الأربعاء 20 نوفمبر 2019 07:22 م

تجتاح الاحتجاجات إيران منذ عدة أيام، بعد قرار الحكومة زيادة أسعار الوقود بنسبة 50%، تزامنا مع برنامج لتقنين الوقود تم تقديمه في 15 نوفمبر/تشرين الثاني.

وأحرق المتظاهرون ونهبوا أكثر من 100 بنك ومتجر في جميع أنحاء البلاد، وأغلقوا الطرق السريعة.

وتجمع المحتجون في "البازار الكبير"، وهو مركز ثقافي رئيسي في طهران. وقد ردت الحكومة حتى الآن بإغلاق شبكة الإنترنت في البلاد، وشن حملات عنيفة ضد التظاهرات.

وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات تعد هي الأكبر والأكثر انتشارا منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وشن حملة من العقوبات الاقتصادية ضد البلاد، فمن غير المرجح أن تهدد الجولة الحالية من المظاهرات استمرارية الحكومة الإيرانية.

لكن تطورات الاحتجاجات، ورد فعل الحكومة، قد يرسخان لحظة مهمة في واقع إيران ما بعد العقوبات الأمريكية.

تدبير يائس في وقت محبط

ويُظهر قرار الحكومة بزيادة أسعار الوقود درجة الضغوط التي فرضتها الولايات المتحدة على الاقتصاد الإيراني.

وبالفعل، ضاعفت الجهود الإيرانية لإدارة الاحتجاجات واسعة النطاق في لبنان والعراق من خلال وكلائها من الضغط على موارد طهران.

وتوقعت إيران بالتأكيد أن أول زيادة في أسعار الوقود منذ عام 2015 من الممكن أن تثير الاحتجاجات، فبعد كل شيء، عندما قدمت طهران خطة لتقنين توزيع الوقود في عام 2007، تبع ذلك أعمال شغب.

وأثار اقتراح عام 2017 بزيادة أسعار الوقود معارضة منعت تنفيذ الاقتراح.

لذا، بالنظر إلى أن طهران مشغولة بالفعل في التعامل مع حركات الاحتجاج الإقليمية، والمقاومة السابقة القوية لارتفاع أسعار الوقود، فإن إيران لم تكن لتقدم على هذه الخطوة ما لم تكن بلغت حد الضرورة المطلقة.

وفي اجتماع لمجلس الوزراء في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، استخدم الرئيس "حسن روحاني" حجة اقتصادية لتبرير الزيادة.

وجادل "روحاني" بأن طهران لا تستطيع سوى الاستمرار في مساعدة الجزء الأفقر من الشعب الإيراني، الذي يتحمل العبء الأكبر من العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

وقال إنه لا يمكن ذلك سوى بزيادة صادرات النفط من جديد - وهو أمر أقر بأنه غير واقعي - أو بزيادة الضرائب وخفض الدعم.

وانتقد "روحاني" منذ فترة طويلة نظام دعم الوقود لأنه مكلف للغاية.

وقدر صندوق النقد الدولي أن دعم الوقود وحده كلف حوالي 1.6% من إجمالي الناتج المحلي الإيراني في السنة المالية 2017-2018، وأوصى بأن تتخذ طهران خطوات للحد منه. وعلى الرغم من وجود منطق اقتصادي وراء خفض الدعم، فقد ثبت أنه من الصعب قبول ارتفاع أسعار الوقود في مجتمع يتعامل بالفعل مع تضخم كبير ونقص في الغذاء والدواء والسلع الأساسية الأخرى.

التداعيات تصيب روحاني

ويقع اللوم السياسي في ارتفاع أسعار الوقود على "روحاني" وحلفائه المعتدلين، الذين يسيطرون على الرئاسة وعلى الكثير من مقاعد البرلمان.

ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في فبراير/شباط 2020، يبدو أن أسعار الوقود قضية مصممة خصيصا لتعزيز المحافظين الإيرانيين المتشددين، الذين يسعون لاستعادة المقاعد التي فقدوها في عام 2016.

وإلى جانب انتقاد قرار "روحاني"، سيحاول المتشددون وضع اللوم بشأن الاقتصاد المتعثر على التأثيرات الأجنبية.

وعلى الرغم من أن "روحاني" وحلفاؤه سيدفعون على الأرجح ثمن القرار، إلا أنه يحظى بدعم المرشد الأعلى "علي خامنئي"، وهو، إلى جانب بقية القيادة الإيرانية عبر الطيف السياسي، يدرك الحاجة إلى التحوط الاقتصادي، بموجب استراتيجية "اقتصاد المقاومة"، للتغلب على ضغوط العقوبات.

وقد دعم المرشد الأعلى القرار، الذي اتخذه في نهاية المطاف المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي.

وأنشأ "خامنئي" ذلك المجلس في يونيو/ حزيران 2018، برئاسة مشتركة من "روحاني" ورئيس البرلمان "علي لاريجاني"، المحافظ التقليدي، ورئيس القضاء "إبراهيم رئيسي"، وهو محافظ أكثر تشددا، وأذن له باتخاذ قرارات اقتصادية غير عادية لمكافحة آثار العقوبات وتقديم جبهة سياسية موحدة في مواجهة الضغوط الأمريكية.

ومع ذلك، تشير تقارير وسائل الإعلام الواردة من إيران إلى أن مجموعة من المشرعين المنزعجين من ارتفاع الأسعار والاضطرابات بدأوا في جمع الدعم لمحاولة إقالة "روحاني" و"لاريجاني".

ماذا بعد؟

بشكل عام، لا تعد الاحتجاجات غريبة في إيران.

وقد شهدت السنوات الأخيرة العديد من الموجات الاحتجاجية مثل الاحتجاجات الاقتصادية عامي 2017 و2018، واحتجاجات "الحركة الخضراء" لعام 2009، التي استمرت لأسابيع في كل مرة.

وبالنظر إلى التدهور الاقتصادي الحالي في إيران، فإن الاحتجاجات على أسعار الوقود قد تتطور إلى ما هو أكبر.

وبسبب تاريخ الاحتجاجات، طورت الحكومة أدوات لإدارة الاضطرابات، وذلك باستخدام مزيج من القمع من قبل قوات الأمن والسيطرة على المعلومات.

ويجعل هذا من غير المرجح أن تتصاعد الاحتجاجات على أسعار الوقود إلى حد تهديد البيئة السياسية الإيرانية أو إثارة استقالة من الحكومة، وهو هدف صريح لاستراتيجية العقوبات الأمريكية.

ومع ذلك، فقد تؤثر الاضطرابات الحالية على التفكير الاستراتيجي الإيراني، مثل "أزمة الدجاج" في عام 2012 وما تلاها من انخفاض في قيمة الريال بسبب العقوبات، والتي دفعت إيران للعودة إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد ذلك بوقت قصير.

وتوضح الاحتجاجات على الوقود، إلى جانب الظروف الاقتصادية السيئة عموما في إيران، أن استراتيجية عقوبات "أقصى ضغط"، التي فرضتها الولايات المتحدة، قد خلقت وضعا لا يمكن تحمله من قبل طهران على المدى الطويل.

وستستمر الولايات المتحدة في الضغط على إيران لدفعها للمفاوضات مع الولايات المتحدة في مقابل الإغاثة الاقتصادية.

لكن طهران تريد أن تكون قادرة على القيام بذلك وفقا لشروطها، وعندما يكون لديها النفوذ، وهي لن تفعل ذلك في الوقت الذي لا يزال فيه الرئيس "دونالد ترامب" يشغل منصبه في البيت الأبيض، على أمل أن يكون خليفته أكثر مرونة في المحادثات المستقبلية.

وفي غضون ذلك، ستستمر إيران في اتخاذ إجراءات، مهما كانت غير شعبية، للحفاظ على الاقتصاد واقفا مع قمع أي معارضة لإجراءات التقشف.

وسوف تستخدم التعزيز التدريجي لبرنامجها النووي كقوة ضغط في المحادثات المستقبلية، ولرفع الكلفة على الولايات المتحدة إذا لم يمنح البيت الأبيض البلاد بعض المتنفس المالي على المدى القصير.

ويمكن لإيران أيضا أن تختار استئناف حملتها العدوانية التي تستهدف صادرات النفط وغيرها من الأهداف الإقليمية، خاصةً إذا حصل المرشحون البرلمانيون المتشددون على نسبة جيدة من المقاعد في الانتخابات.

ومع ذلك، ستستمر إيران في بذل كل ما في وسعها للحفاظ على اقتصادها واقفا في انتظار وترقب إذا كان "ترامب" سيعود إلى منصبه بعد الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أم سيحل محله شخص آخر.

المصدر | ستراتفور