الثلاثاء 28 يوليو 2015 03:07 ص

ليس من شك في أن توقيع الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، من قبل ما يعرف بالمجتمع الدولي، إنجاز هام بكل المقاييس. وستكون له إسقاطاته المباشرة، على الداخل الإيراني، بشكل مباشر، كما ستكون له إسقاطاته المباشرة، على الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة بأسرها، وعلى القوى الدولية، ذات العلاقة بهذا الشأن. فقد جاء توقيع الاتفاق بعد حصار اقتصادي قاس على طهران، استمر لعدة عقود، وبدأ مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تسبب في خسائر كثيرة، وفي عزلة إيران الاقتصادية والسياسية عن الخارج.

القضايا المتعلقة، بتوقيع الاتفاق وتأثيرات ذلك على الأوضاع في إيران والمنطقة كثيرة، لكن هذا الحديث سيناقش جانبا منها، هو ما يتعلق بتأثيراته على داخل إيران، على أمل مناقشة القضايا الأخرى، في أحاديث قادمة.

جاء توقيع هذا الاتفاق، في ظل متغيرات داخل المؤسسة الدينية الإيرانية، بدأت في التعبير عن نفسها منذ وصول السيد «محمد خاتمي» لسدة الرئاسة. وكان وصوله إلى السلطة، قد أكد بما لا يقبل الجدل، تنامي التيار الإصلاحي، المطالب بتغيرات سياسية في شكل الحكم. وكان الأهم أن هذا التيار قد انبثق من داخل المؤسسة الإكيلركية الحاكمة.

ولد التيار الإصلاحي، بعد الانتخابات التي أوصلت «أحمدي نجادي» لسدة الرئاسة. وقد أسهم الحصار المفروض على إيران، في تجميد الأوضاع السياسية. ومن هنا يمكننا القول، أن التوقيع على هذا الاتفاق، هو أهم حدث تاريخي في إيران منذ قيام الجمهورية. وسوف تكون له إسهاماته المباشرة، في تغيير موازين القوى، داخل مؤسسة النظام الحاكم، لصالح القوى الإصلاحية، التي جرى وأدها، مرة أخرى، أثناء بداية الدورة الرئاسية الثانية، لأحمدي نجاد.

وهنا يقتضي التذكير، أن الثورة الإيرانية اعتمدت على مثلث بضلعين متساوين: الضلع الأول هو رجال الدين الذين يتمركزون في قم، وينتشرون في بقية المدن والأرياف، ويقودهم الإمام الراحل آية الله «الخميني». والضلع الثاني «البازار» ملاك التجارة وقادة الفعاليات الاقتصادية الخاصة، المتواجدين بكثافة في العاصمة طهران، وبقية المدن الرئيسية الإيرانية. أما الضلع الثالث فهم المهمشون في الأرياف. وقد مثلوا الجموع التي وقفت خلف رجال الدين، ورجحت كفتهم في مواجهة جميع القوى السياسية الأخرى، يسارية وليبرالية ووطنية، التي وقفت مناوئة لحكم الشاه، كحزب توده والجبهة الوطنية، ومجاهدي خلق.

نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وتسلم الإمام «الخميني» لقيادة البلاد، نقل العلاقة بين «البازار» والمؤسسة الدينية، من التحالف السياسي إلى الشراكة الاقتصادية. وكلما تعزز دور رجال الدين في المؤسسة الاقتصادية، كلما صاروا أكثر اقترابا من عقل البازار وفكره. وقد أسهم ذلك في وضع اللبنات الأساسية للحركة الإصلاحية، التي انبثقت من رحم مؤسسة قم.

لقد حدث أول اختراق بالمؤسسة الدينية، لصالح التوجه الجديد، الذي نعبر عنه مجازا بفكر البازار، والمطالب بانفتاح اقتصادي أكبر، وبعلاقات أمتن مع الدول الغربية، مع وصول «محمد خاتمي» لسدة الحكم. ولكن مؤسسة قم لجمته، وجاءت بـ«أحمدي نجادي» إلى سدة الرئاسة. ولم يكن التوازن السياسي، بفعل الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، والذي عطل من نمو المؤسسات الاقتصادية، طيلة العقود الماضية لصالح قوى الإصلاح. ولذلك تمكن المحافظون من لجم الحراك الإصلاحي مرة أخرى، أثناء الانتخابات التي أجريت عام 2009 وترشح فيها المهندس «مير حسين موسوي» لرئاسة الجمهورية.

الآن أمام هذه القوى الإصلاحية فرصة لتحشد قوتها، ولتضاعف من فعالياتها الاقتصادية، ولتندمج بالكامل مع ثقافة وفكر رجال البازار. وسوف تستغل عطش الشركات الأجنبية، للاستثمار في إيران، لتتحالف معها، بما يعزز إمكاناتها المالية والاقتصادية، وينعكس إيجابيا، على قدراتها السياسية، ويخلق بيئة مناسبة أفضل للتعجيل مجددا بتحركها.

وهكذا سيكون أول تداعيات هذه الأزمة هو التخلخل في العلاقة بين القوى التقليدية، التابعة للولي الفقيه، وبين القوى الإصلاحية الصاعدة، المنبثقة من تلك المؤسسة.

لكن هذا التطور، ستكون له جوانب سلبية على النظام السياسي القائم. فتحقيق مزيد من الانفتاح الاقتصادي والسياسي داخل إيران، سيتيح المجال للنزعات القومية والدينية، التي قمعت طويلا، للتعبير عن صبواتها، في الاستقلال الذاتي، مستغلة حالة الانفتاح، والعلاقات الإيرانية الجديدة مع أمريكا والدول الأوروبية.

وبالقدر الذي تتعزز فيه قوى الإصلاح في إيران، بالقدر الذي تبرز فيه سياسات جديدة تطالب بتغيير خارطة تحالفات إيران مع دول الجوار، والتخلي عن السياسات التورية، لصالح التوجهات الليبرالية الجديدة. ويتوقع أن تتمسك مؤسسة الولي الفقيه، في المدى المنظور، بعلاقة جيدة مع روسيا والصين، وتواصل سياساتها السابقة، تجاه حزب الله والعراق وسوريا. لكن علاقاتها بالغرب، سوف تتطور بالتوازي مع استمرار تلك العلاقات.

ستعمد إيران لزيادة إنتاجها من النفط. وليس من المستبعد أن يتجاوز هذا الانتاج الحصة المقررة لها من قبل «أوبك». وسيوفر لها ذلك مزيدا من السيولة النقدية، لكن ذلك سوف يسهم في انحدار أسعار النفط، إلى أشد مما هي فيه الآن.

ولا جدال في أن زيادة الدخل القومي لإيران، سيجعل المجتمع الإيراني يقبل على المزيد من استيراد السلع الأساسية، بما يمكن أن يؤثر على الأسواق العالمية. وسيكون لذلك إسقاطاته في زيادة التضخم بأسعار تلك المواد، بما يؤثر سلبا على الناس العاديين، ومحدودي الدخل.

حقيقة مؤكدة، تبقى واضحة، بالنسبة لجميع دول المنطقة، هي أن إيران غدت عضوا بالنادي النووي، وستضعف في المستقبل إمكانية لجمها عن مواصلة تطوير صناعاتها النووية.

ستكون إيران في الأيام القادمة، الدولة المدللة، من قبل المؤسسات الاقتصادية العالمية. والغرب الذي سوف يستثمر مئات المليارات، سيكون مضطرا لغض النظر، ولو جزئيا عن خروقات إيران المحدودة للاتفاق النووي الذي جرى توقيعه، ضمانا لمصالحه، واستمرار استثماراته.

سيسرع توقيع الاتفاق، من انضمام إيران لمجموعة شنغهاي والبريكس، بما يعني أنها ستكون ضمن مركز الاستقطاب الذي تقوده روسيا الاتحادية. لكن ذلك لن يؤثر أبدا على علاقة الغرب الإيجابية بها،. شأنها في ذلك شأن باكستان والهند وجنوب أفريقيا.

وتبقى المحاور الأخرى، في تداعيات التوقيع، مواضيع للمناقشة في أحاديث قادمة بإذن الله.