الثلاثاء 7 يوليو 2015 12:07 ص

لم يكن شهر يوليو/تموز من العام 2013  كغيره من  الشهور وأيامه لم تكن كغيرها من الأيام على أبناء شعب الإمارات. ففي الثاني من يوليو/تموز 2013 وقع حدث وصف بأنه «انقلاب على حقوق المواطنة» في دولة الإمارات حيث زج بالعشرات في أكبر محاكمة سياسية تشهدها الدولة منذ تأسيسها، وسط انتهاكات وخروقات لحقوق الإنسان كانت ومازالت أدانتها المنظمات الحقوقية الدولية، في قضية تم توجيه الاتهام فيه لمجموعة من نشطاء الرأي من أعضاء جميعة «دعوة الإصلاح»، وصدرت بحقهم أحكام تصل إلى 500 عام.

 فالقصة يرويها القاضي «محمد صقر الزعابي» أحد أبرز المدانين الفارين خارج البلاد قائلا: شملت الحملة 94 إماراتيا من بينهم 13 امرأة إماراتية، استخدمت الدولة كل أدواتها السياسية والإعلامية والأمنية لتشوية صورة أناس أبرياء مارسوا حقهم في التجمع والتعبير، ولم يرتكبوا أي جريمة، ولم تستطع جهة الادعاء، رغم أنهم انتهكت كل حقوقهم الإنسانية والدستورية، أن تثبت أي جريمة تستحق ما تعرضوا له من عقوبة وانتهاكات، سوى شهادات منسقة لمجموعة من ضباط الأمن.

ويضيف «صقر»: «القصة بدأت بكذبة كبيرة أعلنها النائب العام الاتحادي حتى يهيئ الرأي العام بأن هناك تنظيما إرهابيا يسعى إلى قلب نظام الحكم ، والذي سيتبين فيما بعد أن هذا التنظيم لا يوجد من بين أفراده أي عسكري، بل جميعهم أستاذة قانون ومعلمون وقضاة وخبراء إدارة ورجال أعمال ونساء مسالمات معظمهن يحملن شهادات عليا».

ويشير «صقر» إلى أن الدولة قامت بعدد من الانتهاكات بحق المواطنين لنشر الرعب والفزع في مختلف أنحاء البلاد، فكل إنسان بات معرضا للاعتقال وبيته مستباحا بدون أمر قبض وتفتيش قانوني وإخفاء قسري بامتياز لجميع المعتقلين في أماكن غير معلومة للشعب باستثناء من قاموا باعتقالهم، ولم يكتف ضباط جهاز الأمن الإماراتي باعتقال العشرات بل قاموا بتعذيبهم لمدة تقارب العام، حتى طلب أحدهم في أول جلسة تعقد أمام المحكمة الاتحادية بأبوظبي حمايته وحماية أسرته، لأنه يخشى على حياته وحياة أسرته، ورويت حينها قصص التعذيب التي لم تلتفت لها محكمة أمن الدولة، ولم تحقق فيما ورد بها، بل كانت المفاجأة أن بعض المتهمين لم يعرفوا أنهم على قائمة المتهمين إلا قبل أيام من جلسة المحاكمة، بل وتدينهم المحكمة دون أن يكون لهم أي أقوال، بل وبدون أدلة أو أسباب توردها المحكمة كدليل على هذه الإدانة.

فتش عن عريضة الإصلاح

«عبيد سلطان الزعابي» واحد من أبرز المحللين الخليجيين يرجع بالذاكرة للأساس الخفي للقضية المفبركة لدعاة الإصلاح عقب مطالبهم التي جاءت في الثالث من مارس/أذار عام 2011 عندما رفع مجموعة مكونة من 133 مواطنا من أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة عريضة، سماها الإعلام بعريضة الإصلاح، إلى رئيس الدولة الشيخ «خليفة بن زايد آل نهيان» وأعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات السبع المكونة للاتحاد، يطالبونهم فيها بالتجاوب مع المتغيرات الدولية والإقليمية وتبني نهج ديمقراطي نيابي كما نص على ذلك دستور الدولة الصادر في 1971.

وكشف «الزعابي» عن شمول مطالب المجموعة الإصلاحية المكونة من مختلف ألوان الطيف الفكري والسياسي من الرجال والنساء من أساتذة الجامعات وأعضاء سابقين في البرلمان ومسؤولين حكوميين سابقين ونشطاء حقوقيين وأعضاء في جمعيات المجتمع المدني وكتاب وغيرهم على ضرورة إجراء إصلاحات شاملة للنظام البرلماني المتمثل في المجلس الوطني الإتحادي (البرلمان) من خلال الانتخاب الحر والكامل لجميع أعضاء المجلس من قبل كافة المواطنين، وإصلاح التشريعات المنظمة لعمله، بحيث تصبح له سلطة تشريعية ورقابية كاملتين مع إجراء التعديلات الدستورية الضامنة لذلك.

اصطناع عداوات وهمية

ويستطرد «الزعابي» في تفصيل أبعاد القضية قائلا: «وبدلا من أن تستجيب الدولة لهذه المطالب أو تلتقط الخيط لمناقشتها مجتمعيا أدارت ظهرها لها وكشفت عن فزعها من هذين المطلبين ونسجت من رحم جهازها الأمني قضايا ملفقة بعدما نجحت في تفتيت الكتلة الموقعة على العريضة بالتهديد بسحب الجنسيات تارة والإقصاء من الوظيفة وتجميد الحسابات المالية وعدم تجديد خلاصة القيد تارة ثانية والضغط على بعض الموقعين للتبرؤ من هذه العريضة بل واتهام فصيل سياسي معين بأنه استدرج هؤلاء وزور توقيعاتهم لينتهي بهم المطاف إلى اصطناع عدو وهمي للمجتمع أطلقوا عليه دعاة الإصلاح».

ويلفت «الزعابي» إلى أن جهاز الأمن ظن بفبركته وتلفيقه وادعاءته بوجود «تنظيم سري عسكري للإخوان» يهدف إلى الانقضاض على الحكم، وبعدما وجه الجهاز الأمني أدواته الإعلامية وقوته الناعمة في هذا الاتجاه بالتوازي مع حملات مداهمة واعتقال وزج بالعشرات للسجون والمعتقلات لمجرد أنهم طالبوا بأن يكون لديهم مجلس وطني تشريعي منتخب انتخابا حرا من قبل جميع المواطنين دون إقصاء لأحد لاعتبارات جهوية أو قبلية أو فئوية أو عرقية.

تنظيمات وخلايا سرية وهمية

ونظرا لأن الحبكة الأمنية بتلفيق قضية للإصلاحيين الإماراتيين لم تفلح في إقناع الرأي العام الداخلي والخارجي، يفجر «الزعابي» مفاجأة قائلا : «اصطنع جهاز الأمن حيلة جديدة تمثلت في إلقاء القبض على العشرات من المصريين المؤيدين للثورة المصرية من الأكاديميين والأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين المقيمين منذ أكثر من عشرين عاما بالدولة بحجة أنهم وراء تقليب المزاج الوطني ليتناغم مع رياح الثورة المصرية وما يعرف حينها بالربيع العربي، فقام جهاز الأمن بتلفيق قضية لهم تحت عنوان (الخلية المصرية السرية) وعندما لم يجدها ملبية لأهداف الإقناع الداخلي ضم إليها عددا من دعاة الإصلاح المعتقلين ليصبح عنوان القضية (الخلية الاخوانية المصرية الإماراتية)».

ويختتم «الزعابي» بالإشارة إلى أن محاكمات الإصلاحيين وقعت في الثاني من يوليو/تموز 2013 أي قبل انقلاب مصر بيوم واحد.

ذكرى لتوثيق تضحيات الأحرار

القيادي الإصلاحي «أحمد الشيبة» كتب أيضا بمناسبة الذكرى الثانية للمحاكمات أن السلطات الأمنية «وظفت كل ما لديها للتستر على جرائمها، ويأتي الإعلام ليصور الهزيمة انتصارا، ونكسة العدالة بالقفزة الكبيرة في تجسيد استقلالية القضاء، ويسهم الإعلام بذلك في طمس الحقائق وتزييف الوعي والتصفيق للمتهم الحقيقي وإدانة البريء؛ فلم يكن ينقل ما يدور حقيقة في قاعة المحكمة التي منع من حضورها أي إعلام مستقل، بدل صور المشهد ولقطات المحاكمة كما يصوغها و يصورها الجاني الحقيقي وهو جهاز الأمن».

ويضيف «الشيبة»: «عمدت الدولة إلى منع دخول المراقبين الدوليين لمراقبة المحاكمة، ومنع مسؤولين دوليين من دخول الدولة ليتستر على انحيازه إلى الجناة في مواجهة الضحايا».، ويشدد «الشيبة» على أنه «بقدر ما يعد الثاني من  يوليو/تموز ذكرى مؤلمة، إلا أن هذه الذكرى ستظل خالدة وعظيمة في توثيق تضحيات الأحرار والمخلصين من أبناء هذا الوطن، في سبيل الوطن وتحريره من القيود الأمنية، وتجسيد المشاركة السياسية التي وعد بها الدستور وتعاهد عليها الآباء المؤسسون».

مشاركات متنوعة على وسم المحاكمة

«جاسم راشد الشامسي» كتب عبر حسابه على «تويتر» أن الصراع في الإمارات ليس صراع فكر فحسب وإنما أيضا صراع حريات وحقوق ومشاركة سياسية، والتفريق بين والأهل والأقارب عبر تجريم وملاحقة والتحقيق مع كل من يتواصل مع المعارضين لسياسات الدول.

أما «حمد حسن» فيقول: «الشعب اللي ما يطالب بحقه ومايدافع عن كرامته ورجاله.. شعب في طريق العبودية»، في حين علق إبراهيم آل حرم قائلا: «مرت سنتان على تجريم دعوة الإصلاح ولازال البذل والعطاء سمة دعوة الإصلاح».

ويستدعي «حميد النعيمي» بتغريدته المثل الشعبي: «ياما في السجن مظاليم، جملة تصف واقع دعاة الإصلاح في الإمارات .. لكم الله ولن يضيعكم أبداً»، واختتم سلسلة تغريداته بالقول: «من السهل أن تظلم الناس وأنت ذو سلطة، ولكن عندما تقف أمام الديّان هل من السهل أن تهرب من عقوبته».

حساب «المواطنون السبعة» كانت له مشاركة بتغريدة قال فيها :«ذكرى المحاكمات الظالمة التي أظهرت حقيقة تحكم أجهزة الأمن في القضاء، وشاركهم حساب محبو الإصلاح»، قائلا: «حوكم فيها ٩٤ من أحرار وحرائر الإمارات بتهم كيدية بدأت بقلب الحكم لكن لم توجد أدلة لكذبتهم ومع ذلك أصدروا أحكامهم الظالمة».

أما «أبوعبد الرحمن» فغرد قائلا: «اليوم حكم على والدي ١٠سنوات بتهمة مناهضة مبادئ الاتحاد فما هي مبادئ الاتحاد مازلت أتساءل منذ سنتين».

بيان للهيئات الحقوقية الدولية

يذكر أن ثمان هيئات حقوقية دولية طالبت وبالتزامن مع الذكرى الثانية لصدور الحكم ضد 94 إماراتيا من بينهم 13 امرأة، بتهمة التآمر على أمن الدولة بعد أن أخضعوا لمحاكمة سياسية أمام دائرة أمن الدولة التابعة للمحكمة الاتحادية العليا وعرفت هذه المحاكمة بـ«الإمارات 94»، بفتح تحقيق مستقل في تعذيب معارضين سياسيين إماراتيين، مع الإفراج الفوري عن المسجونين ومعتقلي الرأي في محاكمات غير عادلة.

وذكر البيان أن المحكمة لم تحقق في الادعاءات القائلة بأن بعض المتهمين قد تعرضوا للتعذيب على مدى شهور في فترة الاحتجاز والاختفاء القسري قبل المحاكمة، وبمعزل عن العالم الخارجي دون الحق في مقابلة محاميهم أو التواصل مع ذويهم.

وأرجع المتهمون التجاوزات المرتكبة في حقهم لانتزاع الاعترافات التي شكلت أساس القضية ضدهم وقبلتها المحكمة بوصفها أدلة، إذ حرم المتهمون من حق الطعن في الأحكام الصادرة ضدهم، وهو الأمر الذي يخالف المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

ونبهت الهيئات أن السلطات لم تسمح خلال المحاكمة للمراقبين ووسائل الإعلام الدولية والمؤسسات الحقوقية والمحامين الأجانب وكثير من أفراد أسر المعتقلين من حضور الجلسات، وهو انتهاك خطير للمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وقد تم حبس أغلب المحكوم عليهم في قضية «الإمارات 94» في سجن الرزين أو المعروف بـ«غوانتنامو الإمارات»، وهو أسوأ السجون الإماراتية نظرا لسوء سمعته، إلا أن السلطات الإماراتية لم تحرك ساكنا أمام المطالب الدولية المنادية بتحسين ظروف السجناء.

وتواصل سلطات سجن الرزين ممارستها القمعية ضد سجناء الرأي والمعارضين خاصة المتهمين منهم في قضية «الإمارات 94»، إذ أنها سلطت عليهم عقوبات قاسية وحرمتهم من حقوقهم الأساسية لأبسط الأسباب. ويخضع السجناء لاضطهادات عديدة.

وعددت الهيئات التجاوزات والانتهاكات في الحبس الانفرادي في ظروف لا إنسانية بدون فراش أو غطاء، وتفتيش منتظم بدون احترام الحرمة الجسدية والكرامة الإنسانية، ومواصلة سياسات التجويع بتقديم كميات صغيرة من الأكل ومنع السجناء من شراء الطعام.

بالإضافة إلى منع الزيارات الخاصة لأفراد الأسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومنع الجرائد وسبل الوصول إلى المعلومات، كما تتعرض العائلات إلى شتى أنواع التنكيل والمحاصرة بدءا بالمنع من السفر والشغل والدراسات العليا إضافة إلى التضييق عليهم في الأملاك والأرزاق والمعاشات ومنع تجديد وثائق السفر أو تسجيل بعض المواليد الجدد في العائلة.

ودعت الهيئات الحقوقية الناشطة في مجموعة من الدول الأوربية والإفريقية، لضمان علنية الجلسات وشفافية الإجراءات، وتنفيذ التوصيات التي قدمتها المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، وإلغاء جميع المحاكم الاستثنائية.

وشددت على ضرورة تصديق الإمارات على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.