الجمعة 6 مارس 2020 02:32 م

في 23 فبراير/ شباط الماضي، اندلعت أحداث شغب وعنف في الهند استمرت عدة أيام؛ وأسفرت عن مقتل 46 شخصا على الأقل، غالبيتهم من المسلمين في العاصمة نيودلهي، مسجلة بذلك أسوأ موجة من العنف في البلاد منذ سنوات.

وعلى الرغم من مقتل بعض الهندوس في هذه الأحداث، إلا أنه سرعان ما تبين أن حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي "ناريندرا مودي" وقوة شرطي "دلهي" التي تشرف عليها حكومته، أيدوا ضمنيا أعمال العنف التي يرتكبها مجموعات من الغوغاء الهندوس والذين يهتفون بشعارات الحزب وغيرها من الشعارات القومية خلال حرقهم واعتداءاتهم على المسلمين، دون أن تحرك الشرطة ساكنا حيال ذلك.

ومنذ بدء أعمال العنف تلك فر المئات من المسلمين من العاصمة دلهي، في ظل عدم شعورهم بالأمان حيال هجمات الغوغاء الهندوس وتواطؤ الجهات الأمنية هناك.

عنف ممنهج

وأصبحت موجات العنف الطائفي علامة بارزة في الهند بعد ست سنوات من حكم القوميين الهندوس، الذين أصبحوا لديهم هيمنة سياسية أكثر من أي وقت مضي، عندما تم إعادة انتخاب "مودي" بعد الفوز في الانتخابات البرلمانية بأغلبية ساحقة في مايو / أيار الماضي.

من جانبه أذكي "مودي" قاعدته الانتخابية من الهندوس اليمنيين المتطرفين، الذي يري الكثير منهم المسلمين باعتبارهم غزاة للهند المملوك للهندوس وحدهم من وجهة نظرهم.

وفى أغسطس/ آب الماضي، ألغت حكومة "مودي" الحكم الذاتي لمنطقة "جامو وكشمير" وتم تقسيمها إلى إقليمين، فيما جرى فرض قيود على التجوال والاتصالات، وحجبت خدمة الإنترنت.

ويطلق اسم "جامو وكشمير" على الجزء الخاضع لسيطرة الهند من إقليم كشمير، ويضم جماعات مقاومة تكافح منذ عام 1989 ضد ما تعتبره "احتلالا هنديا" لمناطقها. ويطالب سكان "جامو وكشمير" بالاستقلال عن الهند، والانضمام إلى باكستان، منذ استقلال البلدين عن بريطانيا عام 1947، واقتسام إسلام أباد ونيودلهي الإقليم ذا الأغلبية المسلمة.

وتخطط حكومة "مودي" لبناء معبد هندوسي في موقع مسجد بابري، الذي هدمه القوميون الهندوس في 1992، فيما يدفع وزير الداخلية آميت شاه باتجاه خطط بترحيل "المتسللين من الهند بمساعدة برنامج تسجيل جماعي للسكان".

وفي هذا الصدد، يري "بريم شانكار جها" المستشار الإعلامي لرئيس وزراء الهند الأسبق "في بي سينغ"، أن المآسي التي تشهدها الهند في الوقت الحالي تعد الأسوأ منذ اندلاع أعمال الشغب المناهضة للسيخ (طائفة دينية) عقب اغتيال رئيسة الوزراء "أنديرا غاندي" عام 1984.

وعلى عكس أعمال الشغب التي وقعت في 1984، والتي بدأت على الأقل بسبب الصدمة، والتدفق العفوي للحزن والغضب من مقتل رئيسة الوزراء، لا يوجد شيء عفوي حول دوامة العنف الحالية في دلهي هذه المرة، وفقا لـ"شانكار جها".

وذكر "جها" أن ما تشهده المدينة هو هجوم مخطط له على المسلمين الذين كانوا يتظاهرون ضد تعديلات قانون المواطنة (CAA) وقانون السجل الوطني للمواطنين (NRC).

وتنص تعديلات قانون المواطنة الصادرة عام 2019 على إمكانية منح الجنسية الهندية للأقليات الدينية من بنجلاديش وباكستان وأفغانستان بالحصول على الجنسية الهندية، وتشمل الأقليات التي نص عليها القانون الهندوس والسيخ والبوذيين والفرس، فيما جرى استثناء المسلمين وحدهم من هذه القائمة.

ويهدف قانون تحديث السجل الوطني إلى استبعاد المهاجرين غير النظاميين من الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل بنجلاديش.

ويتعارض القانون الذي يميز دينيا ضد المسلمين مع الدستور العلماني للهند، ويخشى المسلمون أن يتم استخدامه لتوطين الأقليات في المناطق التي يقطنها المسلمين مثل جامو وكشمير لتغيير تركيبتها الديموغرافية وفق الأجندة القومية الهندوسية المتطرفة للحزب الحاكم.

غض الطرف

في السياق ذاته، سلط تقرير لمجلة "نيويوركر" الضوء على التواطؤ الحكومي في موجة العنف الحالية، والتي تتم بمباركة وزير الداخلية "أميت شاه" المقرب من رئيس الوزراء الهندي.

وقالت المجلة إنه من الواضح أن شرطة دلهي التي تتواجد في أسرع وقت ممكن حال حدوث أي مخالفات في العاصمة، تغض الطرف عن الهجمات ضد المسلمين بل إن بعض أفرادها يشاركون أحيانا في الهجمات العنيفة التي يشنها الهندوس المتطرفون ضد المسلمين.

 وبحسب المجلة، فقد وثقت مقاطع فيديو وصور قيام الشرطة بإتلاف كاميرات المراقبة الأمنية في الشوارع، والوقوف بجانب المتطرفين ورشق المتظاهرين المسلمين المحتجين على قانون الجنسية بالحجارة، وفي بعض الأحيان ترك المتظاهرين المسلمين فريسة بيد المتطرفين الهندوس للاعتداء عليهم أو حتى قتلهم رغم قدرتها على حمايتهم وضبط الوضع الأمني.

وفي الوقت الذي تسمح فيه شرطة نيو دلهي بحرق منازل المسلمين، فإنها لا تسمح في المقابل بالأمر ذاته عندما يتعلق الأمر باستهداف مسلمين غاضبين للمعابد الهندوسية.

وذكرت "نيويوركر" أن السيطرة الشرطية في دلهي تقع في يد وزارة الداخلية، في الحكومة المركزية، التي تمنع المسلمين حتى من حق الاحتجاج السلمي.

وتري المجلة أن أحد الأسباب الرئيسية أيضا لتصاعد العنف في البلاد هو الآلة الإعلامية وبثها لأخبار زائفة والتي تنتقل بدورها إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تتداول مقاطع فيديو يتم تحريرها وفبركتها لإشعال الموقف.

ويري "شانكار جها" أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تجاهل كل هذا خلال زيارته القصيرة للعاصمة نيودلهي مؤخرا، حيث اختار الرئيس الأمريكي غض الطرف عن دوامة العنف التي كانت تحتدم في أجزاء من العاصمة.

وأرجع " شانكار جها " السبب وراء اندلاع شرارة العنف الحالية ضد المسلمين إلى "كابيل ميشرا"، السياسي الشاب الطموح من حزب "بهاراتيا جاناتا" الذي خسر انتخابات مجلس ولاية دلهي، عن دائرة انتخابية فاز بها قبل خمس سنوات.

وذكر أن "ميشرا"، يسعي الآن إلى تعزيز موقعه داخل حزب بهاراتيا جاناتا، والانتقام من الناخبين المسلمين الذين يعتبرهم مسؤولين عن هزيمته لافتا إلى أن المحتجين السلميين ضد قانون تعديل الجنسية (CAA) والسجل الوطني للمواطنين (NRC) وغالبيتهم مسلمون يعدون هدفا مناسبا لهذا الانتقام.

ووفقا لـ شانكار جها " فقد بدأ "ميشرا" هجومه في 23 يناير/ كانون الثاني الماضي حيث نشر مجموعة من التغريدات حث فيها أبناء دائرته الانتخابية على التجمع بأعداد كبيرة في منطقة شاهين باغ صباح اليوم التالي.

ومنطقة شاهين باغ هي مقر اعتصام نساء مسلمات منذ 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي، احتجاجا على قانون الجنسية، في حركة أصبحت بمثابة المحفز الوطني للثورة ضد هذا القانون.

وفي غضون ساعات كانت جيوش الهندوس المتعصبين قد بدأت في مباغته المحتجين.

وبخلاف "ميشرا"، قام "أنوراغ ثاكور"، وهو وزير صغير في حكومة "مودي"، بإلقاء خطاب تحريضي حث فيه على "قتل جميع الخونة للأمة".

وفي توصيفه لمن هم "الخونة" قال "إنهم يضمون صفا طويلا يبدأ من رئيس وزراء باكستان عمران خان، إلى زعيم حزب المؤتمر راهول غاندي، ورئيس وزراء دلهي أرفيند كيجريوال، وكليهما من المعارضين لمودي".

وأضاف موضحا أن الخونة هم "المسلمون والماركسيون و"العلمانيون الزائفون"، الذين كانوا يلوحون بالعلم الهندي، مشيرا إلى المحتجين سلميا ضد قانون الجنسية.

وبدلا من معاقبة "ثاكور" أو التحقيق معه، قام "مودي"، بعد خمسة أيام بمكافأته بمنحه شرف الرد في البرلمان على خطاب الرئيس عشية عيد الجمهورية.

ودفعت موجة العنف الحالية، الأمين العام للأمم المتحدة، "أنطونيو جوتيريش"، إلى تجديد دعوته للسلطات الهندية بضبط النفس والامتناع عن العنف في التعامل مع الاحتجاجات ضد قانون الجنسية.

وطالب "جوتيريش" السلطات بـ"استلهام تعاليم المهاتما غاندي التي أصبحنا في أمَسّ الحاجة إليها" لكن حتى الآن يبدو أن تلك الدعوات وغيرها لم تلق أذان صاغية من رئيس الوزراء أو حزبه أو شرطته.

المصدر | الخليج الجديد