لا يمكن لنار «عاصفة الحزم» وغبار «أملها العائد» منح غطاء سياسي أو حتى اخلاقي لأي من أطراف النزاع اليمني بصورته الحالية، و«أنصار الله» بصفتهم الكيان الأثقل على ميزان الحدث في صنعاء وما بعدها، يشكلون قلب معادلة القياس الداخلي المتخطية لكل تجاوزات الخارج. فالحوثيون منذ سيطرتهم على البلاد في 21 سبتمبر/أيلول 2014، أعلنوا جهارا وبصورة لا تقبل التأويل، أنهم أصحاب مشروع، وأن هذا المشروع ببعده الوطني وامتداده الاقليمي له ثمن ونتيجة وسياق ويحتمل كل الامكانات الكامنة لـ«الخطأ القاتل».

«التقدير الخاطئ» أو القرارات غير المدروسة، وربما الانفعالية، كلها تدخل في سياق صناعة الخيار والوجهة داخل غرف العمليات السياسية والعسكرية في كل مكان، لا سيّما في الحروب. لكن لمنطقة الضالع في الجنوب اليمني سياق تاريخي معروف يلتقي بحاضر لم يتخطه الادراك السياسي في البلاد، حتى ابان الاستقرار النسبي في العقد الماضي.

فالمنطقة كانت تشكل دوما بالمفهوم «الوطني» للجنوب اليمني «خزانا» استراتيجيا للمقاتلين، ومنها خرج آلاف الشبان في حرب العام 1994 بين عدن وصنعاء إلى جانب الزعيم الجنوبي علي سالم البيض، وهم الشبان ذاتهم الذين عاقبهم عبدربه منصور هادي بعد انتصار الجيش اليمني على «الانفصاليين» وسرح منهم نحو ثلاثين ألفا.

فمنذ اليوم الأول للهجوم المشترك الذي شنه الحوثيون بمساندة الجيش اليمني على منطقة الضالع، بدأت الجماعة «الشابة» ممارسة «المراهقة» العسكرية ومن بابها الواسع، خاصة في تظهيرها الإعلامي للمنطقة على أنها معقل لـ«القاعدة». علماً أن الواقع يثبت خلاف ذلك، وهو ما تعكسه مئات المقاطع المصورة القادمة من الضالع، والتي تظهر سطوة الاتجاه اليساري أو بالحد الأدنى الاتجاه «غير المؤدلج دينيا» لدى غالبية المقاتلين التابعين للحراك الجنوبي في تلك المنطقة، وهي سطوة تختلف عن باقي المحافظات الجنوبية، التي دخلت في مرحلة التحول الى بيئة حاضنة «للسلفية الجهادية» منذ اتساع نشاط جماعة «الإصلاح» هناك قبل عقدين من الزمن.

الضالع لم تحمل يوما أهمية استراتيجية لأي نزال يمني داخلي، إن في بعد المعابر، وما تشكله هذه المعارك من ركائز لاي تغيير اساسي في موازين المتقاتلين في الساحة الداخلية، أو في البعد السياسي صاحب الخلفيات الاقتصادية والحيوية المتعلقة بمصالح الدولة المركزية. فالمنطقة لا تملك خطا للوصل الحيوي يمكن ان يكون اساسا لامداد القوات المقاتلة في مدينة عدن مثلا. فالطريق الاستراتيجية هي تلك التي تشكل متحلقا جنوبيا غربيا للضالع عبر إب ـ تعز إلى عدن مرورا بمديرية المقاطرة، فيما يبتعد ايضا خط منطقة شقرة الساحلية عن الضالع والمنطلق من رداع الى البيضا وصولا الى الصرّة.

هذا الواقع الجغرافي جعل من الضالع عنصرا غير ذي أهمية من الناحيتين الإستراتيجية والتكتيكية ـ اللوجستية، فيما فرضت الخسائر البشرية الهائلة خاصة بين المدنيين في المعركة هناك عملية إعادة دراسة شاملة للخيار بخوضها من الأساس، والتي قد لا يحيد عن تفسيراتها، أن سعي الجيش اليمني و«أنصار الله» لإسقاط المنطقة منذ بداية التفجير الأول للصراع، قد لا يكون سوى تنفيذا مباشرا لرغبة الرئيس السابق علي عبدالله صالح بكسر المحافظة بما تمثله من صورة نمطية للمنطقة الخارجة على السلطة المركزية منذ سنوات، وصناعة القرارات على هذا المنوال كانت جزءاً اساسيا من «دليل الحكم» الذي اعتمده دائما «الراقص على رؤوس الثعابين».

فالضالع كانت أكثر نواحي الجنوب اليمني انشغالا في السنوات القليلة الماضية بممارسة ما يسميه «الحراك الجنوبي» «المقاومة السلمية» كعمليات رفع أعلام دولة الجنوب السابقة على المباني الحكومية والتظاهر واستهداف الجيش ببعض العمليات «غير السلمية». 

ومع الخسارة «المرحلية» للحوثيين والجيش اليمني في معركة الضالع أمام عناصر «الحراك الجنوبي»، وخروج قوات العميد عبد الله حزام ضبعان قائد اللواء «33» مدرع من اغلب مناطق المحافظة، عادت المنطقة لتشكل نقطة رفد اساسي بالعناصر البشرية لكل من يريد قتال الحوثيين والجيش اليمني، وبدأت عمليات الاستقطاب من الرياض وصولا الى عدن.

وقد انعكس التنافس على الضالع في تصريحات «رئيس هيئة الأركان العامة للجيش اليمني» اللواء محمد علي المقدشي، وهو شخصية عسكرية موالية للرئيس عبدربه منصور هادي، وقائد في جيش لم يثبت وجوده حتى الآن، لكنه ومن خلال آخر تصريحاته أظهر نية لتجنيد مئات المقاتلين السابقين من الجيش الجنوبي (جيش عدن 1994) والمتواجدين بالضالع في القوات التي تنوي الرياض مساعدة منصور هادي على انشائها.

فيما لا يزال عمل القيادات الميدانية الفعلية للمسلحين الجنوبيين في الضــــالع، خاصة العميد عيدروس الزبيدي وشلال علي شايع، منصبّا على اعــادة هيكلة هذه القوات بمعزل عن الاجندة السياسية لما يسميه الخارج القريب «الشرعية» ممثلة بالرئيس منصور وأعوانه. 

الخطوات الناقصة الحوثية لا تقتصر على الضالع فحسب، بل إن أبرزها يكمن في بوابة الشمال اليمني في مدينة تعز. فـ «انصار الله» ومعهم الجيش لم يتمكنوا حتى الآن من «اعادة الهدوء» الى هذه الجبهة، علما ان «انتصارا» حوثيا هناك قد يخفف من ثقل الصراع صاحب الهوية الطائفية الصاعدة بقوة، كما سيثبت بشكل مباشر أن هوية القتال المتشكل حاليا لا تتجاوز الإسقاط التاريخي طوال العقود الثلاثة الماضية، الناجم عن ما قبل الوحدة اليمنية العام 1990 وعن صراع العام 1994 الذي بدأ بإعلان علي سالم البيض في ايار ما سماه «فك الارتباط» عن نظام صنعاء.

فإصرار الجوار العربي ومعه وسائل الإعلام على إظهار تعز كمدينة دائمة وكاملة الثورة على الحوثيين، ما هو الا محاولة لتجميع صورة أعداء الحوثيين في سلة واحدة ذات هوية «شافعية»، فيما الواقع يختلف كثيرا عن التصدير السياسي المبسّط لكن الخطير هذا. فتعز بغالبيتها تدين بـ «الولاء التاريخي»، كما يسمى في اليمن، للرئيس السابق على عبدالله صالح، وفيها فشل «التجمع اليمني للإصلاح» طوال السنوات الماضية في فرض نفسه على تركيبتها الاجتماعية. فيما كان تحرك «الإصلاح» أكثر يسرا داخل العاصمة صنعاء بحد ذاتها. 

لا تقل الطبيعة الباردة لتعاطي الحوثيين مع حضرموت بما تنطوي عليه من خطورة، عن باقي «عثراتهم» في الساحة اليمنية خلال الفترة التي تلت انطلاق الضربات الجوية السعودية على اليمن تحت مسمى «عاصفة الحزم». حضرموت اليوم شكلت ومن خلال عاصمتها مدينة المكلا ضالة التوجه الإستراتيجي للجوار العربي داخل اليمن، من خلال تحولها الى «بنغازي» يمنية، إنما بعملية اختصرت كل مراحل التقلب الليبي وشكلت حاضنة لتنظيم «القاعدة» منذ البداية، حيث أصبح للتنظيم أرض خصبة للتوسع والانطلاق وللحصول على المؤن أيضا، مع سيطرتها على الميناءين البحري والجوي في المدينة. 

ساهم إهمال الحوثيين لجبهة حضرموت، وتركيزهم على أماكن صراع لا طائل منها كالضالع، بتقدم «القاعدة» من خلال جماعة «انصار الشريعة» داخل المكلا ومعهم أجندة اعتمدت على تجارب الماضي القريب، فقد شهد العام 2012 هجوما شنه الجيش اليمني ضد مسلحي «أنصار الشريعة» بعد سيطرتهم على مدينتي زنجبار وجعار، وانتهى الامر بهزيمة التنظيم الإرهابي وتراجعه الى شبوة.

فـ«القاعدة» اليوم سارعت الى تبني عملية «تجميل» لادارتها الامنية والسياسية في المكلا من خلال تكليف الشيخ السلفي عمر بن الشكل الجعيدي رئاسة ما سمي المجلس الأهلي للمكلا، وهو بمثابة مجلس حكم محلي، ثم اعلن التنظيم عن خروجه من المدينة، وهو أمر لم يثبت على الإطلاق.

وهذا النموذج من التمويه بغرض استجلاب القبول الخارجي، يعد من أكبر النكسات ومقدمات الخراب القادم على اليمن، بما يحمل من امكانات تمدد باتت هائلة لاحد أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم. وكل هذا جرى تحت أعين الحوثيين أصحاب النظرية غير المعقدة والقائلة أن لا أهمية لحضرموت. لكن الصحراء الحضرمية هذه ومع مـــرور الايام قد تضاهي عدن وشبوة، من ناحية قدرتها على ايواء «بديل سياسي في الجنوب»، أو حتى مركز قيادة لما تسميه عاصفة الحزم «السلطة الشرعية».