الثلاثاء 9 يونيو 2015 10:06 م

من أبرز ما يميز «وثيقة» تقرير المقررة الأممية الخاصة باستقلال القضاة والمحامين «غابرييلا نول» صدوره عن مؤسسة حقوقية دولية تضم الإمارات في عضويتها، وبالتالي يدحض كل عبارات التشكيك وعدم الموضوعية التي صرح بها مسؤولين عقب زيارة المقررة التي استغرقت أكثر من أسبوع في فبراير/شباط 2014 ردا على ماجاء على لسان المقررة في مؤتمرها الصحفي بنهاية جولتها .

بعدما استعرضنا في الحلقة الأولى أوجه القصور في تحقيق العدالة وإعمال حقوق الإنسان عبر سرد دقيق لما جاء من خروقات قانونية حول عدم الوضوح القانوني واستقلال القضاء ونزاهته وتداعيات تعيين قضاة من غير المواطنين الإماراتيين وسلبيات حول مفهوم المساءلة والتدابير التأديبية وانتهاء بدلالات تعبر عن غياب المحاكمة العادلة وغياب مراعاة الأصول القانونية وإقامة العدل .

ستتناول الحلقة الثانية من وثيقة التقرير الكاشف لحالة القضاء والمحامين وانعكاسته على تردي حالة حقوق الإنسان في الإمارات صورا أكثر فجاجة في انتهاكات مضروب حولها حواجز خرسانية، نجحت جولة «غابرييلا» في الكشف عن الكثير منها خلال تقريرها الذي أثار جدلا واسعا.

سادسا : الوصول إلى العدالة والمساعدة القضائية

كشف تقرير المقررة الخاصة باستقلال القضاء والمحامين عن عميق شعورها بالقلق إزاء قدرة الأشخاص الضعفاء من السكان، مثل العمال المهاجرين والعاملين في المنازل والأشخاص عديمي الجنسية «البدون» على الوصول إلى العدالة.

فهم، بحسب ما جاء في التقرير، يواجهون عقبات شديدة في الوصول إلى نظام العدالة من بينها انعدام الهوية القانونية في حالة البدون وعدم توفر معلومات عن النظام القانوني والإجراءات القضائية بلغة يفهمها الفرد ، وانعدام الثقة في نظام العدالة .

وأشرت المقررة إلى الصعوبات التي يواججها الأشخاص الضعفاء في أحيان كثيرة في التماس سبل الانتصاف من الانتهاكات التي يعانون منها ، ما يشكل خرقا لمبدأ المساواة أمام المحاكم.

وتسوق المقررة مثالا ثانيا في هذا المحور بأنه وعلى المستوى الاتحادي لا تتاح المساعدة القضائية المؤسسية إلا للمدعي عليهم الذين لا يطيقون التكاليف المالية المترتبة على توكيل محام في نظام العدالة الجنائية.

سابعا : المرأة في نظام العدالة

يؤكد تقرير المقررة الخاصة لاستقلال القضاء بأن المادتين 18 و 58 من القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 1983 يمثلان عوارا قانونيا لحظرهما على المرأة أن تصبح قاضية اتحادية أو عضوا في النيابة العامة الاتحادية بما يعد انتهاكا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي انضمت لها الإمارات عام ،2004 وهما بالتالي غير مقبولتين رغم ما يتحيه نظام القضاء في أبوظبي ودبي من مبادرات محلية لتمكين المراة .

وتخلص المقررة إلى أن النساء في الإمارات لا يزلن يواجهن تمييزا جنسيا مؤسسيا في جوانب عديدة منها على سبيل المثال:

عند تقديم الشكاوى إلى الشرطة أو المثول أمام المحاكم فالقضاة وأعضاء النيابة وحتى المحامون يبدون التحيز ضدها عبر المواقف الاستفزازية والممارسات التميزية التي يعاني منها المجتمع .

وتضيف المقررة مثالا ثانيا يتمثل في أن غالبية حالات الاعتداء الجنسي والعنف المنزلي لا تصل إلى المحاكم ، إذ يمارس ضغط اجتماعي هائل على النساء لكي لا يبلغن الشرطة أو المحاكم بهذه الاعتداءات ، لافتة إلى قضية تناقلتها وسائل الإعلام المحلي عندما لجأت امرأة تحمل جنسية أجنبية إلى الشرطة تشتكي تعرضها للاغتصاب، انتهى بها المطاف إلى أن تحاكم وتدان على أساس أنها مارست الجنس غير المشروع.

ووصف التقرير حالة العاملات المهاجرات بمن فيهن العاملات بالمنازل بأنه هش للغاية، خاصة إذا تعلق الأمر بالاحتكام إلى القضاء والانتصاف في حالات تعرضهن للإيذاء .

ثامنا : النيابة العامة

يساور المقررة الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين القلق بشأن تقارير تلقتها تفيد بأن أعضاء من السلطة التنفيذية وجهاز أمن الدولة يؤثرون في أحيان كثيرة في أعضاء النيابة العامة .. ومبعث القلق كما جاء في التقرير يرجع إلى هيكلية الرقابة على النيابة التي تتبع وزير العدل ويراسها النائب العام، ولوزير العدل الحق في ترشيح الأسماء ليوافق عليهم مجلس الوزراء قبل تعيينهم رسميا بمرسوم اتحادي صادر عن رئيس الدولة، مما يعد تهديدا واضحا لاستقلالية أعضاء النيابة العامة.

ومن هذا المنطلق ينبغي للنيابة العامة أن تكون مستقلة وينبغي لأعضائها أداء مهامهم باستقلالية وموضوعية ونزاهة بما فيه الأخذ بالمبدأ الأساسي القائل بافتراض البراءة لمن يمثلون أمام النيابة.

ويعرض تقرير المقررة الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين صورا فاضحة لمبعث القلق عن حالة النيابة العامة في الإمارات:

فهناك تقارير تفيد بتلاعب أفراد الشرطة أو الأجهزة الأمنية الأخرى أو النيابة العامة بالأدلة أو بتلفيقها أحيانا، لافتة تلقيها تقريرا يفيد بأن أحد المتهمين كان محتجزا على خلفية مسألة كان  وقت ارتكابها خارج البلد ولديه أدلة تؤكد ذلك ومع ذلك حوكما هو والشخص الأخر. وأدينا لاحقا بارتكاب أفعال ما كان من الممكن أن يرتكباها استنادا إلى أدلة واضحة ومتاحة.

وتعتبر المقررة الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين بأن مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع يتطلب المساواة في الإجراءات بين النيابة والدفاع، لكن مبعث قلق تكشف عنه تقارير تلقتها المقررة تفيد بأن النيابة، باعتبارها جزء أصيل من الجهاز القضائي في المسؤولة عن التحقيق في الجرائم وإصدار أوامر التوقيف والتفتيش والضبط ومباشرة الدعاوى الجنائية وإنفاذ القرارات في القضايا الجنائية، كما يدخل في اختصاصاتها رصد مراكز الاحتجاز كما تضطلع بدور فاعل في الإجراءات التأديبية بحق المحامين .

تاسعا : المحامون

تشعر المقررة الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين بالجزع إزاء تقارير تفيد بتعرض محامين تولوا قضايا تتعلق بأمن الدولة للمضايقة والتهديد والضغوط بطرق منها المراقبة المتواصلة وحملات التشهير العامة والترحيل التعسفي للمحامين غير المواطنين. كما يزداد شعورها بالجزع إزاء كثرة العقبات التي يواجهها المحامون الذين يتولون قضايا متعلقة بأمن الدولة يوميا في أدائهم واجباتهم المهنية وتمثيلهم مصالح موكليهم.

ويؤكد التقرير على عدم جواز الربط بين المحامين وموكليهم أو قضايا موكليهم نتيجة لأداء المحامين لمهام وظائفهم، مشيرة لقضية شهيرة تم فيها إلقاء القبض على محام لاستفساره عن مكان وجود موكليه في فرع نيابة أمن الدولة .

وخلص التقرير حول هذه المسألة بأن حجم الانتهاكات العديدة بحق المحامين أثر سلبا في تثبيط هممهم ودفعهم لرفض هذه القضايا أو التخلي عنها تحت ضغوط جهاز مباحث أمن الدولة مما أنتج صورة سوداء عن واقع المحاماة في الإمارات .

كما سجلت المقررة مبعث قلق أخير لها يتعلق بعدم وجود نقابة محامين ذاتية التنظيم ومستقلة تشرف على عملية قبول المرشحين في مهنة المحاماة وتضع مدونة موحدة لقواعد السلوك وتنفذ التدابير التأديبية بما في ذلك شطب الاسم من النقابة .

وترجع المقررة حالة التفاوت الكبير في كفاءة المحامين إلى غياب الامتحان الكتابي بعد فترة التدريب التي تمتد لعامين بحسب قوانين نقابة المحامين ، ونظرا لغيابها فمن الطبيعي أن يحدث هذا التفاوت المؤثر بالسلب على استقلال المحامين وتقويض استقلالهم خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود لجنة تابعة لوزارة العدل مسؤولة عن قبول المحامين وتسجيلهم والتجديد السنوي لهم وعقد اللجان التأديبية لهم وإمكانية شطبهم. في حين غابت المدونة الشاملة لقواعد السلوك أو الأخلاق المحددة بوضوح المخالفات وكيفية المعاقبة عليها .

عاشرا : التعليم والتدريب وبناء القدرات

أكدت المقررة الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين بأن ثمة تحديات تواجه العاملين في حقل القضاة والمحاماة على صعيد التطبيق العملي للمعارف التي اكتسبوها من محاضن التدريب الأكاديمي والمهني وفي مقدمتها تنويع التدريب وإعادة النظر في الاحتياجات التدريبية بناء على النتائج التي جمعتها المؤسسات المعنية بالتدريب.

يذكر أن «غابرييلا نول» المقررة الأممية الخاصة لاستقلال القضاء والمحامين والوفد المرافق لها قامموا بزيارة لدولة الإمارات في مطلع فبراير/شباط من العام الماضي. حيث التقت كبار المسؤولين الحكوميين في وزارة العدل والداخلية والخارجية الاتحادية ودائرة القضاء في أبوظبي فضلا عن رئيس المحكمة الاتحادية العليا وقضاة على الصعيدين الاتحادي والمحلي والنائب العام وأعضاء في النيابات العامة الاتحادية والمحلية ، كما التقت بمحامين وأعضاء في السلك الدبلوماسي والمجتمع المدني وممثلين عن معهد دبي القضائي ومعهد التدريب والدراسات القضائية في الشارقة.

وتجدر الإشارة كذلك أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد طرفا في عدة معاهدات لحقوق الإنسان بصفتها عضوا في مجلس حقوق الإنسان، ومن بينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية، كما صادقت الإمارات على الميثاق العربي لحقوق الإنسان عام 2008 المتضمن مجموعة شاملة من الأحكام الملزمة ذات الصلة بولاية المقررة الخاصة لاستقلال القضاء، كما أن للإمارات دستورا رسميا لا يعترف صراحة بالفصل بين السلطات .