الثلاثاء 21 يناير 2020 09:11 م

في الوقت الذي وصلت فيه الولايات المتحدة وإيران إلى شفا الحرب في العراق، التقى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في إسطنبول، في 8 يناير/كانون الثاني، لإطلاق خط أنابيب الغاز "ترك ستريم"، الذي طال انتظاره، مع الإعلان عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وبعد ذلك بيومين، أعلنت موسكو وأنقرة أنهما توصلتا إلى اتفاق آخر لوقف إطلاق النار في إدلب، آخر معقل للمعارضة في سوريا، والذي يواجه هجوما من القوات البرية الموالية لرئيس النظام السوري "بشار الأسد" بدعم جوي روسي.

ويأتي اللقاء الأخير بين "بوتين" و"أردوغان" وسط توترات متصاعدة بين أنقرة وواشنطن، وهما حليفان قديمان داخل حلف "الناتو". واحتجت الولايات المتحدة بغضب على قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، وكذلك على عمليتها العسكرية في شمال شرقي سوريا. ومن جانبها، هددت إدارة "أردوغان" بإغلاق قاعدتين عسكريتين أمريكيتين كبيرتين في تركيا إذا تبنى الكونجرس حزمة عقوبات منتظرة تستهدف أنقرة.

فماذا يعني الصدع المتنامي بين الولايات المتحدة وتركيا بالنسبة لروسيا؟، وهل يمكن لموسكو وأنقرة تحويل تعاونهما المزدهر إلى شراكة كاملة أم أن خلافاتهما بشأن سوريا وليبيا ستكون حاسمة؟، حسنا، تحدث موقع "ناشيونال إنترست" مع خبراء في الشأن التركي والروسي للحصول على وجهات نظرهم بشأن هذه المسائل.

وفي حفل افتتاح خط الأنابيب، صور "بوتين" روسيا وتركيا كقوى استقرار في الشرق الأوسط، الذي لا يزال يعاني من اغتيال الجنرال الإيراني "قاسم السليماني" في غارة بطائرة بدون طيار أرسلتها الولايات المتحدة.

وقال الرئيس الروسي: "إننا نعيش في عالم معقد، وللأسف في المنطقة التي نتواجد بها، نشهد المزيد من الدلائل على أن الوضع يتفاقم أكثر. لكن تركيا وروسيا يصيغان سلوكا مختلفا تماما، وهما مثال للتفاعل والتعاون لصالح شعوبنا وشعوب أوروبا والعالم بأسره".

ويعد خط أنابيب "ترك ستريم" جزءا من جهود روسيا لزيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا. وسينقل خط الأنابيب ما يصل إلى 31.5 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا إلى تركيا وجنوب أوروبا عبر البحر الأسود. وهددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الشركات التركية المشاركة في المشروع؛ بحجة أن خط الأنابيب يعزز اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية.

كما عرض "بوتين" و"أردوغان" التوسط لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة في الحرب الأهلية الليبية، وهو ما دخل حيز التنفيذ منذ منتصف ليل 12 يناير/كانون الثاني. وبرزت روسيا وتركيا في الأشهر الأخيرة كلاعبين رئيسيين في الصراع المستمر منذ 8 أعوام. وتدعم أنقرة حكومة "فايز السراج" المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس؛ حيث وافق البرلمان التركي في وقت سابق من هذا الشهر على إرسال قوات لمساعدة "السراج". ورغم أن موسكو لا تدعم رسميا حكومة شرق ليبيا بقيادة المشير "خليفة حفتر"، فقد ظهرت تقارير عن مرتزقة روس يقاتلون إلى جانب قوات "حفتر".

ورغم أن "حفتر" رفض في البداية اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنه تراجع في نهاية الأمر بعد بضعة أيام. والإثنين، وصل "حفتر" والسراج" إلى موسكو لإجراء محادثات سلام.

وبعد أن كانت تركيا وروسيا خصمين مريرين، شهدت العلاقات بينهما تقاربا خلال الأعوام القليلة الماضية. وأبرمت تركيا صفقة لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسي من الطراز الرفيع "إس-400"، مع وصول أول شحنة للبلاد في الصيف الماضي. وفي أكتوبر/تشرين الأول، وقع "بوتين" و"أردوغان" اتفاقا لتطهير شمال شرقي سوريا من الميليشيات الكردية، وإنشاء منطقة دوريات مشتركة.

وتسببت الشراكة الناشئة بين موسكو وأنقرة في إثارة القلق في واشنطن. وفي 11 ديسمبر/كانون الأول، اتهم وزير الدفاع الأمريكي "مارك إسبر" تركيا بالانسحاب من فلك "الناتو" لصالح التعاون مع روسيا.

وفي اليوم نفسه، صوتت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بالموافقة على مشروع قانون لفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها نظام "إس-400" الروسي، والقيام بعملية عسكرية في شمال شرقي سوريا. وتشمل بعض الأحكام الرئيسية للتشريع عقوبات مفروضة على كبار المسؤولين الأتراك، وعقوبات مفروضة على أحد البنوك التركية الكبرى، وقيود على مبيعات الأسلحة إلى تركيا، وتقرير عن القيمة الصافية لثروات "أردوغان" وعائلته.

ورد "أردوغان" بغضب على العقوبات المحتملة. وحذر من أنه إذا تم توقيع مشروع القانون ليصبح ساريا، فإن تركيا ستطرد القوات الأمريكية من قاعدة "إنجرليك" الجوية، التي تضم نحو 50 صاروخا نوويا أمريكيا، وقاعدة "كورسيك"، وهي موقع محطة رادار تابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو".

وقال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "يدي تبه" في إسطنبول "مسعود كاشين" إن تهديدات الرئيس التركي ليست مجرد كلام في الهواء.

وأكد أن العقوبات قد يكون لها "تأثير مزلزل" على التحالف الأمريكي التركي المستمر منذ عقود.

وأضاف: "إذا تم إقرار هذه العقوبات، فقد تقرر تركيا إغلاق قاعدتي إنجرليك وكورسيك. هذا هو الواقع".

لكن من غير المرجح أن يتوقف رد أنقرة عند هذا الحد. فكما أوضح "كاشين"، سترد تركيا على الضغط المتزايد من الولايات المتحدة بالاقتراب أكثر من موسكو وطهران. ووفقا له، فإن بعض الخيارات العاجلة بالنسبة لتركيا تتمثل في توقيع صفقة لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز "سو-35"، وشراء المزيد من محركات الطائرات من روسيا.

وأكد "كاشين": "حتى لو خسرت تركيا، فستعاني الولايات المتحدة من أضرار أكثر (بفرض تلك العقوبات)".

ومع ذلك، توجد شكوك واسعة لدى موسكو حول رغبة أنقرة في الانفصال عن الغرب.

ولا أعتقد أن أي شخص في روسيا يتوقع بجدية أن تتخلى تركيا عن التزاماتها تجاه حلف "الناتو"، وأن تقطع تحالفها مع الولايات المتحدة. وقال رئيس تحرير مجلة "جلوبال أفيرز" "فيودور لوكيانوف": "لم أسمع أي شخص يعتقد أن هذا ممكن".

واعتبر "لوكيانوف" أن الخلاف بين "أردوغان" وواشنطن بشأن "إس-400" لم يكن لرغبة في التحالف مع روسيا أكثر منه محاولة لإظهار استقلال تركيا في السياسة الخارجية. ومع ذلك، يعترف بأن تحركات أنقرة الأخيرة توفر فرصة لموسكو للاقتراب من حليف أمريكا القديم.

وقال: "لا توجد أوهام على الإطلاق في التفكير أن تصبح تركيا حليفا لروسيا. لكن تركيا تتغير، وتشعر بأنها مقيدة داخل الناتو، وهذا واضح".

وعلى الرغم من الخلافات القائمة منذ فترة طويلة، والتي كانت ساخنة في بعض الأحيان، بشأن الحرب الأهلية السورية، كثفت روسيا وتركيا تعاونهما في إدارة النزاع. وحسب "لوكيانوف"، تعد هذه الشراكة الجديدة زواجا ضروريا.

ويضيف "لوكيانوف": "لم يكن السبب وراء زيادة التعاون المصالح المشتركة، أو الثقة المتبادلة بين الجانبين. في رأيي، لا يوجد شيء من هذا القبيل. لكن موسكو وأنقرة تتفهمان أنه بدون بعض الإجراءات المشتركة والحلول الوسط، لن تتمكن روسيا أو تركيا من تحقيق ما يريدان في سوريا".

وأوضحت خبيرة شؤون الشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي "كيريل سيمينوف" أنه في حين أن المخاطر أقل في ليبيا بالنسبة للبلدين، فإن "بوتين" و"أردوغان" حريصان أيضا على تجنب المواجهة في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا.

وقالت: "روسيا تدعم حفتر، لكنها لا تدعمه بالقدر الذي يوفر له النصر. علاوة على ذلك، تدرك موسكو أنها لا تستطيع أن تمنحه النصر".

وأضافت: "لا تعد ليبيا مشكلة كبيرة لروسيا وتركيا. على العكس من ذلك، فهناك فرصة لكل من روسيا وتركيا للقيام بدور أكثر نشاطا في ليبيا. بل إنه من الممكن أن يأملا معا في إخراج بلدان أخرى من أزمتها بالعمل مع بعضهما البعض".

المصدر | ديمتري ألكسندر سايمز/ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد