الأربعاء 8 أبريل 2015 02:04 ص

ثلاثة أحداث مهمة حدثت في الأسابيع الماضية، تفرض على الدول العربية إعادة التفكير في الدور الذي لعبته وتلعبه منذ عقود.

فمنذ عقود تراجعت الدولة العربية عن مسؤولياتها في حماية الشعوب العربية والمدافعة عن قضاياها وضمان حرياتها وحقوقها إلى الانغماس في تمتين الأنظمة الحاكمة عبر تحالفات وسياسات خلقت نوعاً من الاغتراب بين الشعوب العربية ودولها، وكل حدث من هذه الأحداث يرمز إلى إشكالية جوهرية تولدت من ارتكان الدول العربية إلى منطق (النظام)، ولن تتمكن من تجاوزها إلا بعودتها إلى التفكير بمنطق (الدولة).

أوّل هذه الأحداث، هو نتيجة الانتخابات الإسرائيلية في 17 من شهر مارس/آذار الماضي، والتي فاز فيها حزب الليكود بـ30 مقعداً من أصل 120 (أي ما نسبته 23.4% من المقاعد). جميعنا شاهدنا كيف أن هذا الفوز الذي حققه نتنياهو إنما جاء بعد تعهده بشكل صريح بأنه لن يسمح بمتابعة مسار عملية السلام التي تبنتها الدول العربية كخيار وحيد لتحصيل حقوق الشعب الفلسطيني.

إن هذه الحادثة تطرح أمام الدولة العربية مسألة ضرورة التعامل مع القضية الفلسطينية بشكل مختلف وتجاوز حصر الخيارات في مفاوضات السلام والانتقال إلى ضغط على الكيان الصهيوني بكل الطرق المتاحة لتحصيل حقوق الفلسطينيين. وهذا مهم ليس فقط؛ لأن هذا واجب الدول العربية أصلاً، بل أيضاً؛ لأن في دعم هذه القضية يتم تحقيق مكسبين، الأول: هو تمتين شرعية هذه الدول وكسب ثقة الشعوب العربية بأن دولهم قادرة على تحمل مسؤولياتها، أما الثاني: فهو ملء الفراغ الذي تستغله إيران وغيرها من أجل شرعنة بسط هيمنتها على البلدان العربية.

أما الحادثة الثانية فهي الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين إيران والقوى العظمى قبل أيّام. فهذه الحادثة تكشف أمرين مهمين، الأول: هو أن إستراتيجية البقاء التي كانت تعتمدها الأنظمة العربيّة للبقاء والحماية بالاعتماد الكبير على الحلفاء الدوليين بدأت تبدو كإستراتيجية غير موثوقة، ولا يمكن الاعتماد عليها بعد الآن، والبديل الوحيد لها هو الإتحاد وتكاتف الجهود بين هذه الدول وتكاملها لتحقق معاً استقراراً يعكس مصالح شعوبها وتطلعاتهم.

وضرورة التوحد هذه تصبح آكد إذا ما عرفنا أن الأمر الثاني الذي سيكشفه هذا الاتفاق هو: أن رفع العقوبات عن إيران سيمدها بموارد إضافية تساعدها في مشاريع الهيمنة الخاصة بها؛ فالعقوبات الاقتصادية التي فرضت منذ عام 2005 قد أدت بالاقتصاد الإيراني إلى التراجع. فمعدل التضخم تضاعف من 13.39% إلى 27.34%، أما الإنتاج الصناعي فقد تهاوى من 84 مليار دولار إلى 68 مليار دولار، كما أن معدل التبادل الفعال قد ازداد 80%، وهو ما يعني تقليل مدى تنافسية البضائع الإيرانية في الخارج. رفع العقوبات وتطبيع علاقات إيران الاقتصادية يتيح لها ترميم اقتصادها وإعادة دعم القطاعات المتنوعة، وهو ما يعني زيادة مداخيل الدولة وتقليل حجم البطالة، وهو ما سينعكس كفائض يمكن استغلاله في مشاريع الهيمنة التي تقودها في منطقتنا.

يأتي استيلاء كل من ميليشيات الحشد الشعبي العراقية على تكريت التي كانت خاضعة لسلطة تنظيم داعش باعتبارها الحادثة الثالثة المهمة. فهي تشير إلى الكيفية التي تعمل هذه الحروب الأهلية على إعادة تغذية الطائفية، وتفكك النسيج الاجتماعي في كل من العراق وسورية. فبحسب «رويترز»، قامت ميليشيات الحشد الشعبي بأعمال مماثلة للتي كان يقوم بها تنظيم داعش من قتل للأبرياء وإعدامات ميدانية وتهجير بحق أهالي البلد وحرق بيوتهم، متبعين الأساليب نفسها التي يتبعها التنظيم.

إن هذا المستوى الذي وصل إليه العراق، ومعه سورية واليمن وليبيا، من تردي الأوضاع وتفاقم الحروب وزيادة سطوة الميليشيات وتضاؤل حجم الدولة والمؤسسات الوطنية لهو أحد أكبر الأخطار التي تهدد المنطقة برمتها. إن مثل هذه المشكلة لا يمكن حلها عبر التعامل مع هذه المسائل كمسائل منفصلة بعضها عن بعض، أو النظر إليها بمنطق حماية النظام، بل يجب التعامل معها بمقاربة شمولية تتجاوز المنطق الطائفي وتعترف بالمظالم الموجودة على الأرض والتطلعات التي تحرّك هذه الصراعات، ومعالجتها بطريقة تصالحية تجعل الجميع رابحاً.

ففي العراق مثلاً، يعتبر تبني مثل هذه المقاربة حلاً حازماً للمشكلات المعقدة في هذا البلد، إذ إن تجاوز منطق الطائفية الذي يحكم سياسة هذا البلد كفيل بأن يضعف كل من إيران وتنظيم داعش اللذين يعتاشان على الحالة الطائفية ويتنفسان من خلالها وعبرها. وهذا الأمر لا يمكن حله من دون محاولة كسب قلوب وعقول الشيعة العرب في العراق وإعادة إحياء الروابط التاريخية في ما بينهم وبين محيطهم العربي.

هذا كله لا يمكن تحقيقه إلا ضمن منطق الدولة، والذي أعني به منطق تحمّل مسؤوليات الوطن والأمة والاستجابة لتحدياتها والسعي بشكل دؤوب لتحررها وحريتها ورفاهها. ومن دون هذا الأمر، ومن دون سعي حقيقي لكسب قلوب وعقول الشعوب العربية عبر تبني سياسات جادة تتناسب وتطلعاتهم، فإن المشكلات الرئيسة التي سبق عرضها لن يكون من أمرها سوى أن تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة يصبح العلاج معها حلماً أو محض خيال، وكل ما نأمله ألا نصل إلى هذه الحال.