الثلاثاء 24 مارس 2020 03:18 م

تزداد المخاطر الاقتصادية المترتبة على تمدد فيروس "كورونا" بشكل يضغط بشدة على موازنات دول الخليج، التي ستجد نفسها مضطرة إلى السحب من احتياطياتها النقدية للتغلب على الأزمة الحالية. 

ومن تراجع الوظائف إلى زيادة البطالة، ومن انخفاض النمو إلى زيادة الديون، ومن خسائر "كورونا" إلى انهيار أسعار النفط، يبدو أن اقتصاديات دول الخليج بصدد التعرض لصدمة مالية عنيفة.

وتجمع أغلب دوائر المال والاقتصاد على عودة العجز الكبير بميزانيات الدول الخليجية، واحتمال توجهها للاقتراض من الخارج، واتباع إجراءات تقشفية؛ لمنع تعرض احتياطياتها النقدية لهزة مؤثرة.

في الوقت نفسه، تتعرض هذه الاحتياطات والأصول الأجنبية الخليجية لخسائر كبيرة بسبب انهيار أسواق المال العالمية، إضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة في البنوك الأوروبية والأمريكية؛ وهو ما يؤثر سلبا على الأموال الخليجية المودعة في تلك البنوك.

  • احتياطات في مهب الريح

تفيد البيانات الصادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) أن الأصول الاحتياطية للمملكة بلغت بنهاية سبتمبر/أيلول الماضي 1.904 تريليون ريال (507 مليارات دولار).

ووفق بيانات رسمية،  بلغت الأصول الاحتياطية الأجنبية لمصرف قطر المركزي في يونيو/حزيران 2019 حوالي 194.6 مليار ريال (54.45 مليار دولار).

وبلغ رصيد الإمارات من احتياطات النقد الأجنبي، 477 مليار درهم (129.84 مليار دولار)، حسب موقع المصرف المركزي الإلكتروني.

ووصل الاحتياطي النقدي الأجنبي لدولة الكويت إلى 11.51 مليار دينار (37.75 مليار دولار).

أما البحرين فقد وصلت قيمة الاحتياطي الأجنبي إلى 3.394 مليارات دولار، وفق بيانات حكومية.

وانخفض الاحتياطي الأجنبي لسلطنة عمان في يونيو/حزيران الماضي بنسبة 0.08 %، مسجلا 15.9 مليار دولار.

وسجل الاحتياطي الأجنبي الإجمالي لبلدان الخليج الست، بختام يونيو/حزيران الماضي، 728.644 مليار دولار، مقارنة بـ698.402 مليار دولار في الشهر نفسه من 2018.

وتستحوذ السعودية على 70.46% من إجمالي تلك الاحتياطات، تليها ثانيا الإمارات، ثم قطر، والكويت، وعمان، والبحرين.

  • هبوط وتآكل

وتنذر التطورات الأخيرة وعلى رأسها تفشي فيروس "كورونا"، وحرب النفط بين السعودية وروسيا، بموجة جديدة من التآكل للاحتياطات المالية التي راكمتها دول الخليج خلال العقود الماضية.

ووفق بيانات رسمية، تضع دول الخليج سعر برميل نفط يفوق 50 دولارا في مشاريع موازناتها للعام الجاري 2020، ورغم ذلك كان هناك عجز متوقع في ميزانيات معظم الدول؛ ما يعني أن السعر الحالي لخام برنت (حوالي 28 دولارا للبرميل)، سيكبد تلك الموازنات عجزا كبيرا.

وتذهب توقعات صادرة عن صندوق النقد الدولي في فبراير/شباط الماضي، إلى أن الاحتياطيات المالية لدول الخليج، يمكن أن تنفد خلال الـ15 عاما القادمة، إذا ما ظلت هذه الدول تعتمد على النفط كمورد أساسي لإيرداتها المالية.

وكان الصندوق قدر خسائر دول الخليج بسبب انهيار أسعار النفط منذ منتصف 2014 وحتى نهاية 2018، بنحو 300 مليار دولار، وهي خسائر قد تتكرر خلال عام واحد بفعل "كورونا" وحرب النفط الدائرة بين المنتجين.

  • دول مدينة

ورغم ذلك، فإن الأسوأ لم يأت بعد -على ما يبدو- حيث تحذر تقارير من أن تراجع الطلب على النفط قد يؤدي إلى تآكل ثروات دول الخليج بحلول عام 2034.

ويعني ذلك أنه إذا لم تتحرك هذه الدول، لإصلاح اقتصاداتها القائمة على البترول والغاز فستصبح من الدول المدينة، وفق تقديرات صندوق النقد.

ويتوقع الخبير بشؤون الخليج بجامعة كامبريدج "جون سفاكيانكس" أن تواجه اقتصاديات الخليج واحدة من أخطر وأهم الامتحانات التي واجهتها على مدار تاريخها.

ويرى "سفاكيانكس"، في حديث مع صحيفة "فايننشال تايمز"، أن "هزة أسعار النفط هي أخبار سيئة لدول الخليج؛ حيث ستتعرض الدعائم المالية لها للامتحان".

ويقول مدير تنفيذي لشركة عاملة في السعودية: "علينا أن نجهز أنفسنا لربط الأحزمة وكلنا سيقوم بتخفيض عملياته لأنني لا أعتقد أن عملاءنا سيدفعون لنا".

  • خزائن خاوية

يمكن أن تتسبب قرارات غير مدروسة مثل حرب النفط الدائرة الآن، إضافة إلى تمدد خطر "كورونا" حتى نهاية العام الجاري، في نفاد ما راكمته البنوك المركزية الخليجية من احتياطات مالية.

ويتوقع النقد الدولي أن إمكانات النمو العالمي ستكون "سلبية" للعام 2020، إضافة إلى توقع انكماش خطير على شاكلة ما حدث إبان الأزمة المالية العالمية، إن لم يكن أسوأ.

ويحذر المحلل الاقتصادي "ديفيد فيكلينغ" من أنه "إذا بلغت تكلفة النفط 20 دولارا للبرميل، فستنفد هذه الأصول بشكل أسرع، وستكون خزينة هذه البلدان خاوية بحلول عام 2027".

الخطورة مستقبلا أن الأجيال القادمة قد لا ترى الثروة التي تنعم بها دول الخليج اليوم، وقد يواجه مستقبل تلك البلدان أياما سوداوية، حسب شبكة "بلومبيرج" الأمريكية.

وتبدو الصورة أشد قتامة حال حدوث "السيناريو الأسود" لحرب النفط الدائرة الآن بين السعودية وروسيا، وانهيار سعر برميل النفط إلى ما دون عشرة دولارات للبرميل.

وهناك تداعيات سياسية واجتماعية ستترتب على تآكل وتبخر الاحتياطات المالية في دول الخليج، أخطرها حدوث اضطرابات في الشارع الخليجي، قد تهدد استقرار الأنظمة الحاكمة.

ومع تزايد عدد ضحايا "كورونا" (أكثر من 17 ألف وفاة ونحو 400 ألف إصابة)، وفرض حظر التجوال في عدد من الدول، والتوقف شبه التام لحركة الطيران والسفر، فإن دول الخليج ستمنى بخسائر فادحة، لا يمكن توقع حجمها، وستواصل إحراق احتياطاتها النقدية بوتيرة أكبر بكثير مما حدث خلال حقبة انخفاض أسعار النفط بين عامي 2014 و2018.

المصدر | الخليج الجديد