السبت 18 يناير 2020 11:08 ص

مع تزايد الغضب من عجز الاقتصاد في لبنان، أصبحت التكتيكات التي تستخدمها الحركة الاحتجاجية المكونة من جميع الطوائف أكثر عنفاً وإثارة للاضطرابات، وهذه التطورات بدورها، تزيد الضغط على الفصائل السياسية في البلاد لإيجاد رد فعل مناسب.

وتعتبر الفرصة ضئيلة في تراجع الركود في البلاد، مع وجود حكومة انتقالية إلى أن يتمكن رئيس الوزراء المكلف "حسان دياب" من تشكيل حكومة خاصة به، فيما يعد الركود الاقتصادي محركًا رئيسيًا للغضب في الاحتجاجات، بالإضافة إلى الفساد.

وقد يدفع ذلك كله لبنان إلى دوامة قد تصبح فيها أعمال التخريب والعنف منفذاً بشكل متزايد لإحباطات اللبنانيين العاديين من جميع الطوائف، تاركين للسياسيين الطائفيين الذين لا يريدون التخلي عن سلطتهم وامتيازاتهم الفرصة لتوظيف القوة لمواجهة الاحتجاجات.

  • ضرب البنوك وبناء الإحباط

شهدت بيروت موجة من العنف في 14 يناير/كانون الثاني تمركزت في شارع الحمرا، وهي مركز للنشاط المالي والاقتصادي في العاصمة، حيث قام المتظاهرون بتخريب أجهزة الصراف الآلي، وحطموا نوافذ البنوك واشتبكوا مع قوات الأمن.

كانت هذه التصرفات - التي عطلت النشاط المالي بشكل كبير وخلفت 50 جريحا من أفراد قوات الأمن - بمثابة ارتفاع ملحوظ في السلوك العدواني مقارنة مع تصاعد نشاط الاحتجاج في أواخر عام 2019. ومثلت موجة العنف هذه بداية ما أطلق عليه المحتجون "أسبوع الغضب"؛ وهي سلسلة من الاحتجاجات المخطط لها.

وتتعرض البنوك اللبنانية لضغط من البنك المركزي لتعزيز نفسها بالأصول، وللمساعدة في وقف التدهور في التصنيف الائتماني للبلاد، ولكن للقيام بذلك؛ فإنها فرضت ضوابط تضر بقدرة عملائها على الوصول إلى الودائع وممارسة الأعمال اليومية.

بالإضافة إلى ذلك؛ ارتفعت أسعار الصرف في السوق السوداء للعملات بشكل كبير حيث حاول اللبنانيون الوصول إلى شراء الدولارات، كما واجه العديد من اللبنانيين من الطبقة الدنيا والمتوسطة انقطاعًا في المرتبات ومشاكل في شراء السلع الاستهلاكية مع تزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي على المدى الطويل.

  • تكتيكات أكثر خطورة

مع تراكم الضغوط الاقتصادية عليهم؛ يلجأ العديد من اللبنانيين إلى تدابير أكثر تشددًا للتعبير عن غضبهم من الطبقة الحاكمة.

كان النظام الطائفي في لبنان يسيطر عادة على هذه الإحباطات من خلال أسس دينية، لكن هذه الاحتجاجات تجاوزت الخلفيات العرقية والدينية لاستهداف القادة في كل طائفة.

علاوة على ذلك، فإن العديد من هؤلاء الزعماء قد تجاوزوا هذه الأزمة براحة نسبية، ولم تمسّ ثرواتهم أو هرّبوها في الخارج، مما زاد من غضب الشعب.

ومع اقتراب المواعيد النهائية الأولى لمدفوعات السندات الدولية في شهر مارس/أذار، يبدو أن الأزمة الاقتصادية تزداد سوءًا. وبدون مساعدة دولية أو شروط جديدة مواتية لسداد الديون، لن تكون الحكومة قادرة على الوفاء بهذه الالتزامات، وهو تطور سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير.

ومن المؤكد أن تزايد البؤس الاقتصادي سيعزز من الغضب الشعبي في جميع أنحاء البلاد، ولكن مع قلة الخيارات السلمية للتعبير عن رغبة الشعب في تغيير النظام، يمكن توقع المزيد من العنف. وحتى الآن، لم تفكر الحكومة بجدية في إجراء انتخابات مبكرة قد تحول بعض هذه الطاقة إلى عملية انتخابية.

ومع عدم وجود منفذ آخر لتفاقم الغضب؛ من المرجح أن ينعكس التدهور الاقتصادي المستمر والشلل السياسي في تكتيكات احتجاج أكثر تطرفًا تنتشر أكثر في جميع أنحاء البلاد.

ومن المرجح أن تتحمل البنوك والمؤسسات التجارية الأخرى وطأة تلك المواجهات، ولكن قد تشمل الأهداف الأخرى أصول النخبة السياسية والمقرات السياسية والمكاتب.

ويبدو أن الموظفين من القطاعين العام والخاص سيواجهون على الأرجح انقطاعًا في المرتبات، وسيكون لديهم سبب لإلقاء اللوم في مشاكلهم على أرباب عملهم، سواء كانوا من الشركات المرتبطة بالسياسة أو المؤسسات العامة التي يسيطر عليها سياسيون.

وفي الوقت نفسه؛ فمع فرض البنوك المزيد من الضوابط على عملائها، فمن المحتمل أن يتجنب المزيد من اللبنانيين العاملين في الخارج إرسال التحويلات المالية التي تعتمد عليها البلاد، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة العملة الأجنبية في البلاد مع نفاد الاحتياطيات.

  • خيارات غير مستساغة

وبالتالي ستواجه الفصائل السياسية في البلاد خيارًا صعبًا. يمكنهم أخيرًا أن يقرروا العمل معًا، سواء في عهد "حسان دياب" أو رئيس وزراء آخر، لوضع البلاد على الطريق نحو الإصلاح المالي الذي من المحتمل أن يشمل التقشف، في نوع من التسوية السياسية الجديدة والمحدثة.

ولكن يبدو أن حدوث هذا من غير المرجح، ففي حين أن هذا المسار سيكون في نهاية المطاف هو الأفضل لاقتصاد لبنان، إلا أن تدابير التقشف ستكون مؤلمة لجميع المعنيين، وسوف يلوم المواطنون العاديون الذين يتحملون عبء التقشف السياسيين في لبنان على اتخاذ هذا الخيار.

كما يمكن للنخبة السياسية أن تؤجل الأزمة ببساطة - كما فعلت في الماضي - على أمل أن يأتي المجتمع الدولي - وخاصة الحلفاء مثل الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج العربي - لإنقاذهم بحزمة مساعدات جديدة ستخفف التقشف.

لكن احتمالات حدوث ذلك منخفضة؛ فالمانحون الدوليون يريدون أن يقوم لبنان بإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي. وفي الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة ترغب بشكل متزايد في المراهنة على استقرار لبنان في سعيها للضغط على "حزب الله"، وهو الحزب السياسي اللبناني الذي يعتبر الوكيل الرئيسي لإيران في البلاد.

وبالإضافة إلى ذلك؛ فإنه مع تحول العراق وسوريا واليمن إلى ساحات أكثر سخونة وخطورة للمنافسات بالوكالة، فإن أهمية لبنان كمعركة للنفوذ بين إيران وخصومها من الولايات المتحدة ودول الخليج قد تراجعت.

لذا فإن الأحزاب السياسية اللبنانية، التي تواجه حركة احتجاجية متنامية، ستنظر بجدية في النسخ اللبنانية من حملات القمع لتظل في السلطة.

وبما أن الحكومة منقسمة إلى حد كبير، فإن سلطة الدولة في نشر الجيش اللبناني أو قوات الأمن الرسمية محدودة. لكن الفصائل السياسية الفردية - وخاصةً على سبيل المثال لا الحصر؛ حزب الله - مسلحة وستدافع عن أصول أحزابها إذا استهدفها المحتجون ماديًا.

ويمكن أن تؤدي الصدامات الناجمة عن ذلك إلى تقويض الوضع الأمني ​​في لبنان، مما يتسبب في المزيد من الأضرار الاقتصادية عن طريق تثبيط السياحة، وتراجع الاستثمار والتحويلات المالية.

وهكذا، تتجه الاحتجاجات المتصاعدة في لبنان إلى خلق تحدٍ أمني جديد للبلاد.

المصدر | ريان بول/ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد