الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 06:28 ص

"على المستوى الرسمي أجزم أنه لا موقف رسمي من مسؤول أو تصريح يشير إلى خطوات كويتية للتطبيع مع (إسرائيل)؛ فموقفنا ثابت منذ أن أعلنه الأمير الراحل جابر الأحمد بأن الكويت ستكون آخر دولة تطبع مع إسرائيل"..

"واھم من یعتقد بأن الصورة الجماعیة في مؤتمر وارسو (التي جمعت مسؤولين خليجيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير/شباط 2019) تعني تغییرا في موقف الكویت الراسخ والرافض للتطبیع"..

"اجتماع وارسو لم يشهد أي نوع من أنواع التلاقي مع الاحتلال، أو حديث عن مسألة التطبيع"..

3 تصريحات متتالية خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2019 أدلى بها نائب وزير الخارجية الكويتي "خالد الجار الله" للصحفيين وكان آخرها أمام جلسة للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الكويتي (21 فبراير/شباط 2019).

وقد تعطي هذه التصريحات صورة أوضح لتعبير استخدمه بعض معارضي مؤتمر وارسو، الذي جمع ممثلين لدول خليجية وعربية مع "نتنياهو"، حينما قالوا إن بعض الدول جاءت إلى هذا المؤتمر بـ"مذكرات جلب" من الإدارة الأمريكية، وهو التعبير الذي اختاره النائب بالبرلمان الأردني "نبيل غيشان"، في تعليقه على المشهد، لكن التعبير على قساوته، عكس جزءا من حقيقة المشهد.

الكويت تحديدا إحدى تلك الدول التي أفرز حضورها مؤتمر وارسو تساؤلات حول موقعها الدقيق من الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة، التي رسمتها أنامل أمريكية متعجلة بهوى إسرائيلي تحول إلى جنون ورغبة عارمة في كسب أقصى النقاط بأسرع وقت، قبل أن تتغير معطيات الزمان وترتيباته، تحديدا داخل البيت الأبيض، والذي يقبع فيه الآن أحد أكبر الفرص التي ستتيح لتل أبيب تموضعا غير مسبوق في المنطقة.

  • الرسمي والشعبي

وقياسا إلى المواقف (الشعبية) في كامل دول الخليج، والمعارضة بوضوح للتوجه نحو التطبيع مع (إسرائيل)، فإن الكويت تعد الوحيدة التي حرصت على نسج موقف (رسمي) واضح نسبيا للتماهي مع ذلك الرفض الشعبي وتأكيد "ثوابت" رفض التطبيع، عكس جيرانها الإقليميين، مثلا، والذين جاءت مواقفهم الرسمية غامضة في هذا السياق.

ولعل هذا ما دفع (إسرائيل) إلى محاولة إحراج الكويت الرسمية بشكل أكبر داخل منظومة تحركاتها الأخيرة، التي استهدفت كشف حقائق التطبيع مع دول الخليج، وتعرية مواقف تلك الحكومات مع دولة الاحتلال أمام الرأي العام بتلك الدول.

هذا التوجه تجلى في الاحتفاء الخاص لصفحة "إسرائيل في الخليج"، التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، بحضور نائب وزير الخارجية الكويتي "خالد الجار الله" مؤتمر وارسو، وكيف أنه يجلس على نفس الطاولة التي يجلس عليها "نتنياهو"، وذلك بعد أيام من حديث إعلام عبري عن زيارة سرية أجراها وفد كويتي إلى دولة الاحتلال.

لكن، هل يعد ما سبق تحليلا دقيقا فيما يتعلق بالموقف الكويتي؟ الأمر يحتاج بالفعل إلى البحث في التاريخ غير البعيد، والفرز في الأحداث السياسية القائمة في المنطقة.

  • الكويت و(إسرائيل)

عند الحديث عن التاريخ، نجد رفضا كويتيا واضحا لـ(إسرائيل)، حيث لا تعترف الدولة الخليجية بوجود الأخيرة، وتطلق عليها وصف "الكيان الصهيوني"، وبعد استقلال الكويت عام 1961 أعلن الشيخ "صباح سالم الصباح"، في مرسوم أميري، الحرب على العصابات الصهيونية في (إسرائيل)، وشاركت قوات كويتية أيضا في حرب الاستنزاف بمصر، وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وتكبدت عشرات القتلى.

وترفض الكويت دخول أي شخص يحمل جواز سفر تصدره (إسرائيل) أو سفر موثق (وثيقة سفر) إلى تل أبيب، وتقاطع، غالبا، المحافل الدولية التي تشهد حضورا إسرائيليا، مثلما حدث في مؤتمر أبوظبي للطاقة المتجددة في 2014.

ولا تبدي الكويت مرونة إزاء التعامل مع إسرائيليين، ولم تتردد شركة الخطوط الكويتية في اتخاذ قرار بتعليق رحلاتها بين نيويورك ومطار هيثرو في لندن لرفضها نقل ركاب إسرائيليين على متن طائراتها، وذلك بعد طلب وزارة النقل الأمريكية من الشركة الكويتية إنهاء ما وصفته بـ"التمييز" ضد الإسرائيليين على متن طائراتها؛ إثر رفض الشركة إصدار تذكرة سفر لإسرائيلي كان مسافرا من نيويورك إلى لندن، وفق القانون الكويتي الذي يحظر التعامل مع إسرائيليين، أفرادا أو شركات.

((2))

وفي 2017، أقدم رئيس مجلس الأمة، "مرزوق الغانم"، على المطالبة علنا بطرد الوفد الإسرائيلي في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي الذي انعقد في روسيا، مما أثار استياء واسعا في تل أبيب، تحركت على إثره الأخيرة لإفشال مساعي الكويت بأوروبا للحصول على إعفاء لمواطنيها من تأشيرة "شنغن".

وفي يونيو/حزيران 2019، أقر مجلس الأمة الكويتي بيانا بالإجماع، يدعو إلى مقاطعة ورشة البحرين، المخصصة لبحث الشطر الاقتصادي من خطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط، المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن". وعلق وزير الخارجية الكويتي، الشيخ "صباح الخالد"، على البيان الصادر، بالتأكيد على تمسك الحكومة بالثوابت في دعم القضية الفلسطينية، قائلا: "نقبل بما يقبل به إخوتنا الفلسطينيون".

وبناءً على ما سبق، لا يمكن قياس وجود تطبيع علني أو سري بين الكويت و(إسرائيل)، ورغم التقارير المنشورة وفي الوقت الذي تسربت فيه تقارير عبرية تشير إلى زيارات شخصيات خليجية رسمية وقيادية على المستويين السياسي والأمني بدول خليجية مثل الإمارات والسعودية إلى (إسرائيل)، فإن تقريرا وحيدا خرج عن هيئة البث الإسرائيلية "كان" وأشار إلى زيارة غير رسمية لوفد كويتي غير رسمي إلى دولة الاحتلال.

  • الكويت والقضية الفلسطينية

يمكن قياس تاريخية علاقة الكويت بفلسطين على تلك المعادلة: "تقارب شديد.. تباعد شديد.. تقارب منضبط"، وكان عنوان التقارب الحميمي الأول بين الكويت وفلسطين هو أن أكبر جالية فلسطينية بالخليج كانت في الكويت، وقبل حرب الخليج الثانية بلغ عدد الفلسطينيين 400 ألف من مجموع سكان الكويت البالغ عددهم مليوني نسمة، آنذاك.

لكن موقف السلطة الفلسطينية من حرب الخليج والتحرك العسكري الأمريكي ضد العراق أغضب الكويت؛ حيث اعتبر رئيسها، آنذاك، "ياسر عرفات"، أن ما يحدث للعراق عدوان تجاوز الحدود، بل وسافر بنفسه إلى بغداد للتضامن مع القيادة العراقية في فبراير/شباط 1991، وهو الأمر الذي دفع أكثر من 200 ألف فلسطيني بعد الحرب إلى الخروج من الكويت.

وفي 15 أبريل/نيسان 2013، أعاد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية "محمود عباس" افتتاح سفارة فلسطين بالكويت بعد إغلاق دام 22 عاما.

وتتبنى الكويت موقفا واضحا من القضية الفلسطينية، وهي متمسكة بالتوافق العربي حول وضع المطالبة بدولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وقادت حملة رافضة للقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، في العام الماضي.

((3))

وترفض الكويت رسميا تجريم المقاومة الفلسطينية، وكان أحد أبرز تحركاتها اللافتة في ذلك الإطار في مايو/أيار 2018، عندما عرقلت اقتراحا أمريكيا بإصدار إعلان عن مجلس الأمن يندد بإطلاق صواريخ من قطاع غزة على الأراضي المحتلة، وهو الموقف الذي أغضب الإدارة الأمريكية وتل أبيب.

واستغلت الكويت الحصول على عضوية مجلس الأمن في 2018، خلفا لمصر، لقيادة حراك مناصر للقضية الفلسطينية بشكل عام؛ حيث تقدمت بمشروع لحماية المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وذلك على خلفية قتل جيش الاحتلال عشرات الفلسطينيين خلال "مسيرات العودة" بالقطاع.

ولم تنجح الكويت في تمرير مشروع قرارها رغم موافقة دول دائمة العضوية بمجلس الأمن، بسبب إسقاطه من قبل الولايات المتحدة بعد استخدامها حق النقض (الفيتو).

وبرزت مواقف قوية ومؤيدة للقضية الفلسطينية من المندوب الكويتي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير "منصور العتيبي"؛ إذ نبه في يناير/كانون الثاني 2018 في كلمة دولة الكويت أمام جلسة لمجلس الامن الدولي حول الحالة في الشرق الأوسط، بما في ذلك القضية الفلسطينية، إلى استمرار (إسرائيل) في الخرق المادي للقرارات الدولية بما في ذلك القرار الدولي رقم 2334.

تغرد الكويت إذن خارج السرب بشأن التطبيع، وفقاً لما سبق، وهو افتراض نسبي في نهاية المطاف، لكنه يأخذ قوة قياسا بمواقف دول خليجية أخرى، أبرزها السعودية والإمارات والبحرين.

  • هل ستكون مضطرة؟

ورغم كل تلك المواقف، لا ينبغي إغفال فرضية الدافع والاضطرار، وبمعنى أوضح، هل هناك دوافع قد تضطر الكويت إلى التقارب مع (إسرائيل)، وصولا إلى إمكانية التطبيع؟.

الإجابة تقتضي البحث في أمرين مهمين، أولهما موقف الكويت من إيران، والثاني هو الأزمة الخليجية.

أولا: الكويت وإيران

لا تعادي الكويت إيران بشكل مبدئي، شأنها شأن دول خليجية أخرى، مثل سلطنة عمان والإمارات.

وبشكل عام، تحاول الكويت الالتزام باللون الخليجي الرافض للتحركات الإيرانية في المنطقة، لكنها ترفض التماهي تماما مع توجهات دول، مثل السعودية، في ممارسة القطيعة التامة مع إيران، بل والسعي مؤخرا للتأثير سلبا على استقرار نظامها، كما بدأت الرياض تفعل ذلك بوضوح مؤخرا، بالتعاون مع واشنطن وأبوظبي وتل أبيب.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، وافقت الكويت على اعتماد سفير جديد لإيران على أراضيها، بعد أن توترت العلاقات في 2016؛ إثر هجمات استهدفت السفارة السعودية في طهران ردا على إعدام الرياض القيادي الشيعي "نمر النمر".

لكن الحكومة الكويتية رفضت إرجاع سفيرها إلى طهران، "حتى تغير إيران من نهجها بخطوات ملموسة".

يتضح مما سبق، أن الكويت ليست مضطرة للهرولة إلى تل أبيب بسبب إيران، وهو المحدد الذي يشكل أسباب التوجه السعودي، مثلا، إلى التطبيع بوتيرة متسارعة.

ثانيا: الأزمة الخليجية

حرصت الكويت على النأي بنفسها عن الدخول في أتون أزمة حصار الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) على قطر، بل ومارست انضباطا دبلوماسيا تطور إلى محاولات للوساطة لقيت قبولا من محتلف أطراف الأزمة، وإن كان على مضض من أبوظبي والرياض والمنامة اللواتي تعاملن مع الوساطة الكويتية ببرود وشئ من الازدراء أحيانا.

المثير أن الوساطة الكويتية في الأزمة الخليجية، تحولت إلى نقطة قوة بالغة للكويت في نظر الإدارة الأمريكية، التي وجدت نفسها مضطرة للبحث حاليا عن محاولة لحل الأزمة، بعد فشل الرياض وأبوظبي في تنفيذ سيناريوهات إسقاط النظام القطري وإخضاعه، وجاءت الكويت كأفضل طرف يمكن الاعتماد عليه لوقف تلك الأزمة، التي باتت تهدد التحالف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي المزمع تشكيله ضد إيران.

من هنا، أضافت الكويت موقفا قويا لها لا يجعلها مضطرة إلى التقرب لـ (إسرائيل) لمحاولة الحفاظ على علاقة متينة بالإدارة الأمريكية؛ فمتانة العلاقة بين الكويت وواشنطن تأتي هنا بالأساس من تموضع الأولى خليجيا بشكل متوازن.

  • القلق من السعودية والإمارات

وحده القلق الكويتي من السعودية والإمارات ما قد يمثل سببا ذو حيثية لأي تحرك كويتي محتمل نحو تل أبيب؛ فالجارتان الخليجيتان باتتا تتعاملان مع المنطقة كإرث معنوي وساحة للنفوذ، وفي هذا الإطار لم تتردد السعودية في حصار قطر ومحاولة الإطاحة بالنظام في الدوحة عسكريا (لولا التدخل الأمريكي في آخر لحظة كما قال وزير خارجية الولايات المتحدة السابق "ريكس تيلرسون")، ولا تزال الإمارات تتحرش بسلطنة عمان، وبدأت أصوات داخل الرياض وأبوظبي في مناكفة الكويت أيضا.

من هنا يأتي الثقل الأمريكي وحده كعنصر حماية فعال ضد أية خطوة متهورة من تلك الدول ضد الكويت، وهي خطوة باتت غير مستبعدة، قياسا إلى السلوك السياسي المتهور لولي عهد السعودية "محمد بن سلمان" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد".

تحركات "المحمدين" هنا تستمد قوتها في الأساس من التقارب مع إدارة "ترامب"، وجزء معتبر من مفتاح تلك الإدارة بيد (إسرائيل) كما هو معروف، فهل يأتي هذا الدافع في النهاية قسرا بالكويت إلى حظيرة التطبيع؟.. هذا ما سيتضح خلال الفترة المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد