الأربعاء 25 مارس 2020 12:21 م

مع استمرار انتشار فيروس "كورونا"  إلى المزيد من البلدان حول العالم، لم تعد التوقعات الأولية حول الأضرار الاقتصادية مناسبة.

وتشير التقديرات الآن إلى انخفاض بنسبة 5-10% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي في الربع الذي بدأ فيه الفيروس في الانتشار، بينما لم يتم تحديد حجم التراجع في الربع القادم حيث سيظهر تفاعل المستهلكين والشركات مع التداعيات، ما يجعل من الصعب التنبؤ بالتداعيات الاقتصادية الكاملة.

ومع ذلك، قد يوفر انتعاش الصين معيارًا أفضل لما سيحدث في مكان آخر، لكن قلة من الدول الأخرى ستكون مستعدة أو قادرة على اتخاذ إجراءات قاسية لاحتواء الفيروس بسرعة وكفاءة.

التوقعات قاتمة

كانت التوقعات الاقتصادية المبكرة في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، عندما كان أثر الفيروس مقصورا على الصين في المقام الأول، تستند إلى تقديرات وباء السارس 2003 ووباء "H1N1" لعام 2009.

وتوقعت حدوث ضربة للناتج المحلي الإجمالي للصين خلال الربع الأول من العام، وفقدان حوالي 0.1% فقط من توقعات الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ولكن مع استمرار انتشار "كورونا" في المزيد من البلدان خارج الصين، تم إجراء عمليات محاكاة واسعة النطاق لتقييم الأثر الاقتصادي للوباء في جميع أنحاء العالم بدقة أكبر.

قدرت النماذج التي تستند إلى وباء إنفلونزا 1968-1969 في هونج كونج والتي كانت نسبة موت الحالات فيه 0.5% وقتلت مليون شخص في جميع أنحاء العالم، إجمالي الخسائر من جائحة "كورونا"  بنحو 2.3-2.7 تريليون دولار من 90 تريليون دولار تشكل اقتصاد العالم.

واستنادًا إلى جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، قدرت الجامعة الوطنية الأسترالية الخسائر الاقتصادية بأكثر من 9 تريليونات دولار، أو 10% من الناتج العالمي الاسمي.

ويكمن جوهر التداعيات في تأثير الوباء على طلب المستهلكين على السلع والخدمات، وهو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في معظم أنحاء العالم.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يشكل الاستهلاك المحلي 70% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن وسط جائحة "كورونا"، حتى الأشخاص الأصحاء قد يختارون الحد من الإنفاق بسبب المخاوف من الاختلاط الاجتماعي. 

سيؤدي الوباء أيضا إلى تقليص الشركات في جميع أنحاء العالم، نتيجة عدم قدرة بعض الشركات على سداد مبالغ قياسية من الديون، ولن تكون بعض الشركات قادرة على العمل دون زيادة تكاليف إعادة التمويل، وفي الوقت نفسه، ستضطر البلدان التي لديها ديناميكيات دين أقل ملاءمة مثل إيطاليا، إلى زيادة الإنفاق المالي، وستواجه بدورها مخاطر أكبر فيما يخص سداد ديونها.

ويمكن أن تكون حرب أسعار النفط الجديدة بين السعودية وروسيا مفيدة لمستوردي النفط، مثل الصين وأوروبا واليابان، لكن التأثير الإجمالي لا يزال غير محدد، حيث سيتم تعويض انخفاضات الأسعار في نهاية المطاف بعدد أقل من البراميل التي يتم استيرادها يوميًا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن انخفاض أسعار النفط وتراجع الزيادات في الأجور في العديد من البلدان نظرًا لتراجع الطلب على العمالة سيزيد من خطر التضخم السلبي أو الانكماش.

الآثار الإقليمية

كما هو الحال مع الأنماط العالمية، فإن التأثيرات الاقتصادية الإقليمية والقُطرية والسياسات المالية التي يتم وضعها للمساعدة في كبح آثار"كورونا" لا تزال متقلبة.

الصين

في حين أنه لن يتم الإبلاغ عن البيانات الاقتصادية الإجمالية حتى منتصف أبريل/نيسان، فإن الانكماش على أساس سنوي في الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الأول من عام 2020 يكاد يكون مؤكدًا في هذه المرحلة.

بدأت الصين، التي استأثرت بثلث النمو العالمي لعام 2019، تعاني من تراجع ​​النمو منذ بداية العام عندما بدأ "كورونا" في الانتشار في البلاد.

بين يناير/كانون الثاني، وفبراير/شباط، انخفض الناتج الصناعي للبلاد بنسبة 13.5%، وانخفضت مبيعات التجزئة بنسبة 20%، وانخفضت الاستثمارات في المباني والآلات بنسبة 24.5%، وقفز معدل البطالة إلى مستوى قياسي بلغ 6.2%، ويتزامن ذلك حاليا مع تراجع الطلب الأجنبي، حيث يستمر الفيروس في الانتشار دوليًا.

هناك أدلة على أن وباء الصين يتباطأ وأن البلد يعود الآن إلى العمل، مع تقديرات تفيد بأن 80-85% من نشاط الأعمال قد استؤنف، ومع ذلك، فإن هذه التقديرات غير مدعومة بالكامل بالبيانات الثانوية، مثل الازدحام المروري. كما أن المخاوف القديمة بشأن دقة التقارير الصينية ستكون حاضرة مع أي تقييم تصدره الحكومة.

كما أعلنت بكين مؤخرًا عن تخفيضات ضريبية واستثمارات جديدة يبلغ مجموعها حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي للمساعدة في تعزيز اقتصادها، ولكن هدف النمو الذي حددته الحكومة بنسبة 6% لعام 2020 قد يكون بعيد المنال دون مزيد من التحفيز.

وقد تؤدي سياسات التحفيز التي تتبعها بكين إلى زيادة الطلب المحلي بشكل مؤقت، لكنها تساهم في المشكلات الهيكلية طويلة المدى، بما في ذلك استمرار تراكم الديون المحلية التي لا يمكن تحملها، والتي يمكن أن تصبح عبئًا على النمو المستقبلي.

الولايات المتحدة

هناك الآن إجماع واسع على أن الولايات المتحدة الآن على حافة الركود في المدى القصير على الأقل، (أو أنها دخلت بالفعل في هذه الحالة) مع اقتراب النمو في الربع الأول من الصفر متبوعًا بانخفاض متوقع في الربع الثاني، وسط أزمة العرض، والذعر في الأسواق المالية، والانهيار المستمر لأنشطة السفر والترفيه.

أظهر أحدث استطلاع للاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أجرته "إمبير" للتصنيع أن مؤشر ظروف العمل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 34.4 نقطة في مارس/آذار، مما يعني أن الركود قد بدأ.

كما ارتفع مؤشر التقلب في بورصة شيكاغو، والمعروف باسم "مقياس الخوف"، إلى أكثر من ستة أضعاف حتى الآن.

وأفادت وزارة العمل الأمريكية في 19 مارس/آذار، أن المطالبات ببدل البطالة ارتفعت من 70 ألفا إلى 281 ألفا مقارنة بالأسبوع السابق، ويتوقع أن يقفز هذا الرقم بما لا يقل عن مليوني شخص في التقرير التالي في 26 مارس/آذار.

تستغرق طبيعة السياسة الأمريكية بعض الوقت لإصدار قرارات بشأن السياسة المالية، ما يؤدي إلى تأخيرات حتمية في التنفيذ، في أفضل السيناريوهات، سوف ينتعش النشاط الاقتصادي الأمريكي في نهاية الربع الثاني مع بدء إجراءات التحفيز المالي والنقدي. لكن هذه الإجراءات قد تؤدي أيضًا إلى تضخم.

أوروبا

مع إغلاق فرنسا وإيطاليا وإسبانيا بالكامل تقريبًا في المستقبل المنظور، ستكون الضربة على النمو الاقتصادي الأوروبي هائلة.

تقدر المفوضية الأوروبية بالفعل أن الناتج المحلي الإجمالي سينخفض ​​بنسبة 2.5% من زيادة بنحو 1.5% في عام 2019.

انخفض مؤشر "ZEW" الاقتصادي الألماني لشهر مارس/آذار بمقدار 58 نقطة وهو أكبر انخفاض في تاريخ المؤشر منذ 30 عامًا تقريبًا.

أبلغ رئيس البنك المركزي الأوروبي الزعماء الأوروبيين أن إغلاق اقتصادات الاتحاد الأوروبي لمدة شهر واحد لاحتواء الفيروس سيقلل نمو منطقة اليورو 2% من توقعات البنك المركزي الأولية للنمو بنسبة 0.8% لعام 2020، وأن الإغلاق لمدة 3 أشهر سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج بنسبة 5%.

بالنسبة للمملكة المتحدة، تشير التقديرات إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى تقليل الإنتاج المحتمل للبلاد إلى النصف هذا العام، لكن التأثير الذي لم يتحقق بعد من مغادرة السوق المشتركة للاتحاد الأوروبي سيزيد الآن من خلال الانخفاض في الاستهلاك والاستثمار المرتبط بالفيروس.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

سيؤثر انخفاض أسعار النفط، إلى جانب انخفاض أسعار السياحة ومعدلات الاستهلاك المحلي بسبب "كورونا"، على اقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما يمكن للانفصال الأخير لتحالف "أوبك+" أن يجعل التأثير أكثر دواما.

سوف يساهم "كورونا" في تسريع وتيرة الانهيار الاقتصادي في دول مثل لبنان والعراق مع الأزمات المالية والديون القائمة، سيضطر لبنان، على وجه الخصوص، إلى النظر في قرض من صندوق النقد الدولي للتعامل مع قضايا الديون الضخمة.

سوف يعمل الوباء على إدخال الاقتصادات الرئيسية في المنطقة، مثل مصر وتركيا، إلى الركود من خلال تقليص الاستهلاك والسياحة والطلب على القطاع الصناعي.

يمكن أن تشهد تركيا وحدها تراجعا في ناتجها المحلي الإجمالي بأكثر من 15% بحلول يونيو/حزيران، ما يزيد من الضغط على الليرة، العملة الوطنية للبلاد، والمخاوف بشأن ديون الشركات.

سوف تتصادم فترة التعافي غير المؤكدة من تفشي "كورونا" مع فترة انخفاض أسعار النفط. سيؤدي ذلك إلى إبطاء وتيرة الإصلاح الاقتصادي والتنويع في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في دول الخليج العربي، ومن المرجح أن تضطر السعودية والبحرين وعمان، على وجه الخصوص، إلى السحب من الاحتياطيات المالية، وتحصيل المزيد من الديون وتأخير الاستثمارات الرأسمالية.

ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل؟

للتخفيف من الضربة الاقتصادية لوباء "كورونا"، تقوم البنوك المركزية حول العالم بما في ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي بإعادة توجيه استراتيجياتها بعيدًا عن الائتمان الأرخص من خلال أسعار الفائدة.

وتهدف هذه الجهود إلى توفير السيولة في حالات الجفاف في السوق، يمكن أن يساعد ذلك في تخفيف الضغط على ميزانيات الشركات وسط انخفاض الربحية من المبيعات والإيرادات.

لكن التغييرات في السياسات المالية الوطنية أكثر أهمية على المدى القصير لتعويض انخفاض الطلب وخسائر الدخل، تقدم بعض البلدان ضمانات الإقراض والائتمان للشركات إلى جانب الإعفاء الضريبي المؤقت للأسر.

سوف تؤدي عمليات التسريح المحتملة للعمال والتي تلوح في الأفق إلى اتخاذ إجراءات مالية صارمة، مثل المدفوعات للمستهلكين، حتى لو زاد العجز الحكومي مؤقتًا بمبالغ ضخمة، ولكن من الصعب قياس مدة وتأثير مثل هذه السياسات المالية على سلوك المستهلك العالمي، خاصة إذا زادت المدخرات الاحترازية، من غير الواضح أيضًا إلى متى ستستمر اضطرابات سلسلة التوريد.

ما الذي يجب مراقبته؟

عند تقييم الأثر الاقتصادي العام لوباء "كورونا"، هناك العديد من العوامل الرئيسية التي تعقد التوقعات الاقتصادية الحالية لـ "كورونا":

غالبًا ما تتأخر البيانات الثابتة عن الوقت الفعلي في مثل هذه الأحداث العالمية، مما يخلق لقطة بأثر رجعي للظروف السابقة.

تعد أسواق الأسهم دليلاً لتوقعات المستثمرين لأرباح الشركات، لكن التقلبات اليومية في السوق تعكس المخاوف، ما يجعل التحركات قصيرة المدى مؤشرًا غير موثوق به للتوقعات الاقتصادية العامة، وبالتالي، فإن الاتجاهات طويلة المدى غالبًا ما تكون مقياسًا أكثر دقة. 

وبالإضافة إلى التوقعات الاقتصادية، هناك العديد من الديناميكيات والتطورات الرئيسية الأخرى التي يجب مراقبتها على مدار الأشهر القليلة المقبلة للتعرف على كيفية تشكيل "كورونا" للنتائج العالمية، ويشمل ذلك ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

- انتشار الفيروس عبر الولايات المتحدة والدرجة التي يعجل بها في المزيد من استراتيجيات الاحتواء الصارمة، وكذلك الوقت الذي يستغرقه للسيطرة على تفشي المرض في الولايات المتحدة.

- استمرار الفيروس في فصل الصيف أم عدم استمراره، حيث تفترض العديد من التوقعات الاقتصادية الأساسية أن الوباء موسمي ويتبع النمط الوبائي الذي لوحظ في الصين، والذي يتسارع ويبلغ ذروته على مدى شهرين قبل انحساره.

- تفشي المرض على نطاق أوسع في بلدان جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث توجد أنظمة رعاية صحية هشّة بالفعل.

- سرعة ونطاق استجابات السياسة الحكومية العالمية لدعم دخل الأسرة والأعمال، والبنوك المركزية للحد من الاضطرابات المالية.

- سرعة الانتعاش في الصين، كمؤشر رئيسي على مدى سرعة عودة الاقتصادات إلى وضعها الطبيعي، بالرغم أن الاقتصاد الصيني الموجه للتصدير سيكافح مع استمرار انخفاض الطلب في بقية العالم.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد