الاثنين 15 يونيو 2015 10:06 م

كشف تقرير «غابرييلا نول» المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين بشأن الإمارات، المستور عن الوجه الحقيقي للدولة، ومنهجية انتهاكها لحقوق الإنسان عبر كفتي العدالة المثلتين في: القضاء والمحامين، وضربها لكافة القوانين والمواثيق الدولية الملزمة للدول الأعضاء لتحقيق القدر الكافي لاستقلال القضاء ونزاهته والشفافية والكفاءة في إقامته بين أبنائها والمقيمين على أرضها، والإشارة إلى أن دستور الإمارات لا يكفل صراحة مبدأ الفصل بين السلطات.

وكان ينبغي للدستور رسم حدود واضحة بين اختصاصات مختلف فروع السلطتين القضائية والتنفيذية بحيث لا تتمكن فيه السلطة التنفيذية من السيطرة على السلطة القضائية أو توجيهها، ومطالبتها السلطات بفتح بلاغات ضد الذين ارتكبوا التعذيب بحق موقوفين، وإعادة المحاكمات أو الإفراج الفوري عن المحكوم عليهم في محاكمات وصفتها منظمات حقوقية عديدة بالهزلية.

إلا ان التقرير غفل عن صور خطيرة من انتهاكات حقوق الإنسان تقع مع طلعة نهار ودلوج ليل كل يوم، حيث لم يسلم مسودة التقرير من إدانة حكومة الإمارات على لسان مساعد وزير الخارجية للشؤون القانونية «عبدالرحيم يوسف العوضي» بنهاية زيارة لها للدولة استغرقت 9 أيام، بهدف جمع المعلومات بشأن تقارير واتهامات لسير بعض المحاكمات في الإمارات، خاصة بعد محاكمة عدد من أعضاء الإخوان المسلمين من أبناء الدولة، وما يسميه الإعلام بـ«الخلية الإخوانية المصرية الإماراتية»، وإن لم تشر مباشرة لهذه المحاكمات.

وخلص بيان خارجية الإمارات إلى القول أنه «بالرغم من ذلك سوف نستمر في تواصلنا البناء والهادف مع المقررة الخاصة لمساعدتها في أداء المهام المكلفة بها»، واعدا بدراسة التقرير الأولى الذي أرسلته نول للسلطات الإماراتية، عقب توجيهها انتقادات حادة للنظام القضائي في دولة الإمارات ووصفها له في المؤتمر الصحفي بأبوظبي بأنه «يخضع لسيطرة فعلية من قبل السلطة التنفيذية»، مشيرة في حينها إلى قلقها من «تقارير تتحدث عن خضوع الادعاء العام لأجهزة أمن الدولة»

هذا ولم تكتف الإمارات ببيان الخارجية في توجيه سهام النقض إلى المسؤولة الأممية أعطت السلطات الضوء لعدد من رموزها لسياسية والإعلامية لتنال من مصداقية ما جاء على لسان المقررة الأممية، فقد تحدث «محمد المر» رئيس المجلس الوطني الاتحادي، و«أنور قرقاش» وزير الشؤون الخارجية، والمستشار السياسي لولي عهد أبوظبي الدكتور «عبدالخالق عبدالله»، وغيرهم، فنعتوا تقرير المقررة الأممية بعبارات متكررة مثل: «الافتقار إلى الدقة.. مزاعم.. دوافع سياسية.. مصادر مجهولة.. تقويض المصداقية ..الكثير من المغالطات». علاوة على اتهام الإخوان المسلمين والفارين من دعاة الإصلاح بأن لهم «أياد وراء تقارير أممية وماسبقها من تقارير صدرت من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أدانت أيضا الإمارات بغرض تشويه سمعة الإمارات»، على حد قولهم.

وحتى صدور تقرير المبعوثة الأممية لاستقلال القضاء والمحامين مطلع شهر يونيو/حزيران الجاري، تمهيدا لإعلان ما تضمنه في مؤتمر صحفي يوم غد الأربعاء بجنيف، لم يصدر بيان رسمي من الإمارات على التقرير والتزمت الصمت المثير للجدل في مختلف الأوساط الحقوقية الخليجية والعربية والدولية.

 

ومن بين الصور التي غفل عنها تقرير المقررة الأممية، رغم ما يحمله من إدانة صريحة للدولة في مجال القضاء والمحامين، حددتها المحاور العشر للتقرير، عدم الإشارة بوضوح إلى الملاحظات التالية مما يستوجب تدارك التقرير لها بحسب قضاة ونشطاء على اطلاع بالحالة الحقوقية.

أولا : منع زوجات المعتقلين «المحكومين» من السفر إلى خارج الدولة.

ثانيا : منع تجديد خلاصة القيد وجواز السفر لابناء المعتقلين «المحكومين».

ثالثا : مصادرة أموال المعتقلين «المحكومين» وعدم السماح لذويهم بالتصرف فيها لإدارة شؤونهم الحياتية.

رابعا : إغلاق الشركات الخاصة والرخص التجارية للمعتقلين «المحكومين» وخاصة مراكز التدريب وحملات الحج والعمرة والمدارس الخاصة وشركات السياحة وغيرها.

خامسا : وقف مهايا ومعاشات المعتقلين «المحكومين» دون مراعاة لمسؤولية البلد تجاه أهله وابنائه.

سادسا : سحب الجنسيات من المواطنين بتهم سياسية دون إتاحة الحق للمتهمين من مقاضاة الدولة في تعسفها ضدهم.

سابعا : ارتكاب الدولة جريمة في العلاقات الدولية والقانون الدولي بإلزام المسحوب عنهم الجنسية بالحصول على جنسية جمهورية جزر القمر وفقا لاتفاقية بين البلدين غير معلنة تقضي بدفع الإمارات خمسون ألف درهم (أي مايعادل 13.700 دولار ) عن كل فرد يقبل الضغط عليه للحصول عليها.

ثامنا : تدخل وزارة شؤون الرئاسة في أحكام القضاء مسبقا أو لاحقا بحيث لا يتم الإفراج عن المحكومين إلا بالرجوع إلى لجنة رباعية تضم قضاة ومواطنين ومصريين، يتولون تقديم الرشى للقضاة في القضايا المتعلقة بأمن الدولة أو تلك المتعلقة بمتنفذين في الأسر الحاكمة أو السلطة التنفيذية.

تاسعا : إمضاء المئات من المساجين في سجون ملحقة ومكدسة لا تشرف عليها وزارة العدل بعد قضاء مدة محكوميتهم وهو ما يعرف «بملحق الورشة» بسجن الوثبة بأبوظبي خلف منصة الإعدام، البعيدة عن ممرات زيارة الوفود الخارجية.

عاشرا : عدم تمكين السلطات لها بزيارة السجون العمومية بوجه عام والسرية على وجه الخصوص، في كل من: العين، والسويحان، ومشرف. فضلا عن رفضهم البتة لزيارتها سجن الرزين ـ سيئ السمعة ـ الذي يشرف عليها جهاز أمن الدولة وله من القوانين المنظمة ما تخالف حقوق الإنسان.

إحدى عشر : عدم تمكين السلطات للمقررة من زيارة السجون العمومية والادعاء كذبا عبر جمعية الإمارات لحقوق الإنسان بقيامها بجولة تفقدية لها، فضلا عن عدم زيارتها لسجون الإمارات الشمالية للإطلاع على الحالة اللانسانية التي يعيشها الموقوفون على ذمة قضايا لم تحول للنيابة وتستغرق شهورا لينتظر عرضه على النيابة التي قد تفرج عنه بعد عرضه عليها ويكون بذلك قد مضى عليه شهورا في سجون غير لائقة.

إثنى عشر : استخدام التهجير القسري وسيف الإبعاد عن الدولة بدون وجه حق لأي متهم حتى ولو نال صك البراءة.

ثالث عشر : الاختفاء القسري للمعتقلين والمعتقلات لفترات طويلة تستغرق شهورا دون مرجعية أو إخبارية لذوي الموقوفين، فإذا كان التهجير القسرى جريمة فالاختفاء القسرى جريمة مضاعفة، على الأقل فإن المهاجر يظل فى محيط أسرته وتحت رعاية الدولة أو المجتمع المحيط الذى يؤمنه، فضلا عن أنه يعلم أن هجرته لأجل محدود، أما فى حالة الاختفاء القسرى فحياة المختطف تظل فى خطر ومصيره مجهول ومعنوياته تصبح فى الحضيض، ناهيك عن تدمير أسرته ومستقبله، ومن ثم فهو أحوج إلى التضامن الذى يحفظ له الحد الأدنى من الإنسانية الذى يمكن أهله من التعرف على مجرد وجوده على قيد الحياة.

رابع عشر : ممارسة أبشع أنواع الانتهاكات بحق المسجونين تحت ذريعة حماية الأمن القومي، ويمكن الرجوع لتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، ففيها ما يغني عن التشكيك في مدى صحتها.

خامس عشر : الهيمنة الأمنية على أعمال وقرارات لجنة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل وتواطؤ وزارة الداخلية ومنظمات المجتمع المدني المحلي مع ما يمليه عليهم جهاز الأمن.

سادس عشر : تسخير المساجين «المحكومين» للعمل في السجون في مجال النظافة والتشوين وتقديم الطعام وغسل الصحون والأواني مقابل السماح لهم بالاتصال الهاتفي بذويهم.

سابع عشر : عدم زيارة أسر المعتقلين «المحكومين» والاستماع المباشر منهم على انفراد دون مراقبة ومتابعة من السلطات التنفيذية.

ثامن عشر : تفريغ السلطات المختصة بالسجون العمومية مكتبات السجن من كافة القوانين واللوائح الاتحادية والمحلية حتى لا يتعرف المعتقلين على نصوص ومضامين القوانين ذات العلاقة بشؤونهم.

تاسع عشر : تنصت السلطات المختصة على مكالمات المساجين بذويهم من الهواتف الثابتة، وعدم السماح للمساجين بالاتصال الهاتفي بالمحامي فضلا عن تشديد العقبات التي تعترض المحامي من الالتقاء بموكله.

عشرون : غياب وحدة «القلم» لمتابعة شكاوى المساجين بحق السلطات التنفيذية، وغياب مدونة «السوك» التي يتعرف فيها السجين على حقوقه وواجباته تجاه السلطات وتجاه النزلاء.

جدير بالذكر أن المحكمة الاتحادية العليا بأبوظبي، حكمت في يوليو/تموز من عام 2013، على 69 ناشطا حقوقيا وإصلاحيا بالسجن لمدد تتراوح ما بين 7 و 15 سنة بتهمة ارتباطهم تنظيميا بجماعة الإخوان المسلمين، وتشكيل ما أسماه الإعلام الأمني بـ«تنظيم سري لقلب نظام الحكم» بحسب ادعاء الأجهزة الأمنية، علما بأن كافة تحقيقات النيابة وجلسات المحاكمة غير المعلنة لم تتضمن هذه التهمة.

كما قامت السلطات لإيهام الرأي العام بأن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين يستهدف الإمارات، قامت باختلاق تنظيم جديد أطلق عليه «الإعلام الأمني» اسم «الخلية الإخوانية المصرية الإماراتية»، لتضم فيها 20 مصريا من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والإعلاميين، و10 من المواطنين المحكوم عليهم فيما يعرف بـ «التنظيم السري». لينالوا أحكاما قاسية أخرى إضافية تعزز من حالة التأزم بين دعاة الإصلاح والسلطات الأمنية، في ظل غياب الشفافية والنزاهة لاسيما التي خلصت إليه المقررة وسجلت بشأنه 43 وصية في تقرير حالة استقلال القضاء والمحامين إذا ما أرادت الإمارات تصحيح أوضاعها في مجال حقوق الإنسان.