الاثنين 24 فبراير 2020 06:08 م

ثلثا المقاعد للمحافظين وثلثها للإصلاحيين والمستقلين..

هكذا أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية في إيران عن إحكام التيار المحافظ الذي يقوده المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" قبضته على السلطة، إثر تحقيق قائمة "الوحدة الوطنية" برئاسة "محمد باقر قاليباف"، رئيس بلدية طهران السابق، أغلبية كاسحة خلال انتخابات مجلس الشورى.

وكانت نتيجة الانتخابات متوقعة، ولم تكن درامية بقدر ما كانت الأحداث التي مرت بها إيران في الآونة الأخيرة، بداية من حملة القمع المميتة التي قوبلت بها الاحتجاجات المناهضة للحكومة على أثر إعلان الأخيرة رفع أسعار الوقود، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقتل المئات واعتقال الآلاف من المحتجين.

وصولاً للمعالجة التضليلية للحكومة لحادثة إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة ركاب أوكرانية عن طريق الخطأ، في يناير/كانون الثاني الماضي، ما أسفر عن مقتل 176 شخصاً، أغلبهم من الإيرانيين.

عودة المحافظين

وأثارت تلك الأحداث حالة من الجدل لعدة أسابيع حول مستقبل البرلمان الإيراني الحادي عشر، في ظل فشل واضح للرئيس الإصلاحي "حسن روحاني" وحكومته في تحقيق وعودهما، وفي ظل اتجاه متنام لمزيد من تغول الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الحياة السياسية كما هو الحال في الاقتصاد.

وفي هذا الإطار، استبعد مجلس صيانة الدستور (المؤسسة المخول لها فحص أوراق جميع الراغبين للترشح في جميع الانتخابات الإيرانية) أكثر من 9 آلاف مرشح إصلاحي بحجة عدم ولائهم لمبادئ الثورة الإسلامية.

غير أن ذلك لم يسفر عن رد فعل ثوري كذلك الذي جرى عام 2009 احتجاجا على مؤشرات "تزوير الانتخابات"، وذلك لأن الحملة الانتخابية لم يلتفت لها أغلب الإيرانيين أصلا، بحسب مراقبي الشأن الإيراني.

ويستند هذا التقدير إلى ما أعلنه وزير الداخلية الإيراني "عبدالرضا رحماني فضلي" رسميا يوم الأحد (23 فبراير/شباط الجاري) بشأن نسبة الإقبال على الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 21 فبراير/شباط الجاري، حيث قال إنها بلغت 42%، وهي أقل نسبة مشاركة معلنة في الاقتراع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

بخلاف ذلك، أشارت تقارير عدة لوسائل إعلام خارج إيران، بينها الإذاعة الألمانية، أن نسبة المشاركة التي أعلنتها وزارة الداخلية لا تعبر عن حقيقة مشاركة الإيرانيين في الانتخابات، حيث أكدت الوكالة الألمانية أن حوالي 80% من الإيرانيين لم يذهبوا للتصويت، بما يعكس ربما وجود حالة عزوف شعبي عن النظام السياسي الإيراني برمته، حسب توصيف المحلل والخبير في علم الاجتماع "فرهاد قنبري" لموقع "إرم نيوز".

ومع استبعاد مجلس صيانة الدستور أكثر من 60% من مرشحي التيار الذي ينتمي إليه "روحاني"، لم يكن الفوز الكاسح للمحافظين في الانتخابات البرلمانية مفاجئا، ويعني ذلك أن المحافظين باتوا يسيطرون على السلطات الثلاث في البلاد.

ويضم مجلس صيانة الدستور 12 عضوا، 6 منهم من رجال الدين يعينهم المرشد الأعلى مباشرة، والستة الآخرون من الفقهاء الدستوريين يقترحهم القضاء، ويصوت البرلمان على اختيارهم.

ويتمتع المجلس بصلاحيات كبيرة باعتباره الجهة التي لها الكلمة الأخيرة في تأهيل المرشحين لأي منصب انتخابي مثل الانتخابات البرلمانية، والرئاسية، ومجلس الخبراء (الجهة المكلفة باختيار المرشد الأعلى، والإشراف على عمله).

وعليه، فإن أغلب المؤشرات ترجح تنصيب "قاليباف"، السياسي المحافظ والقائد السابق في الحرس الثوري، رئيساً للبرلمان الجديد، بعد أن رفض "علي لاريجاني"، الذي تولى المنصب منذ عام 2008، الترشح للانتخابات مرة أخرى.

ويتوقع المحللون داخل إيران أن يقود "قاليباف" البرلمان بأجندة متشددة، تتعارض مع سياسات "روحاني"، خاصة في التعامل مع الغرب، وهو ما عبر عنه بتصريح أدلى به للصحفيين في طهران يوم 20 فبراير/شباط الجاري قائلا: "إن العقوبات الأمريكية مسؤولة عن 30% من الأزمات الاقتصادية، لكن نسبة 70% من تلك الأزمات تعود إلى سوء الإدارة في البلاد"، على حد تعبيره.

مذبحة سياسية

في السياق ذاته، من المرجح أن تقود نتائج الانتخابات البرلمانية إلى مزيد من إضعاف الإصلاحيين، ما يعني زيادة فرص انتخاب رئيس جمهورية من المحافظين في محاولة لتكرار تجربة الرئيس الإيراني السابق "محمود أحمدي نجاد"، الذي كان مواليا لـ"خامنئي" بشكل تام خلال فترة توليه السلطة.

ولذا يرى المحلل السياسي "حسن جوادي" أن ما حدث من إقصاء للمرشحين الإصلاحيين من البرلمان الإيراني أشبه بـ"مذبحة سياسية لم تحدث في تاريخ إيران من قبل"، مشيرا إلى أن "مجلس صيانة الدستور ينحاز على مر الأزمنة إلى السياسيين المحافظين بل المتشددين أيضاً، لكنه أبقى دائماً على هامش من التنافس مع الإصلاحيين، لكن هذا الهامش تم ابتلاعه تماما خلال الانتخابات السابقة".

وبذلك يمثل البرلمان الجديد ردة إلى عصر الهيمنة المطلقة لـ"خامنئي" بذات الطريقة التي حدثت في إيران بعد انتخابات 2009 الرئاسية، وهو ما ظهر في تصريح "خامنئي" نفسه الذي وصف فيه الانتخابات الأخيرة بأنها "خطوة تالية" في مسار الثورة.

آثار وتبعات

في ضوء ذلك، من المؤكد أن نتائج الانتخابات سوف تلقي بظلالها على سياسات النظام الإيراني الداخلية والخارجية، ومن المرجح أن تؤدي سيطرة المحافظين على البرلمان، ومن بعده على الانتخابات الرئاسية، إلى مزيد من قمع الاحتجاجات والحريات الاجتماعية والحركات المدنية، كما كان الحال في عهد الرئيس السابق "محمود أحمدي نجاد".

وفي هذا الإطار، يقرأ المحلل والصحفي الإيراني المقيم في نيويورك "روزبة ميرإبراهيمي" نتيجة الانتخابات على أنها "أفضل طريقة توصل لها خامنئي لإدارة الاضطرابات والاحتجاجات الاجتماعية، عبر سحق المعارضة وتأمين برلمان يوافق تلقائيا على سياساته"، وفقا لما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

أما الملف الاقتصادي، فيتوقع محللون، بينهم "سعيد منصوري" تغولا أكبر للحرس الثوري في مفاصل البلاد الاقتصادية.

وينتقد "منصوري"، في هذا الصدد، تصريحات "قاليباف" بشأن الأزمة الاقتصادية في البلاد ومحاولته تحميل مسؤوليتها لحكومة "روحاني"، خاصة أن رئيس بلدية طهران السابق متهم بالتورط في قضية فساد كبيرة، تقدر بملايين الدولارات، أثناء فترة ولايته.

ففي تلك الفترة التي استمرت 12 عاماً، واجه "قاليباف" اتهامات ببيع العقارات الرئيسية، ومنها بعض العقارات الأثرية، بأسعار زهيدة إلى زوجته، وعدد من أفراد أسرته، حسبما يشير "منصوري"، الذي نوه أيضا إلى ما عاناه الاقتصاد الإيراني في فترة رئاسة "أحمدي نجاد" من الفساد وسوء الإدارة، فضلا عن العقوبات الأمريكية.

وتعني هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد الإيراني إغلاق المجال أمام المستثمرين والشركات التجارية، وهو ما يزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، يتوقع المحلل السياسي "أمير منتظري" عدم تكرار التعاون بين رئيس البرلمان المقبل وبين "روحاني" بشأن السعي باتجاه إعادة التفاوض حول صفقة نووية مع الولايات المتحدة.

ويرى "منتظري" أن مهمة مجلس الشورى الإيراني، في ضوء تركيبته الجديدة، تتمثل بنسبة كبيرة للغاية في إنهاء أمر الصفقة النووية تماما، مشيرا إلى أن الإصلاحيين لن يستطيعوا اعتراض طريق المحافظين في البرلمان بعد الاستبعاد الكبير لهم من الانتخابات، وفقا لما نقله موقع "عربي بوست".

ولذا يعتبر رئيس مجلس التفاهم العربي البريطاني "كريس دويل" قرار مجلس صيانة الدستور بإقصاء أغلبية المرشحين الإصلاحيين في إيران بمثابة مؤشر على ما يعتبره النظام الإيراني أفضل السبل للمواجهة مع الولايات المتحدة، وفقا لما أوردته "أسوشييتد برس".

المصدر | الخليج الجديد