد على قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط وموقف المملكة العربية السعودية، والذي ساهم إلى حد كبير في انخفاض أسعار النفط، إلى بلد قادر على فرض أسعار السوق.

وبالإضافة إلى ذلك، فمن المتوقع أن تتمتع إيران بنمو تاريخي خلال السنوات المقبلة فيما يتعلق بعلاقاتها ومعاملاتها مع الشركات الأجنبية ورجال الأعمال والدول، مقتنصة فرصا تفتح لها آفاق الاستثمار في كل قطاع الحياة لديها. البنية التحتية التكنولوجية الإيرانية، والقوى العاملة المتعلمة، وحكومة مستقرة يجعلها أكثر إغراء للمستثمرين من دول على شاكلة مصر والأردن وبلدان شمال إفريقيا. وعلى النقيض من تلك البلدان الأخرى، فإن لدى إيران أيضا موارد مالية للمساهمة بدلا من طلب المساعدات المالية.

عودة طهران إلى نادي الدول المصدرة للنفط من شأنه أن يعطي النظام الإيراني قاعدة اقتصادية قوية تجعله أيضا يستغلها ضد منافسيه المحليين. خوف الإصلاحيين الإيرانيين من أن النظام سيكون قادرا على ترتيب المفاضلة التي تحسن أوضاع المحنة الاقتصادية للإيرانيين سوف يأتي على حساب حقوق الإنسان، وتمكين قمع أولئك الذين يسعون ليحلون محل النظام الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق الحقيقي بين الدول العربية ليس بسبب الطبيعة الديكتاتورية للنظام الإيراني، ولكن بسبب التحالف الدبلوماسي الذي يمكن أن يتطور بين طهران وواشنطن، وهو تحالف يمكن أن يأتي على حساب علاقات واشنطن مع الدول العربية.

ومن المشكوك فيه ما إذا كانت هذه المخاوف لها أساس على أرض الواقع، ولكن عندما تكون واشنطن راضية عن مشاركة إيران في الحرب ضد «الدولة الإسلامية» في العراق، وعندما يُنظر إلى إيران وحلفائها الحوثيين في اليمن كشريك فعال ضد فرع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فإن مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يخلق فرصة للتعاون الاستراتيجي.

قلق آخر هو أن الاتفاق النووي من شأنه أن يعطي إيران وضع القوة الشرعية، ما يساعد في تضمينها ضمن أي محاولة لحل الصراعات الإقليمية كتلك التي توجد في سوريا واليمن والعراق.

وبما أن البلدان العربية فشلت حتى الآن في وضع حد للقتال الدائر في تلك البلدان، فإنه يمكن النظر إلى إيران على اعتبار أنها أمر خارق، وأنها قوة خارجية هبطت فجأة من السماء لحل المشاكل. وفي مثل هذه الظروف، من المحتمل أن تحصل إيران على مكانة بارزة، ليس فقط بين الدول المشاركة في تلك المواجهات، ولكن أيضا بين دول الشرق الأوسط الأخرى التي لم تضطر حتى الآن إلى الانحياز لجانب إيران أو المملكة العربية السعودية. وخاصة إذا أرست الولايات المتحدة قواعد إقامة علاقات طبيعية مع إيران.

وهذا هو أساس الأهمية الدبلوماسية الكبيرة المقترنة حاليا بالحملة التي تشنها القوات العربية ضد الحوثيين في اليمن. وفي حد ذاته، فإنه ليست هناك أهمية استراتيجية لليمن، واحتياطياته النفطية ليست ذريعة للحرب أو تعبئة عربية بينية. ولكن في مباراة محصلتها صفر بين إيران ومعظم الدول العربية، خاصة دول الخليج، فإن الخسارة في اليمن تعني انتصارا لإيران وخروج بلد عربي آخر من الحضن العربي.

كما أن هذا هو الأساس لتحقيق الهدف الطموح للسعوديين وحلفائهم من وراء الحملة، والمتمثل في عودة الحوثيين إلى قاعدتهم في شمال اليمن، وإعادة الأسلحة التي استولوا عليها من الجيش، والاعتراف بإدارة الرئيس المنفي «عبد ربه منصور هادي».

ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» هذا الأسبوع محور «إيران- لوزان - اليمن» بالخطر على الإنسانية. لكن السعودية لم تكن بحاجة إلى أحدث شعارات نتنياهو من أجل إدراك ماهية الخطر.