الأربعاء 23 أكتوبر 2019 11:22 ص

أصبح الاكتتاب العام في "أرامكو" بمثابة صداع للعديد من المستثمرين بعد أن تم تأجيله مرة أخرى هذا الأسبوع. وتشعر البنوك الآن بالقلق من تأجيل الاكتتاب حتى نهاية عام 2019، الأمر الذي سيكون له تأثير غير متوقع على حصاد العالم المالي، لأن البنوك كانت تعول على الأرباح التي من المتوقع أن يجلبها الاكتتاب العام.

وفي الوقت نفسه، لا توجد علامات واضحة على إلغاء الاكتتاب بالكامل حيث توحي التصريحات الإيجابية للغاية التي أدلى بها المسؤولون الروس، مثل "كيريل ديميترييف"، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي، خلال زيارة "فلاديمير بوتين" إلى السعودية، إلى جانب الشعور الإيجابي في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا، بأن الاكتتاب العام في "أرامكو" قد أصبح حقيقة واقعة.

وفي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير تفيد بأن الاكتتاب العام سيتم دعمه من قبل العديد من صناديق الثروة السيادية الكبيرة، مثل هيئة أبوظبي للاستثمار، ومؤسسة الخليج للاستثمار وصندوق "مبادلة" في أبوظبي، وغيرها من المؤسسات التي تنوي الاستثمار في الجزء المحلي من إدراج "أرامكو".

وأشارت المصادر إلى أن صناديق الثروة السيادية قد طلبت بالفعل من البنوك البدء في الاستعداد للاكتتاب العام. كما أشارت الأطراف الصينية إلى أنها مهتمة بالمشاركة. وأشار المستثمرون الروس، الذين حضروا زيارة "بوتين" للمملكة، إلى رغبة واضحة في أن يكونوا جزءا من مغامرة الاكتتاب العام.

وداخل السعودية، تم ضمان دعم البنوك المحلية ومجموعات الاستثمار والشركات العائلية الموالية للحكومة السعودية. وجاء البيان السلبي الحقيقي الوحيد من صندوق الاستثمار السنغافوري "تيماسيك"، الذي قال صراحةً إنه لن يستثمر في الاكتتاب العام في "أرامكو".

الكثير من القلق

ولكن وراء الأخبار الإيجابية، لا تزال هناك بعض القضايا المثيرة للقلق. ويعد أكثر هذه القضايا إلحاحا هو أن المخاطر العامة للاستثمار في أكبر شركة نفط في العالم قد زادت بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة. وقد تم بالفعل تحديد بعض المخاطر منذ البداية، مثل الشفافية والمساءلة والتدخل المحتمل للحكومة السعودية.

وعلى الرغم من أن "أرامكو" قد تعاملت مع هذه القضايا قانونيا، إلا أن المحللين ما زالوا حذرين للغاية من التأثير المحتمل لشراء حصة في كيان لا يزال مملوكا للحكومة ومتأثرا بقراراتها إلى حد كبير. ولن يزيل الإدراج في البورصة هذه المخاوف.

وجعلت طبيعة عملية صنع القرار غير الشفافة للاكتتاب العام مجموعة كبيرة من المستثمرين والبنوك حذرين للغاية من النتيجة. وسوف يكون انعدام الشفافية داخل المملكة النفطية دائما مشكلة للشركة.

وتوجد قضية أخرى لم يتم التعامل معها بشكل كامل، حتى لو بدا أن أسواق النفط تتجاهل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها الوقت الحالي، وهي تداعيات هجمات "بقيق". وتسببت حقيقة أن وكيلا أو ممثلا لطرف ثالث يمكنه تركيع أكبر شركة نفط في العالم في إصابة المستثمرين بالصدمة.

وتعد التهديدات العسكرية واسعة النطاق جديدة بالنسبة لمعظم المستثمرين، وعلى الرغم من أن "أرامكو" تمكنت من استعادة الإنتاج والصادرات إلى مستوياتها السابقة، إلا أن لافتة "أرامكو" التي لا تقهر قد تضررت بشدة.

ولكي تتم كتابة قصة نجاح الاكتتاب العام، يجب أن يتم تقييم "أرامكو" ما بين 1.5 و2 تريليون دولار، وقد تكون المشكلات الموضحة أعلاه قد جرّت الشركة إلى ما دون هذا السقف. ونظرا لأن أسواق النفط العالمية لا تزال تكافح لاستعادة الاستقرار، مع عدم استقرار الطلب، فإن تقييم أسهم "أرامكو" قد يتلقى ضربة كبيرة.

أضف إلى ذلك الحديث حول رغبة "أوبك" في فرض تخفيضات جديدة على الإنتاج خلال اجتماعها القادم، وهو ما سيكون له تأثيره الخاص على قيمة "أرامكو" أيضا. 

المزيد من الضغوط

وكان من الممكن التعامل مع هذه القضايا وتوخي الحذر قبل الوصول إلى هذه النقطة. ويمكن إلقاء اللوم على الاستراتيجيين في السعودية بسبب الافتقار للإرادة أو المعرفة لمنع حدوث هذا الموقف. والآن، يضغط نشطاء التغير المناخي على المجموعات المالية الغربية والآسيوية لإخراج نفسها من مشروع الاكتتاب العام في "أرامكو".

وتستهدف المجموعات البيئية الغربية، مثل "نادي سييرا" و"350 دوت أورج"، و"أصدقاء الأرض"، الضغط على مديري المجموعات المالية في وول ستريت لعدم المشاركة في الاكتتاب. 

وطلب ناشطون أمريكيون وبريطانيون وهولنديون صراحةً من بنوك مثل "بنك أوف أمريكا" و"سيتي جروب" و"غولدمان ساكس"، وغيرها، عدم المشاركة في الاكتتاب العام لشركة "أرامكو" السعودية.

ويظهر قرار شركة "تيماسيك" القابضة في سنغافورة بالانسحاب من الاكتتاب أن الضغوط من قبل المجموعات البيئية تؤثر على استراتيجية بعض الشركات. وتتعرض معظم البنوك الغربية والمستثمرين المؤسسيين للضغط من قبل المنظمات غير الحكومية والسياسية العاملة في مجال تغير المناخ.

ويعني كل هذا أن الأمور لا تبدو جيدة بالنسبة للاكتتاب العام في أرامكو. ومع كل تأخير، تتزايد كل هذه الضغوط والمخاطر. وبعد أعوام من التفاوض مع بورصة نيويورك، وسوق لندن للأوراق المالية، وغيرها من البورصات لإدراج أرامكو، تتعامل الرياض الآن مع موقف تتضاءل فيه الشهية، وتتلاشى خيارات الإدراج، وتضعف أسواق النفط العالمية.

ومن الواضح أن أنصار الاكتتاب العام خائفون. ويُنظر إلى تقسيم الاكتتاب العام إلى شق محلي وشق دولي من قبل الكثيرين بالفعل بوصفه علامة على الضعف.

وفي الوقت نفسه، فإن إدراج "أرامكو" في بورصة "تداول" وطوكيو وغيرها من بورصات الصف الثاني أبعد ما يكون عن كونه خبرا إيجابيا لـ"أرامكو" أو البورصات العالمية. وإذا بلغت قيمة "أرامكو" 1.5 تريليون دولار، فسوف تتحول بورصة "تداول" السعودية إلى بورصة لـ"أرامكو" فقط.

وبالنسبة لطوكيو، فإن إدراج "أرامكو" سيجعل البورصة معرضة للغاية للتطورات السياسية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. وتعتبر هذه المخاطر غير المالية، التي لا يمكن التنبؤ بها، مرتفعة للغاية ولا يمكن تجنبها.

حسنا، هذه هي الأيام السيئة لـ"أرامكو" السعودية.

المصدر | كيريل فيدرشوفن - أويل برايس