الاثنين 11 نوفمبر 2019 01:56 م

في اجتماع عام في منطقته الانتخابية في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، قدم رئيس المجلس الوطني الكويتي، "مرزوق الغانم"، تفاصيل حول قانون جديد مقترح يهدف إلى معالجة القضية الحرجة المتمثلة في وضع "البدون"، أو عديمي الجنسية.

وسوف يتم مناقشة القانون الجديد في الجلسة البرلمانية الحالية، التي بدأت في 29 أكتوبر/تشرين الأول.

وأكد "الغانم" أنه من خلال تطبيق القانون الجديد "لن يكون هناك أي بدون في الكويت بعد عام واحد"، مؤكدا للكويتيين أنه سيحل المشكلة بشكل دائم.

ويشترط القانون على البدون إعلان جنسياتهم الأصلية في غضون عام، ثم التقدم بطلب للحصول على الجنسية.

وفي غضون ذلك، سيتم منحهم إقامة دائمة قابلة للتجديد لمدة 15 عاما، ويحصلون على الرعاية الصحية والتعليم المجاني، بالإضافة إلى الحق في العمل، من بين مزايا أخرى.

ومع ذلك، فسوف يتم معاملة أولئك الذين لا يعلنون عن جنسياتهم الأصلية كمقيمين غير شرعيين، وسيتم منعهم من التقدم بطلب للحصول على الجنسية الكويتية.

وجاء الاجتماع بعد يوم من انتحار 2 من البدون في الكويت، هما "بدر مرسال الفضلي" و"زيد أسامي".

وأعرب كلاهما عن شكواه ضد السلطات في البلاد. ونشر "الفضلي" مقاطع فيديو قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي يشكو فيها من الظلم في الكويت، وفي محادثة عبر "واتس أب" مع ابنه، أكد "أسامي" أنه "يشعر بإهانة كبيرة".

ولم يكن "فضلي" و"أسامي" أول البدون الذين حاولوا الانتحار. ففي 6 يوليو/تموز، انتحر "عايد حمد مدعث"، وهو شاب من البدون يبلغ من العمر 20 عاما، وكان رد فعل السلطات قد أثار انتقادات شديدة.

وسعت وزارة الداخلية لتجاهل المسؤولية عن وفاته بالإعلان عن أنه كان مدمنا على المخدرات. وفي وقت لاحق، تم القبض على 15 من ناشطي البدون للاحتجاج وإلقاء اللوم على الحكومة لموته.

وبدأوا إضرابا عن الطعام أثناء وجودهم في السجن، استمر لمدة 12 يوما، وانتهى بسبب تدهور الأوضاع الصحية لبعض المعتقلين، وفقا لبيانٍ أصدروه على "تويتر".

أصل مشكلة البدون

وتشكل مجتمع البدون في الكويت على مدى عقود. فقد فشل العديد من الناس من القبائل البدوية التي كانت تعيش في الصحراء في الكويت وحولها في تسجيل أنفسهم كمواطنين بموجب قانون الجنسية لعام 1959. فلم يدرك الكثيرون منهم أهمية القيام بذلك أو لم يكن لديهم القدرة على السفر إلى مدينة الكويت للتسجيل.

بالإضافة إلى ذلك، يصعب على المرأة الكويتية نقل جنسيتها إلى أطفالها إذا كان والدهم  من البدون.

وتؤكد الحكومة أن آخرين من بين البدون جاءوا إلى البلاد في وقتٍ لاحق وادعوا أنهم جزء من هذا المجتمع عن طريق إخفاء وثائقهم الأصلية.

ولا توجد إحصاءات واضحة بشأن حجم السكان البدون.

ومع ذلك، بناءً على الأرقام التي قدمتها السلطات، يقدر عدد البدون بما يزيد قليلا عن 100 ألف. وقبل غزو العراق واحتلاله للكويت في الفترة 1990-1991، كان يُعتقد أن عدد البدون يصل إلى 220 ألفا.

وغادر العديد من البدون الكويت في ذلك الوقت للعودة إلى بلدانهم الأصلية، على الرغم من أن عددا كبيرا منهم ظلوا في البلاد أثناء الاحتلال، حيث تم أخذ بعضهم أسرى حرب أو تم قتلهم على أيدي القوات العراقية.

وانخفضت أعدادهم لأسباب أخرى كذلك. وتقول السلطات إن أكثر من 8 آلاف من البدون أعلنوا عن جنسياتهم الأصلية وأصبحوا مقيمين أجانب في الكويت بين عامي 2011 و2016.

وفي نظر الدولة، فهناك تمييز بين البدون الذين وصلوا إلى البلاد قبل عام 1965، عندما أجرت السلطات تعدادا للسكان، وأولئك الذين أتوا بعد ذلك.

وبناءً على قانون أقره "مجلس الأمة" عام 2000، يمكن تجنيس هذه المجموعة الأولى، التي تضم اليوم نحو 34 ألف شخص.

ومع ذلك، يتم إصدار بيانات مرتبكة ومتناقضة من قبل السلطات فيما يتعلق بعملية تجنيس هذه المجموعة.

على سبيل المثال، يدعي "صالح الفضالة"، وهو برلماني سابق له دور قيادي في شؤون البدون، أنه ليس كل أعضاء هذه المجموعة يتمتعون بهذا الحق.

ويدعي وكيل الوزارة المساعد السابق لشؤون الجنسية والجوازات في وزارة الداخلية، "مازن الجراح الصباح"، أن الحكومة شكلت لجنة لتقييم هذه الملفات، وأظهرت النتائج الأولية التي توصلت إليها أن 8 آلاف منهم فقط يمكن تجنيسهم.

وتتناقض هذه التصريحات مع ما أكده ولي العهد الحالي، "نواف الأحمد الصباح"، عام 2005، عندما كان وزيرا للداخلية، بأن من ينتمون إلى هذه المجموعة سيتم تجنيسهم ما لم يرتكبوا جرائم.

ويشترط القانون نفسه أن تقوم الحكومة بتجنيس 2000 من البدون كل عام، لكن الحكومة لم تصل إلى هذا الهدف. ووافقت الحكومة على تجنيس ما يصل إلى 4 آلاف شخص في عام 2019، ولكن مرة أخرى يبقى لديها السلطة التقديرية المطلقة حول عدد الذين سيحصلون على الجنسية.

تغيير في التكتيكات

ولوقت طويل، عومل أفراد مجتمع البدون على غرار الكويتيين في الحصول على التعليم والرعاية الصحية المجانية والتوظيف الحكومي، وغالبا ما يكون ذلك داخل قوات الأمن. لكن تغير هذا الوضع منذ الفترة 1985-1986، عندما بدأت الحكومة في حرمانهم من الامتيازات لإجبارهم على إعلان جنسياتهم الأساسية، والتخلي عن محاولتهم للحصول على الجنسية الكويتية، والتسجيل كمقيمين أجانب. ومنذ ذلك الحين، يزعم البدون أن أوضاعهم قد ساءت.

وفي عام 2010، أنشأت الحكومة النظام المركزي لعلاج وضع السكان غير القانونيين بقيادة "الفضالة".

ومنذ ذلك الحين، أكد ناشطو البدون أنه أصبح من الصعب الحصول على بطاقة الأمان أو تجديدها، وهي بطاقة يحتاجون إليها للعمل أو الدراسة أو الحصول على رخصة قيادة. ويزعم بعض البدون أنهم تم إجبارهم على التوقيع على مستندات يعترفون فيها بأنهم مواطنون في بلد آخر من أجل الحصول على بطاقات الهوية الخاصة بهم، وبالتالي التخلي عن مطالبهم بأن يصبحوا مواطنين كويتيين.

وبدون تجديد بطاقات الهوية، لا يمكن للبدون التقدم للحصول على شهادات ميلاد لأطفالهم حديثي الولادة، ولا يمكن لأطفالهم الالتحاق بالمدارس، ولا يتم توفير الرعاية الصحية لهم، ولا يُسمح لهم بالعمل.

وفي الآونة الأخيرة، أمرت الحكومة البنك المركزي بتجميد الحسابات المصرفية للبدون الذين ليس لديهم بطاقات أمان خاصة بهم. ومع ذلك، فقد أمر رئيس البنك المركزي البنوك بالسماح للبدون الذين ليس لديهم بطاقات هوية صالحة بسحب أموالهم من حساباتهم المصرفية ثم إغلاقها.

ويزعم "الفضالة" أن النظام المركزي قد جمع، بالتعاون مع الوزارات الأخرى، نحو 5 ملايين وثيقة صدرت منذ الستينيات من القرن الماضي تسمح بتتبع الجنسية الأصلية لنحو 87 ألف شخص. على سبيل المثال، إذا تقدم الأب بطلب للحصول على شهادة ميلاد لطفله المولود حديثا في الستينيات، مشيرا إلى أنه إذا كان عراقيا أو سوريا، فإن أحفاده اليوم يجب أن يكونوا عراقيين أو سوريين، ولن يكون لهم أي حق في الحصول على الجنسية الكويتية.

وتشجع الحكومة البدون على الإعلان عن جنسياتهم الأصلية، مع تعهدات بمنحهم إقامة دائمة وتعليم مجاني ورعاية صحية مجانية وإعانات غذائية مقدمة للكويتيين. ومع ذلك، غالبا ما يكون من الصعب على البدون الحصول على وثائق تعود إلى 30 أو حتى 50 عاما من بلدان مثل العراق وسوريا التي عانت من الحروب الأهلية. وفي مواجهة هذه المعضلة، اشترى بعض البدون جوازات سفر من دول أخرى مثل جمهورية الدومينيكان وليبيريا. ومع ذلك، اشترى الكثير منهم، دون علم، جوازات سفر مزورة، وبالتالي لم يتمكنوا من تجديد إقامتهم الدائمة في الكويت.

التحديات المقبلة

ومع مرور الوقت، سيكون من الصعب حل هذه المشكلة. فقد أصبح مجتمع البدون أكبر نتيجة لمعدل المواليد الطبيعي. واليوم، يعيش الجيل الثالث من البدون في البلاد، وأصبحوا أكثر تنظيما، وحصلوا على دعم دعاة حقوق الإنسان الكويتيين.

وتم تشكيل منظمة جديدة، هي "منصة الدفاع عن البدون في الكويت"، من قبل 3 ناشطين، وهم "ابتهال الخطيب"، و"فهد المطيري"، و"لما العثمان". بالإضافة إلى ذلك، قدمت لجنة حقوق الإنسان في "مجلس الأمة" تشريعات في فبراير/شباط لإعطاء البدون حقوقا مدنية واجتماعية مماثلة للكويتيين، ومنحهم إقامة دائمة في الكويت.

علاوة على ذلك، اقترحت جمعية المحامين الكويتية قانونا يهدف إلى حل هذه المشكلة أيضا.

وخلافا لقانون "الغانم" المقترح، يتطلب هذا التشريع من الحكومة أن تجنس على الفور جزءا من البدون، بمن فيهم أولئك الذين كانوا في البلاد منذ عام 1965، والأطفال مع الأمهات الكويتيات، وأطفال شهداء البدون.

ووفقا للتشريع المقترح، يتم منح البدون الذين كانوا في الكويت بين عامي 1965 و1 أغسطس/آب 1990، عندما تم غزو الكويت من قبل العراق، إقامة دائمة لمدة 10 أعوام، ثم يتم تجنيسهم. ويحصل أولئك الذين لا يندرجون ضمن هاتين المجموعتين على إقامة دائمة فقط.

ومع ذلك، قد يتفوق عدد أولئك الذين يدعمون سياسات الحكومة على عدد من يؤيدون حقوق البدون، حيث ينظرون إلى أنهم بحاجة لحماية "الهوية الكويتية". ويرفض بعض الناس تجنيس البدون لأنهم يعتقدون أن عددا كبيرا منهم من المسلمين الشيعة، أو بسبب مخاوفهم من أن الخلفية القبلية  سوف تغير ديموغرافيا البلاد.

وهناك أيضا قضايا اقتصادية وراء مخاوفهم. ويعتمد الاقتصاد الكويتي على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. ومنذ استقلالها عام 1961، استخدمت البلاد هذه الإيرادات لتوفير الخدمات لمواطنيها. ويتمتع الكويتيون بالتعليم المجاني والرعاية الصحية ويتم منحهم فرص عمل من قبل الحكومة. لذلك، فإن إضافة الآلاف من المواطنين الجدد عن طريق تجنيس البدون قد يجعل من الصعب على الحكومة الوفاء بالتزاماتها تجاه مجموعة المواطنين الحالية.

وتبقى قضية البدون معقدة، حيث تتداخل فيها الهوية والاقتصاد والسياسة. وحتى الآن، لم تقنع حملة الحكومة الكثيرين منهم بإعلان بلدانهم الأصلية. علاوة على ذلك، في مواجهة ضغوط النظام المركزي وقلة الفرص، فإن الجيل الأصغر سنا من البدون يزداد غضبا.

وقد تصبح الاحتجاجات كتلك التي حدثت بعد وفاة "مدعث" أكبر وأكثر شيوعا، وقد يبدأ الكويتيون في التفكير في حالة البدون ليس كمسألة اجتماعية بل كمشكلة أمنية. ويعد تنبؤ "الغانم" بحل المشكلة خلال عام أمرا متفائلا للغاية. أولا، سيتعين على المجتمع الكويتي ككل قبول التغييرات المقترحة. ثم، إذا تم إقرار القانون الجديد، فسوف يحتاج إلى قبول مجتمع البدون وتعاونه مع السلطات لتنفيذه. وإذا لم يحدث هذان الأمران، فستظل حالة البدون معقدة.

المصدر | حمد البلوشي - معهد دول الخليج العربي في واشنطن