الثلاثاء 25 يونيو 2019 08:06 ص

ضاق حيّز المفاجآت في السباق على زعامة حزب «المحافظين» في بريطانيا، في انتظار تصويت القاعدة الحزبية بعدما حسم نواب الحزب خيارهم بين مرشحَين بات مؤكّداً أن بوريس جونسون هو رئيس الوزراء المقبل.

ومنذ مغادرته حكومة «تيريزا ماي» قبل عام ونيّف صار «جونسون» المرشح الأبرز لخلافتها، وكانت ماي اختيرت للمنصب غداة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي (يونيو 2016) بديلاً عن «جونسون» نفسه الذي فضّل آنذاك الابتعاد عن الواجهة لأسباب عدة.

فمع أن الاستفتاء كان انتصاراً شخصياً له وتتويجاً للحملة التي خاضها بحيوية، فإن نتيجته المفاجئة أحدثت صدمة قاسية وانقساماً عمودياً في المجتمع، وقد زاد من حدّتهما انهيار الجنيه الإسترليني في اليوم التالي وخسارة عشرات المليارات في غضون ساعات.

ثم أن جونسون ورفاقه استخدموا لدعم حملتهم أرقاماً مضخّمة، سواء للخسائر التي تتكبّدها بريطانيا جرّاء عضويتها في الاتحاد، أو الأرباح المتوقّعة من انفصالها عنه. وقد تسبّب هذا التلفيق بجدل طويل وانتقادات في الإعلام، وكاد يتحوّل أخيراً إلى مساءلة قضائية بدعوى تضليل الرأي العام.

لم يكن متوقعاً أن يشكّل أيّ من منافسي «جونسون» عقبة أمامه؛ لأنهم جاؤوا في غالبيتهم من حكومة ماي التي يتهمها «المحافظون» بأنها أضعفت الحزب في أكثر من موقعة، بدءاً بالانتخابات المبكرة التي دعت إليها في يونيو 2017 سعياً إلى غالبية مؤيّدة لها..

وأخيراً في انتخابات البرلمان الأوروبي التي حلّ فيها الحزب خامساً وخسر معظم ناخبيه لمصلحة أقصى اليمين (حزب بريكست)، بالإضافة طبعاً إلى الهزائم التاريخية غير المسبوقة التي تعرّضت لها في البرلمان وعدم قدرتها على تمرير الاتفاق الذي توصّلت إليه مع الاتحاد الأوروبي.

ففي كل هذه المحطات عملت المجموعة الحزبية التي كان جونسون قطبها الأهم على محاصرة «ماي» وتحدّي سلطتها، إلى أن هدّدتها بالإقالة إن لم تعلن موعداً لاستقالتها، وهو ما رضخت له أخيراً. وهكذا أطاحت «بريكست» برئيسي وزراء، ديفيد كاميرون وماي، وتتوقّع تحليلات مبكّرة أن يلقى «جونسون» المصير ذاته، لكنها تبقى في إطار التكهّنات.

بمعزل عن مريديه وخصومه يمثّل جونسون عنواناً لتغييرات ستطرأ على السياسة البريطانية داخلياً وخارجياً، فمعه لن يعود خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي موضع تشكيك، ومعه أيضاً سيعود الترابط الأميركي - البريطاني مدعوماً بكيمياء واضحة بينه وبين الرئيس دونالد ترامب الذي خرق بروتوكولات السياسة ولم يخفِ تأييده له.

ولعل الاستحقاقين الأولَين اللذين يريد المحافظون اهتماماً فائقاً بهما هما: حسم ملف «بريكست» في أقرب الآجال، وإعادة الوحدة والتماسك إلى صفوف الحزب.

لكن الخروج من الاتحاد الأوروبي بات محكوماً مبدئياً بالاتفاق الذي اعتمدته «ماي» بعد مفاوضات شاقة ويعتبره الاتحاد أفضل ما يمكن أن يقدّمه ولا يعتزم إعادة التفاوض عليه، كما كرّر أخيراً.

لذلك وضع «جونسون» في أولوياته احتمال الخروج من دون اتفاق، وهذا خيار يؤدي وفقاً لكل التقديرات إلى اضطراب تجاري واقتصادي لبريطانيا وأوروبا معاً، ودأب بنك إنكلترا المركزي على التحذير من مخاطر هذا الخيار على النمو.

وبطبيعة الحال فإنه لن يمرّ بسهولة، بل سيطلق حرباً سياسة ضروساً مع حزب العمال وسائر خصوم المحافظين.

أما إعادة الوحدة والتماسك إلى الحزب فقد لعبت دوراً أساسياً في تعزيز حظوظ جونسون، إذ مسّت الحاجة إلى زعيم قوي يستطيع مناهضة أقصى اليمين الشعبوي بشخصيته وخطابه القريبين من أوساط هذا اليمين الذي يُعرف زعيمه نايجل فاراج بأنه صاحب حظوة عند ترامب.

ومن التوقعات المتداولة أن جونسون قد يقيم نوعاً من التحالف مع أقصى اليمين إما لإقامة صلة مع الترامبية المستشرية في أوروبا، أو بالأخص إذا اضطر للذهاب إلى انتخابات مبكرة.

يتميّز جونسون بثقافة تاريخية وسياسية عميقة، وهو ينطلق في معظم خطابه من فكرة إعادة بريطانيا إلى عظمتها، وقد طبّقها بإصرار شديد في دفاعه عن ضرورة استعادتها من «حكم بروكسيل»، مقر الاتحاد الأوروبي.

ولا شك أنه يلتقي فيها مع شعار ترامب وسعيه إلى إعادة أميركا «عظيمة مجدداً». وشاءت الصدف أن يكون ترامب حلّ في بريطانيا يوم الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي، قبل شهور من انتخابه رئيساً!

ثم كانت زيارته الرسمية لبريطانيا يوم بدأت مداولات حزب «المحافظين» لاختيار زعيمه الجديد. وتحتاج بريطانيا بعد «بريكست» إلى علاقة قوية مع الولايات المتحدة، كما أن أميركا ترامب تحتاج إلى حليف أوروبي قوي تفتقده حالياً.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية