الثلاثاء 9 يوليو 2019 06:03 م

في الساعة الثانية من صباح أحد أيام السبت كان الشقيقان السوريان "مصطفى" و"أحمد" يحدقان من منزلهما في شاشة تعرض بثا مباشرا من كاميرات مراقبة تظهر رجالا يدمرون متجرهما للملابس الجاهزة.

شاهد الاثنان مجموعة من الرجال الأتراك يهشمون زجاج واجهة المتجر ويمزقون أوراق الدعاية واللافتات المكتوبة باللغة العربية ويضرمون فيها النار. وحدق بعض الرجال في الكاميرا قبل أن يهشموها فاسودت الشاشة أمام أعينهما.

اتصل "مصطفى" (22 عاما) و"أحمد" (21 عاما) وهما في حالة ثورة برجل تركي يملك متجر البقالة المجاور لمتجرهما لإبلاغه بأنهما في طريقهما للمتجر لمنع الحريق من التهام كل ما فيه. وقال "أحمد": "قال لنا ما تجوا (لا تأتوا) بدهم يقتلوكم".

واستهدف متجرهما وغيره من ممتلكات السوريين في حي كوتشوك شكمجي في غرب إسطنبول ليلة 29 يونيو/حزيران في واحدة من نوبات العنف التي يقول السوريون إنها تندلع ضدهم من حين لآخر في أكبر مدينة تركية.

ومثل هذه الأحداث واسعة النطاق نادرة الحدوث باستثناء هجوم واحد آخر كبير وقع هذا العام في غرب إسطنبول كذلك في فبراير/شباط. لكن السوريين يتداولون وقائع صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويخشى البعض من تصاعد التوترات.

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه لتفريق المهاجمين في كوتشوك شكمجي، لكنهم كانوا قد دمروا بالفعل الكثير من المتاجر السورية في الحي ومزقوا اللافتات المكتوبة بالعربية.

والمنطقة تضم واحدا من تجمعات السوريين الكبيرة في المدينة واللافتات العربية شائعة وسط الزبائن السوريين في الحي.

انتظر "مصطفى" و"أحمد" حتى انفض الناس ثم عادا للمتجر "فما قدرنا نجي للساعة 5 (أو) 6 الصبح، فضينا البضاعة نصفها، وشي يومين 3 لحتى ظبطنا الوضع".

  • اخرجوا أيها السوريون

تستضيف تركيا أكثر من 3.6 ملايين سوري وهو أكبر عدد من النازحين السوريين بسبب الحرب المستمرة منذ 8 سنوات وتضم محافظة إسطنبول وحدها أكثر من نصف مليون سوري وفقا لوزارة الداخلية التركية.

وأشعل التباطؤ الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة في تركيا الغضب تجاه السوريين الذين ينظر الأتراك للكثيرين منهم باعتبارهم عمالة رخيصة تستولي على الوظائف وتستفيد من الخدمات العامة.

ودفع ذلك حكومة الرئيس "رجب طيب أردوغان"، التي فتحت حدودها أمام السوريين عندما اشتعلت الحرب في 2011، للتركيز بشكل متزايد على إلقاء الضوء على أعداد السوريين الذين تقول إنهم عادوا إلى مناطق في شمال سوريا تسيطر عليها حاليا قوات تركية ومعارضون سوريون متحالفون معها.

وذكرت وكالة الأناضول، الأسبوع الماضي، أن نحو 80 ألف سوري عادوا في النصف الأول من 2019. ولا يمثل هذا العدد سوى نسبة ضئيلة من أعداد اللاجئين السوريين في تركيا الذين يأمل الكثيرون منهم في بدء حياة جديدة هناك.

وانتقد الخصوم السياسيون "أردوغان" لسماحه بدخول هذا العدد الكبير من اللاجئين وحتى "أكرم إمام أوغلو" رئيس بلدية إسطنبول الجديد المعارض، الذي خاض الانتخابات المحلية داعيا لدمجهم في المجتمع، قال إن الأتراك يعانون من تدفق السوريين على البلاد.

وقال "إمام أوغلو" لـ"رويترز" الشهر الماضي: "سنبذل الجهد لإيجاد أسس لعودة المهاجرين السوريين إلى ديارهم".

وأضاف: "وإلا ستكون لدينا بعض المخاوف الأمنية التي ستزعجنا جميعا وستقع اشتباكات في الشوارع".

وليلة فوز "إمام أوغلو" في الانتخابات انتشر وسم على مواقع التواصل الاجتماعي باسم "اخرجوا أيها السوريون".

  • لافتات وأبواب وكاميرات مهشمة

يوم 30 يونيو/حزيران، على مسافة بضعة شوارع من متجر "مصطفى" و"أحمد" سمع سوريان يعمل أحدهما في متجر للذهب والآخر في متجر للأجهزة الإلكترونية بأن مجموعة من الناس تهاجم متاجر السوريين.

وقال أحد العاملين في متجر الإلكترونيات طلب عدم نشر اسمه لـ"رويترز" بعد بضعة أيام من الواقعة: "نحنا ضبضبنا (جمعنا أغراضنا) بسرعة ومشينا".

ولوح بيده باتجاه واجهة المتجر الزجاجية الخاوية وقال بالعربية بلهجة حلبية: "بكون عارض هون (هنا) الموبايلات. بس لحد الآن هيك متخوفين شوي، ما عم نعرض البضاعة لأن الوضع ما مستقر".

وحطم المهاجمون واجهة متجر الذهب على الرغم من إغلاق الأبواب المعدنية. كما حطموا لافتات وكاميرات وإضاءة متجر الإلكترونيات.

وبعد عدة أيام ظلت اللافتات محطمة. ويعتزم أصحاب المتاجر وضع لافتات جديدة باللغة التركية لحماية أنفسهم ولأن رئيس بلدية إسطنبول أعلن الأسبوع الماضي أن المتاجر يجب أن تضمن أن تكون نسبة 75% على الأقل من اللافتات بالتركية وليست بالعربية.

وبعد هجوم كوتشوك شكمجي قالت إدارة شرطة إسطنبول إنها ألقت القبض على 5 مشتبه بهم على صلة بحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي استخدمت وسم "ارحلوا أيها السوريون" ووسم "لا أريد سوريين في بلدي".

وقالت الشرطة كذلك إن تحقيقا أظهر أن مجموعة على تطبيق للرسائل تضم 58 عضوا هي المسؤولة عن التحريض على الاشتباكات في كوتشوك شكمجي، واعتقلت الشرطة 11 منهم والتحقيق مستمر. وأبدى السوريون ارتياحا تجاه أداء الشرطة.

وقال أغلب أصحاب المتاجر من السوريين إنهم يأملون ألا تسوء الأمور وأن تهدأ التوترات بعد تغيير لافتاتهم إلى اللغة التركية. وقال البعض إن الاشتباكات موجات من الغضب تندلع بين الحين والآخر لا تمثل ما يشعر به أغلب الأتراك تجاه السوريين.

المصدر | رويترز