السبت 27 يونيو 2015 03:06 ص

ثلاثة أيام تفصلنا عن الموعد النهائي لإبرام اتفاق شامل بين إيران والدول الست الكبرى، في الوقت الذي تتكثف فيه الضغوط على الأطراف المفاوضة لإبداء صلابة أكبر في المفاوضات.

في ضوء خطوط إيران الحمراء والموقف التفاوضي الأميركي، نلقي الضوء على الحلول الوسط الممكنة، من أجل إبرام الاتفاق النهائي، سواء عند الموعد المقرر نهاية حزيران الحالي أو بعده بأيام. 

بذل الطرفان الإيراني والأميركي جهداً كبيراً خلال السنوات الماضية في عملية التفاوض، واستثمرا فيها رأسمالاً سياسياً كبيراً، بحيث صار الحل السلمي للملف النووي الإيراني النقطة المركزية في سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما الشرق أوسطية وعمود الخيمة لإدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني داخليا وخارجيا. 

لم يكن المشوار سهلاً لأي من أوباما وروحاني، حيث يلقى كلاهما معارضة شديدة في بلاده، بدعوى التفريط في المصالح الوطنية. أوباما يريد أن يخرج من البيت الأبيض بعد انتهاء فترة ولايته الثانية وقد حقق إنجازاً كبيراً في السياسة الخارجية بإبرام الاتفاق مع إيران، وروحاني يريد للاتفاق النهائي أن يكون نقطة الانطلاق لإدارته خارجياً ومرتكز الشرعية لولاية ثانية داخلياً. 

علينا أن نتذكر أيضاً أنه ومع احتدام الخلاف في الشوط الأخير من المفاوضات، فإن الجسم الأساسي للاتفاق قد تم إقراره في مدينة لوزان السويسرية في شهر نيسان الماضي، وهو ما يعرف بمسودة الاتفاق الشامل في أحيان و «اتفاق لوزان» في أحيان أخرى. وتمثل جوهر «اتفاق لوزان» في مقايضة واضحة: إيران تقلص برنامجها النووي وفقاً لشروط وضمانات مؤكدة بعدم تحوله إلى طابع عسكري (تم استعراضها بالتفصيل في الاتفاق)، وذلك مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من دون تفصيل مماثل.

الآن تراوح المفاوضات مكانها على محورين: الأول رفع العقوبات الاقتصادية ومداها وحجمها وتوقيتها، والثاني التفتيش على منشآت إيران العسكرية واستجواب علماء إيران النوويين. ونظراً لكل الأسباب الواردة أعلاه، ولرغبة الطرفين في إتمام الاتفاق ـ كل لأسبابه المعلومة ـ تعتقد هذه السطور بإمكانية اجتراح حلول وسط في المسألتين العالقتين. ومن شأن الاتفاق على الحلول الوسط خلال الأيام القليلة المقبلة أن يخرج الاتفاق النهائي في موعده المقرر، أما إذا تعذر ذلك فقد يتأخر عن ذلك، وهو احتمال أكثر من وارد.

الحلول الوسط الممكنة

يمثل رفع العقوبات الاقتصادية الركن الأهم في الصفقة من المنظور الإيراني، حيث يأمل الرئيس الإيراني في تحسين معيشة ملايين الإيرانيين، وترميم الاقتصاد الإيراني، وجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، وصولا إلى إدماج إيران من جديد في الاقتصاد العالمي. وهذه الأهداف لم يعلن عنها روحاني قبيل جولة المفاوضات الأخيرة، وإنما خلال حملته الانتخابية قبل عامين من الآن.

في كل الأحوال علينا تذكر أن رفع العقوبات الاقتصادية وإعادة فرضها هو أمر سياسي بامتياز، وليس تقنياً كما يبدو من الوهلة الأولى، لذلك فالصراع يدور حول قضية سياسية يمكن حلها عند توافر الإرادة السياسية وليست اقتصادية بحته.
بالمقابل يرى الغرب أنه لا بد من توافر آلية يقيس بها مدى التزام إيران بالاتفاق، مع ملاحظة أن رفع العقوبات كلها وفوراً يسحب هذه الإمكانية منها.

تقليب النظر في الفجوة التفاوضية بين الطرفين وتفحص قوائم العقوبات المختلفة والمعقدة والمتشابكة، يقودنا إلى استنتاج حلّ وسط ممكن، يعطي كل طرف بعضاً مما يريد. بموجب الحل الوسط يتم تقسيم العقوبات الاقتصادية إلى قسمين: الأول العقوبات من طرف واحد، والثاني العقوبات متعددة الأطراف. الأخيرة مثبتة في قرارات الأمم المتحدة والتي لم تستهدف فقط البرنامج النووي الإيراني، وإنما ملفات أخرى مثل حقوق الإنسان ودعم الإرهاب.

الحل الممكن هنا يتمثل في صدور قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، يرفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالملف النووي بعد توقيع الاتفاق، ويبقي العقوبات المرتبطة بملفات الإرهاب وحقوق الإنسان في مكانها.

أما العقوبات الأميركية، التي فرضها الكونغرس على إيران، فلا يمكن، كما هو معلوم للكافة، أن ترفع من دون موافقة من الكونغرس، وهو أمر صعب ومعقد في ضوء معارضة الغالبية لفكرة الاتفاق مع إيران أصلاً، بغض النظر عن التفاصيل.

ولكن في حال أظهر أوباما العزم الكافي يمكنه أن يستخدم صلاحياته الرئاسية لرفع العقوبات الاقتصادية، التي لا تستلزم بالضرورة موافقة الكونغرس لإقرارها. هنا يمكن تصور إجراءات محددة، مثل الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة المنصوص على الإفراج عنها منذ العام 1980 وفقاً لاتفاق الجزائر الخاص بالإفراج عن الرهائن الأميركيين، وتراجعت واشنطن عنها لأسباب سياسية لاحقاً. وأيضاً «تجميد» بعض أنواع العقوبات الاقتصادية الأخرى، ورفع بعض القوانين الأميركية التي تمنع التحويلات النقدية بين البلدين، وليس انتهاء بشطب الأفراد والمؤسسات الإيرانية من على قائمة الحظر الأميركية للتعامل الاقتصادي.

وفي حال تحقيق تلك الإجراءات، يمكن أن ترفع العوائق أمام الشركات الأجنبية من الاستثمار في إيران، بحيث يتم دمج إيران في الاقتصاد العالمي من جديد، وهو هدف يريده روحاني مثلما تريده إدارة أوباما والشركات الغربية العملاقة - كل لأسبابه الخاصة. وطبيعي في هذا السياق أن تبذل كل من ألمانيا وفرنسا جهودهما لرفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على إيران، ما يعظم العائد الاقتصادي الإيراني من الاتفاق.

تفتيش منشآت عسكرية واستجواب العلماء

تريد واشنطن تتبع التطور الذي أحدثته إيران على برنامجها الصاروخي تحديداً، لأن الصواريخ تستطيع حمل رؤوس نووية بعد انتهاء فترة الاتفاق. كما تروم واشنطن استجواب العلماء الإيرانيين لمعرفة تاريخ البرنامج النووي الإيراني قبل العام 2003، لأنها تشك بنوايا عسكرية ما قبل هذا التاريخ، وتريد بالتالي دخول مفتوح إلى المنشآت العسكرية الإيرانية.

من ناحيتها، إيران لا تريد التوقيع على صك أبيض، ولا توجد دولة في العالم موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي يمكنها قبول ذلك النطاق الواسع والفضفاض من عمليات التفتيش. لذلك سيتعين على الأطراف المتفاوضة الاتفاق على الإطار الذي ستتحرك الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلاله للقيام بعملياتها التفتيشية، ربما عبر قرار جديد لمجلس الأمن الدولي (محكم الصياغة والتأويل) حتى تستطيع إيران قبوله.

أيضاً إيران لا تريد عرض العلماء النوويين على مفتشي الوكالة لاستجوابهم، لأن عمليات اغتيال عديدة جرت، خلال السنوات الماضية، لعلماء نوويين إيرانيين بعدما كشفت شخصياتهم. بالمقابل يريد الغرب أن يتأكد من توقف هذه النشاطات في العام 2003.

يبدو أن ما يقلق طهران ليس مبدأ التفتيش في حد ذاته، وإنما حجم وعمق عمليات التفتيش. في هذا السياق يبدو أن هناك حلاً وسطاً ممكناً يتمثل في إنشاء لجنة مشتركة إيرانية-غربية للنظر في طلبات التفتيش بشكل فردي، قبل إقرارها. يعطي هذا الحل إيران نوعاً من السيطرة على عمليات التفتيش، في حين يطمئن هواجس واشنطن حول ماضي إيران النووي.

الخـــلاصـــة

ستجرى عملية مقايضة في الشوط الأخير من الاتفاق، بحيث تبدد واشنطن مخاوف طهران من استمرار العقوبات الاقتصادية، باستثناء العقوبات التي فرضها الكونغرس، عبر استخدام أوباما لصلاحياته الرئاسية لرفع أكبر قدر ممكن من العقوبات.

في المقابل تظهر إيران مرونة في عمليات تفتيش المنشآت العسكرية المرتبطة بالبرامج الصاروخية، وتسمح باستجواب العلماء النوويين وفق شروط تشارك طهران في صياغتها.

إذا تمسك كل طرف بمطالبه القصوى الحالية ستفشل المفاوضات في محطتها الأخيرة، وساعتها ستكون تداعيات الفشل متجاوزة فيينا حيث تجري المفاوضات لتطال التوازنات في الشرق الأوسط، بعد أن تصيب أحلام كل من روحاني وأوباما في مقتل.

من ناحية أخرى، ودع الطرفان المعادلات الصفرية ويتجهان لصيغة «رابح - رابح»، وبالتالي الفشل التام مستبعد. وتجسير الفجوة التفاوضية بين الطرفين ممكن عبر الحلول الوسط، التي لن تبعد كثيراً عن الوارد في السطور السابقة. كلما تحركت الأطراف بسرعة نحو الحلول الوسط، ترتفع احتمالات إبرام الاتفاق في موعده.

الأرجح نظرا لمعطيات اللحظة أن يتأجل موعد التوقيع على الاتفاق النهائي، حتى تقبل الأطراف المفاوضة في النهاية بالحلول الوسط!