الاثنين 13 أبريل 2015 05:04 ص

حذّر الدكتور عزمي بشارة في محاضرته الافتتاحية لندوة «الاتفاق النووي الإيراني وتداعياته الإقليمية والدولية»، من أنّ العرب يخطئون كثيرًا إذا عدّوا الاتفاق النووي الإيراني مسألة تفاصيل لم يُتفق عليها بعدُ، أو إذا اكتفوا بعدّ أنفسهم بندًا على قائمة الأضرار الجانبيّة للعلاقة الأميركية ـ الإيرانية؛ فالتحدي الكبير هو تحوّل العرب إلى الذات الرئيسة الفاعلة في تاريخهم على الأقل، وهذا غير ممكن من دون دول إقليميّة قويّة أو اتحاد دول، وأيّ منها غير ممكن من دون إصلاحٍ في البنى السياسية لأنظمة الحكم العربية.

ورأى الدكتور بشارة في افتتاحه للندوة التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنّ اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه بين إيران والقوى الكبرى هو تتويج لصيرورة تحولات تاريخية دولية وإقليمية. ومن أبرز هذه التحوّلات تراجع الإدارة الأمريكية عن التدخل في الخارج، وصعود روسيا وتحالفها مع الديكتاتوريات ضدّ التدخل الأجنبي، وصعود الشعوب العربية قوةً على مسرح التاريخ مطالبةً بالحرية والكرامة، وبنظام حكم ديمقراطي. وقد تمدّدت إيران إقليميًا عبر تقاطع مصالح موضوعي مع الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001، وفي العراق عام 2003. ومع نهوض الشعوب العربيّة الثوري عام 2011 لم تقف إيران مع تطلعات الشعوب، بل استغلّت هشاشة الدول العربية لتوسيع نفوذها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الدّول العربيّة التي تخشى هذا التمدّد الإيراني غير قادرة على طرح مشروع دولة إقليميّة أو تعاون دول وطنية يمكنها التصدي للمشروع الإيراني؛ وليس ذلك على المستوى الخارجي فحسب، بل على مستوى تماسك مجتمعاتها وشعوبها بالجمع بين التنمية وحقوق المواطن أيضًا.

وأكّد الدكتور بشارة أنه يجب الحذر من بعض التحليلات التي تفرّق بين مواقف الإصلاحيين والمحافظين الإيرانيين من العلاقة مع العرب. وأضاف قائلا: «ليس الإصلاحيون محبين للعرب خلافًا للمحافظين، ولا هم أقلّ تمسّكًا بمصالح إيران الجيوستراتيجيّة. على العكس تمامًا، إنّهم يرون مصالح إيران الجيوستراتيجيّة كدولة إقليمية في حالة تفاهم وتوزيع أدوار مع الغرب، وينفرون من التدخّل الإيراني في الشؤون العربيّة لأنّه يؤدي إلى تداخل المصالح بين إيران والعرب في مواجهة إسرائيل والغرب». وخلص إلى القول إنّ انفتاح إيران على الغرب ليس مؤامرةً ضدّ العرب، مثلما لم يكن دعم إيران للمقاومة الفلسطينيّة أو اللبنانية تآمرًا على إسرائيل. هذا الانفتاح هو نتاج ديناميّات اجتماعيّة سياسيّة في إيران.

وأوضح أنّ أحد العوامل المهمّة التي عرّضت الحراك الشعبي العربي لانتكاسة هو نفسه الذي ساعد إيران في التخلص من ورطة الثورات العربية، وذلك بأنْ جعلها تبدو في صفٍّ واحد مع الإجماع الدّولي. وهذا العامل هو التطرّف الديني المتمثّل في السلفيّة الجهاديّة التي تردّ على تمدّدٍ إيرانيٍّ طائفيٍّ الطابع بدعاية طائفيّة صريحة وخطاب تكفيري وعنفٍ ضدَّ المدنيين. ومثلما وجدت إيران نفسها مع الولايات المتحدة في تحالفٍ ضدّ طالبان، ها هي تجد نفسها الآن في تحالفٍ شبيه، ولكنه أكثر صراحةً ووضوحًا ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة. ولاحظ أنّ التمدد الإيراني في الإقليم منذ عام 2011 ظل في حالة دفاعٍ عن النفس حتى نشوء تنظيم الدولة الإسلاميّة والتنظيمات المتطرّفة الأخرى.

ودعا الدكتور بشارة العرب إلى الابتعاد عن وضع توقعات كثيرة في الإدارة الأمريكية لئلا يكونوا بندًا في الخسائر الجانبية للتقارب الإيراني الغربي. وأوضح أنّ خطاب أوباما بعد الاتفاق يُبدي احترامًا لإيران وتقديرًا لها، بوصفها دولةً إقليميّةً يمكن التوصّل معها إلى اتفاقيات، وحتى إلى مصالح مشتركة مستقبلًا، وهو ما يشير إلى أنّ المصلحة الأمريكيّة متمثّلة بوجود نديّة في التعامل مع إيران، في حين لا توجد أيّ مصلحةأمريكيّة للتعامل بنديّة مع العرب.

تداعيات إقليمية

وقدّم الدكتور عماد خدوري العالم النووي العراقي موجزًا تقنيًّا للاتفاق النووي ضمّنه شرحًا مبسّطًا من الناحية التقنية للمشروع النووي الإيراني منذ نشأته في عهد الشاه عام 1967، وقد أسعف الشرح عددًا كثيرًا من الحضور غير المختص في استيعاب أفضل لطبيعة البرنامج الإيراني، وشكّل خلفيةً جيدةً للخوض في المواضيع الأخرى التي تضمّنها برنامج جلسات الندوة.

ورأى خدوري أنّ الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة 5+1 يثلم ادعاءها السيادة على أنشطتها النووية، وهذا ما يظهر أساسًا في مؤشرين؛ أولهما موافقتها على أن تتولى روسيا تشييد أيّ مفاعلات إيرانية مستقبلًا، وهو ما يعني التنازل عن مبدأ الاعتماد على القدرات المحلية وتطويرها، والمؤشر الثاني هو قبولها بتفكيك مفاعل آراك وتدميره.

من جانبه حلل الدكتور عبد الوهاب القصّاب، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، انعكاسات الاتفاق النووي الإيراني على التشكيل الجيوستراتيجي في المشرق العربي، وأكّد أنّ هناك سيناريوهين ممكنين يرتبطان بالطريقة التي سيعيد بها النظام الإيراني توجيه جهده وبنتائج عاصفة الحزم.

وأوضح أنّ السيناريو الجيد يتوقع أن تصل «عاصفة الحزم» إلى تحقيق نتائجها النهائية وإعادة الشرعية إلى اليمن، وهو ما سيجعل الطرف الإيراني يدرك أنه ليس من مصلحته الذهاب نحو صراع إقليمي في هذا الوضع؛ لأنّ هناك طرفًا عربيًا يثبت أنه موجود ورقم مهمّ في المنطقة.

أمّا السيناريو الأسوأ، فيتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى تفرّغ إيران لإعادة بناء قوتها التسليحية، في مقابل تخلي السعودية والدول المشتركة في «عاصفة الحزم» عن المضي في العملية إلى غاية تحقيق أهدافها الكاملة، وهو ما سيعطي إشارة إلى عجز الطرف العربي عن فرض «التوافق بالردع» ويفسح لإيران مجال تدخلٍ أوسع في المجال العربي.

وقدّر الدكتور ممدوح سلامة، الخبير السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة والأستاذ في اقتصاديات الطاقة، أنّ الاتفاق النووي الإيراني لن يكون له تأثير كبير في السوق النفطية العالمية، وأن رفع العقوبات عن صادرات إيران النفطية سيكون له تأثير محدود في الأسعار نحو الهبوط، ولكن يُتوقع أنْ ترتفع الأسعار في النصف الثاني من عام 2015 من مستواها الحالي عند 57 دولارًا للبرميل إلى نحو 75 دولارًا للبرميل، وأنْ يسترجع النفط معظم خسائره خلال عام 2016.

واستند في توقعاته إلى تحليل مزدوج لحقيقة انهيار أسعار النفط ووضع السوق النفطية من جهة، وحقيقة الاحتياطيات النفطية الإيرانية وقدرات إيران الإنتاجية من جهة أخرى.

أمّا بالنسبة إلى النفط الإيراني، فيرى سلامة أنّ الاحتياطيات المعلنة مبالغ فيها جدًّا؛ فهي لا تبلغ 157 مليار برميل كما تدّعي إيران، وإنما هي في حدود 36 مليار برميل بتقديرات مستقلة، أو حتى 30 مليار برميل فقط بحسب عمليات حسابية تتبعت تاريخ النفط الإيراني أجراها سلامة نفسه.

والمسألة الثانية أنّ إيران قد بلغت ذروة إنتاجها النفطي في السبعينيات من القرن العشرين.

ومنذ ذلك الحين وهي في انحدار، إذ تعجز حتى عن إنتاج حصتها في منظمة أوبك كاملةً المقدرة بـ 4.2 مليون برميل يوميا، في حين لا يتجاوز إنتاجها في أحسن الأحوال 3 ملايين برميل يوميا.

وقد ثار نقاش مهم في ختام الجلسة الأولى من الندوة، ظهر فيه رأيان مختلفان بخصوص سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، على الرغم من توقيعها الاتفاق مع الدول الغربية. فقد رأى الدكتور سلامة أنّ إيران ستصنّع أسلحةً نوويةً في الأخير، وأنّ السعودية ستضطر لموازنة ذلك بشراء أسلحة نووية جاهزة من باكستان وكوريا الشمالية.

وفي المقابل، يؤكد الدكتور خدوري أنّ إيران قد حققت كل أهدافها من البرنامج النووي، وأنها لا تسعى لامتلاك السلاح النووي وأكدّت التزام برنامجها الاستخدامات السلمية، كما أنّ هنالك عاملًا آخر؛ هو صدور فتوى من الخميني في ثمانينيات القرن الماضي تحرّم امتلاك السلاح النووي لدى الشيعة، وقد أكدتها فتوى أخرى منذ أعوام قليلة.

غياب رؤية عربية للاتفاق

وتأسف خبراء شاركوا في الندوة لغياب مشروع عربي للنهوض بالواقع العربي يستجيب لتطلعات شعوبها لا يكون محض ردّةِ فعلٍ تجاه المشاريع الإقليمية التي تشكّل تهديدًا. وذهب الدكتور خالد الدخيل، الباحث في علم الاجتماع السياسي، في ورقته التي ألقاها نيابةً عنه سحيم آل ثاني، إلى أنّ الدول العربية لم تستطع حتى الآن أن تبني رؤيةً واضحةً من الاتفاق النووي الإيراني، سواء على المستوى الوطني، أو على مستوى جامعة الدول العربية، وأشار إلى وجود تفاوت كبير في تقييم الاتفاق بين الدول العربية.

وقدّم الباحث التركي بيرول باسكان رؤية تركيا للاتفاق النووي الإيراني، موضحًا أنها سعت لحل الملف النووي الإيراني سلميًا، بدءًا بتوسطها عام 2008؛ من أجل الوصول إلى اتفاق يسمح بحصول إيران على يورانيوم مخصب بنسبة 20٪ من البرازيل بكمية محدودة لتشغيل مفاعل الأبحاث في جامعة طهران، مقابل تخليها عن اليورانيوم الذي خصبته في ذلك الوقت بنسبة 5٪.

ويرى الباحث أنّ هذا الموقف التركي يعزّزه تخوّف الحزب الحاكم في تركيا من أنّ اندلاع نزاع مسلح بسبب الملف النووي الإيراني سيعيد الجيش التركي في عملية صناعة القرار الداخلي، بعد أن سعى الحزب أعوامًا عديدةً لاستبعاد الجيش من القرار.

وحلّل الدكتور محمود محارب، الباحث المشارك في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الموقف الإسرائيلي من الاتفاق النووي، مشيرًا إلى أنّ الضجة التي يثيرها بنيامين نتنياهو وحكومته ضد الاتفاق، بوصفه خطرا على وجود إسرائيل، لا تغطي وجود أصوات أخرى في إسرائيل ممثلةً بأكاديميين، ومثقفين، وضباط جيش متقاعدين، يفصحون عادةً عن موقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فهؤلاء كلهم يدعون إلى تفادي التهويل، أو التهوين، لتأثير هذا الاتفاق في إسرائيل.

وقد تواصلت أعمال الندوة طوال يومٍ كاملٍ؛ إذ عُقدت جلستان اثنتان في المساء خُصصت الأولى لموضوع «تداعيات الاتفاق تجاه أزمات المنطقة»، والثانية لـ «الاتفاق النووي وتداعياته في الداخل الإيراني».