الأربعاء 11 مارس 2020 03:33 م

كان من البديهي أن تتجه أصابع الاتهام بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها رئيس الوزراء السوداني "عبدالله حمدوك"، عبر استهداف موكبه بسيارة ملغومة الإثنين الماضي إلى النظام السابق والدولة العميقة.

لكن اللافت أن كثيرا من المواطنين والمراقبين والمسؤولين السودانيين، أشاروا إلى وقوف جهات خارجية أخرى لها مصلحة في تغيير الوضع السياسي في البلاد لخدمة أغراضها الخاصة أو حلفائها الموجودين في السلطة داخل السودان.

وجاء الهجوم بالتزامن مع دعوات من جهات غير معلومة عبر مواقع التواصل دعت إلى تظاهرة مليونية لتفويض القوات المسلحة لاستلام السلطة بدعوى فشل الحكومة الانتقالية في انتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية على غرار ما جري في مصر قبل سنوات.

وتطرح هذه التطورات العديد من التكهنات حول أصحاب المصلحة في تقويض "حمدوك" وحكومته، وإذا ما كانت هناك جهات خارجية تسعى للتلاعب بتوازنات القوى الدقيقة لعملية الانتقال السياسي في السودان.

الجيش والنظام السابق

ليس بمستغرب على الإطلاق أن يتم اتهام عناصر النظام السابق بأن لها مصلحة مباشرة بالتخلص من "حمدوك"، بغية خلق حالة من الفوضى وإثارة الذعر في البلاد، بجانب الانتقام من السلطة الحالية التي أعلنت موافقتها على مثول من صدرت بحقهم أوامر اعتقال من المحكمة الدولية في لاهاي، ويشمل ذلك الرئيس السابق "عمر البشير"، باعتباره المتهم الأبرز في ارتكاب جرائم حرب في دارفور.

ويري مراقبون أن محاولة اغتيال "حمدوك" ربما يقف وراءها جنرالات عسكريون متواجدون في السلطة لا يحبذون منح السلطة أو حتى تقاسمهما مع المدنيين على غرار ما جرى في مصر قبل سنوات.

ووفق هذا السيناريو؛ فإن التقاسم الحالي للسلطة ما هو إلا خطوة مؤقتة لحين تدخل العسكريين بشكل لا رجعة فيه لاستعادة السلطة، مستغلين اغتيالات المسؤولين وغيرها من الحوادث المدبرة بهدف اقتناص السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد وتقويض النظام المدني.

ويسطر على مخيلة أنصار هذا السيناريو النموذج المصري، حيث رعى الجيش بذور غضب شعبي ضد الحكم المدني للرئيس الراحل "محمد مرسي"، ما مهد الطريق للانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال "عبدالفتاح السيسي".

ويشبه الكثيرون الفريق "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع في السودان بالرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" خاصة مع توالي تصريحاته حول عدم طمع الجيش في تولي السلطة، وهي تصريحات تشبه ما صدر عن "السيسي" قبل انقلابه على "مرسي".

وغير خاف على أحد أن حكومة "حمدوك" جاءت إلى السلطة بعد مفاوضات متوترة بين الجماعات العسكرية والتيارات المدنية التي كانت تقودها بشكل أساسي قوات الحرية والتغيير. 

ومن المفترض أن يقود "حمدوك" وحكومته البلاد إلى أول انتخابات حرة لها منذ أكثر من عقدين.

قوى إقليمية

وفي سياق متصل، يرى مراقبون أن هناك جهات إقليمية مثل الإمارات والسعودية ومصر لديهم ارتباطات قوية مع المكون العسكري في البلاد ولا يروق لهم وجود "حمدوك" أو أي قوى مدنية أو منتخبة أو ثورية مثل قوى الحرية والتغيير في السلطة في البلدان العربية.

وفى هذا الصدد نوه موقع "ميديا بارت" الفرنسي في تقريره له إلى احتمالية أن يكون استهداف "حمدوك" تم بواسطة قوى موالية لهذه الدول، مشيرا إلي إن السودان يعيش وضعا هشا وغامضا منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق "عمر البشير".

وتطرق الموقع إلى التكهنات المثارة بعد محاولة اغتيال "حمدوك" والتي ذهب بعضها إلى اتهام مصر والإمارات بالوقوف وراء المحاولة من خلال رجلهما في السودان "حميدتي".

لكن على الرغم من ذلك استبعد الموقع ضلوع "حميدتي" في هذا السيناريو، مذكرا بأن الأخير يبذل جهودا كبرى لتغيير صورته بمساعدة شركة روسية لتسويق صورة مدنية وإيجابية عنه.

وعقب الموقع أن "حميدتي" أذكي من أن يسيء لصورته خصوصا بعد أن كسب تعاطف جزء من الرأي العام في الفترة الأخيرة بالعديد من التصريحات التي تدعم ظاهريا الحكم المدني.

تكهنات

وفي تصريحات لـ"الجزيرة مباشر"، لفت وزير الإعلام في الحكومة السودانية "فيصل محمد صالح" إلى أمرين مهمين من وجهة نظره، أولهما أن هذا التكتكيك (تلغيم السيارات والعبوات الناسفة والاغتيالات) حديث على السودان، ولهذا فإنه إما أن يكون قد تم جلبه من الخارج، أو تم تنفيذه على يد أناس تلقوا تدريب على يد عناصر كانت في الخارج، وفقا لزعمه.

الأمر الثاني أن الفترة الماضية شهد تفكيك خليتين، وفي كليهما كانت هناك عناصر سودانية وعناصر أجنبية ولذلك يبقي هناك احتمال أن يكون هناك طرف أجنبي متورط في الأمر وفق لقوله.

ولم يستعبد وزير الإعلام السوداني أن يكون الهدف من محاولة اغتيال رئيس الوزراء هو "إجهاض الحكومة الانتقالية وتجربة الانتقال في السودان برمتها لأنه لا يراد لها النجاح من بعض أرباب المصالح، وداعميهم الإقليميين الذين لا يريدون لمثل هذا التجربة أن تنجح".

وعن المستفيدين من وراء هذا الحادث قال وزير الإعلام إن هناك "عناصر مرتبطة بالنظام القديم لديها مصالح سياسية واقتصادية اهتزت بسبب الثورة، كما لا يمكن استبعاد أن هناك قوي إقليمية ودولية متضررة من هذا النموذج ولا تريده أن ينجح".

وفى السياق ذاته؛ يرى مراقبون أن الحكومة السودانية رغم تعثرها من الناحية الاقتصادية إلا أنه حققت تقدما مطردا في ملف العدالة الانتقالية، سواء بتسليم المطلوبين للجنائية الدولية أو بتشكيلها للجان عليا للتحقيق في أعمال العنف المفرط ضد المدنيين في البلاد".

 

 

 

المصدر | الخليج الجديد