الأحد 17 مايو 2015 07:05 ص

كان هناك زيادة في التكهنات مؤخرا حول دور أنقرة في سوريا عموما، وفي الجزء الشمالي من هذا البلد الذي مزقته الحرب على وجه الخصوص. وكان العنصر المشترك في كل هذه التكهنات هو أن هناك اتفاقا بين المملكة العربية السعودية وتركيا ينص على أن البلدين تنسقان عن كثب لوضع كل من شمال سوريا تحت سيطرة مجموعات مختارة من المعارضة السورية. وتم إضافة عنصر آخر في وقت لاحق للإشارة إلى عملية توغل عسكري تركي وشيك في تلك المنطقة.

ولا تحتاج التكهنات حول التنسيق التركي - السعودية إلى بدء تكهنات أخرى تتعلق بها. ولا يكاد يكون سرا أن ثلاث دول، المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، توصلت إلى اتفاق تنسيق عام لتنظيم تحركاتهم في سوريا. التطورات الحديثة من جماعات المعارضة السورية في الشمال والجنوب هي نتيجة لهذه الصفقة إلى حد كبير.

ومع ذلك، فإن التكهنات المتعلقة بالغزو التركي للأراضي السورية تهمل العديد من القيود التي فرضتها أنقرة على نفسها أو الهدف المحدد التي تواجهه أنقرة في مقاربتها لهذا الاقتراح في الوقت الحالي. ويؤدي عدم النظر في هذه القيود، بدوره، إلى توقعات غير دقيقة بشأن أي خطوة كبرى تتخذها أنقرة فضلا عن إجراء تعديل طفيف في سياساتها لاستيعاب الموقف المتغير لدول الخليج العربية.

وتشمل القائمة الطويلة من القيود الحضور الفاعل لقوات «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي»، الذي يعارض القادة العسكريين الأتراك بشأن أي عملية على المدى الطويل في سوريا، وسياسة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» الحساسة فيما يخص موازنة علاقاته المشكلة حديثا مع المملكة العربية السعودية وعلاقاته مع إيران، لا سيما في ضوء الطفرة المتوقعة في مرحلة ما بعد العقوبات.

وكان لافتا أن رئيس الأركان التركية المشتركة «نجدت أوزيل» أخذ أسبوعين كإجازة مرضية، وتحديدا في اللحظة التي كانت التكهنات بشأن هجوم تركي وشيك على سوريا في ذروته. وفي ظل هذه التكهنات وربطها بصحة الجنرال، فإنه من الواضح أن تركيا لا تفكر جديا في الدخول إلى شمال سوريا. وفي مناسبات عديدة سابقة عندما وقعت حوادث استفزازية على الحدود السورية - التركية، لم يتحرك الجيش التركي. وبإمكان أي من هذه الأحداث توفير مبرر لمفهوم الغزو التركي لشمال سوريا في حال السعي للقيام به.

تركيا لديها الآن قوة صديقة، هي جيش الفتح في شمال سوريا، إضافة إلى الدعم السعودي القطري المشترك. ويبدو أن دور الميسر يتناسب مع الأتراك أكثر. وعلاوة على ذلك، فإنه من الصعب على أردوغان إقناع الجنرالات العسكرية التركية أن عملية الآن في شمال سوريا ستكون أكثر نجاحا في الوقت الراهن من السابق.

ولكن هناك زاوية أخرى يمكن من خلالها فهم حسابات أنقرة، وهي زاوية ما يجري داخل سوريا. ومن الأمثلة على ذلك الرسالة الإيرانية لأنقرة أن منطقة القلمون يجب تطهيرها من قوى المعارضة دون قتال. وألمحت طهران للأتراك أنه من أجل حفاظ أنقرة للحفاظ مصداقيتها وبقائها على شاشة الرادار الإيراني بشأن سوريا أو استمرار العلاقات الثنائية، فإنه يجب عليها أن تساعد في رسم نوع من الخط الفاصل بين المعارضة والنظام، وعليها أن تعمل من أجل توازن أكثر أو أقل استقرارا بين الجانبين. وتركيا غير متأكدة من أنه يمكن إقناع قوى المعارضة في القلمون بالانسحاب، وانتقلت لنقل رسالة بصورة أخرى. وطلبت من المعارضة الانسحاب من القلمون إلى الشمال الشرقي. وكان ذلك بمثابة المهمة شبه مستحيلة. المعارضة من جانبها لا تتحرك.

ومن الخطأ أن نفترض أن مقاتلي النصرة هم بمثابة جنود مشاة بالنسبة للأتراك. إلا إنه في الآونة الأخيرة رفضت الجبهة المطالب التركية بالانضمام إلى «جيش فتح حلب».  وقالت الجبهة إنها كانت مشغولة في مكان آخر. ويبدو أنه كانت هناك إشارة إلى الأتراك بأنهم ليسوا الوحيدين في الصورة.

أي توغل تركي في شمال سوريا من شأنه أن يؤدي إلى تعقيد للوضع بشكل بالغ. وعلاوة على ذلك، فإنه لن يحقق أي هدف استراتيجي بالنسبة للأتراك لا يمكنهم تحقيقه من دون التوغل. الأمر واضح بالنسبة لهم، كما أنه واضح لجميع الأطراف الأخرى، أنه في الوقت الذي يعيدون فيه دورهم الحاسم في دعم المعارضة، إلا أنهم لا يملكون السيطرة عليها. وهذا أقنع الأتراك بالتوجه إلى خطة أخرى. على سبيل المثال، عاد عدد كبير من جماعة الإخوان المسلمين السوريين من المنفي بالفعل إلى شمال سوريا، لا سيما في حلب وإدلب وريف حماة. ويتجنب الأعضاء المناطق التي يوجد فيها تنظيم «الدولة الإسلامية»، ولكنهم يحصلون على بعض المساعدة من جبهة النصرة الجبهة في مناطق أخرى. وتسمى جماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي بــ «الحزب التركي».

وتسعى تركيا إلى التحرك بحذر. ومع ذلك فهي تواجه معضلة حقيقية، فشمال سوريا في غاية الأهمية بالنسبة لأنقرة. لكنها لا تملك الاختيار بين طريقين متناقضين، أحدهما يؤدي إلى دول الخليج والعودة إلى شمال سوريا، حيث سيتم التعرف على مصالحها من قبل جميع اللاعبين العرب، والآخر يؤدي إلى طهران والعودة بعقود مربحة في عصر ما بعد العقوبات. وتحاول أنقرة، بيأس، إبطاء تحركاتها ولعب دور رئيسي أقل. ولكن نظرا لمشاركتها مع العديد من جماعات المعارضة في الشمال، ولا سيما جبهة النصرة، فإنه من الصعب تجنب الوقوع في أي ضجيج.

تحركات تركيا في سوريا تلتزم ضبط النفس. وهناك أسباب كثيرة لذلك. هناك شيء يجعلهم يقومون بدور الميسر، وآخر يجعلهم يقومون بدور اللاعب المباشر. ولعب الأتراك لفترة طويلة الدور رقم واحد. وللمشاركة بشكل مباشر، فإن عليهم قياس التكاليف والفوائد. ومن الواضح أن التكاليف تفوق الفوائد بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، فإنه في حالة دخولهم سوريا، فربما يفقدون حتى دورهم كميسر بالإضافة إلى لعبتهم الإقليمية الحذرة. في وقت لاحق، ربما يفقدون شمال سوريا أيضا.