الجمعة 27 مارس 2020 12:04 م

لسنوات، عززت طهران جهودها لتطوير التكنولوجيا النووية والجيوش الميدانية للجماعات المسلحة الموالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط مما أثار الفزع والغضب بين قادة المنطقة ومسؤولي واشنطن، ولكن يوجد الآن سبب آخر للخوف لأولئك الذين يخافون ويحتقرون إيران.

لا علاقة للشيء الأكثر رعبا الذي يخرج من إيران الآن بأهداف النظام في طهران. أصبحت إيران مع اقتصادها ونظام الرعاية الصحية الذي عطلته عقود من العقوبات بؤرة في الشرق الأوسط لوباء "كورونا". ويراقب جيران إيران كيف أن دولة تمددت لفترة طويلة في العالم العربي لم تكن قوية بما يكفي لمساعدة نفسها.

لا شك أن تفشي الفيروس في الشرق الأوسط لم يكن ليصبح بهذا السوء إذا كانت إيران بدون العقوبات، ولا تزال إدارة "دونالد ترامب" عازمة على متابعة العقوبات بالرغم من الضرورة الإنسانية لمساعدة البلدان التي تكافح ضد الوباء. 

تفتقر إيران للعديد من الأجهزة والكوادر الصحية. ومن الصعب تمييز الآثار التي فرضتها العقوبات عن غيرها التي لا تقل خطورة. على سبيل المثال كم عدد الأطباء المحتملين والمتخصصين في الرعاية الصحية الذين غادروا إيران على مر السنين إلى بلدان أخرى سعيا للحصول على فرصة أفضل؟ ولو بقوا على أمل حياة مزدهرة لهم ولعائلاتهم، كم عدد الأرواح التي كان يمكن أن ينقذوها الآن؟

ومع ذلك، عندما تقوم بحساب الأضرار الناجمة عن العقوبات، فإن الخلاصة هي أن إيران وجيرانها، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، يواجهون خطرًا أكبر حتى مع وجود نظام اقتصادي فعال. ويمثل ذلك حقيقة جيوسياسية جديدة.

إن إبقاء الدول ضعيفة مع تكتيكات مثل العقوبات والحروب بالوكالة، هو نهج قياسي للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه قائمة طويلة من الأعداء على مر السنين، وهذا الأمر يمثل الآن تحديا رئيسيا للأمن الدولي بدلاً من تحقيقه لمكاسب جيوسياسية محتملة ضمن بعض الاستراتيجيات العظمى.

لم يعد بمقدور الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى النظر إلى العالم كنوع من رقعة الشطرنج حيث تقوض الدول المتنافسة بعضها البعض في سعيها للحصول على المكاسب مثل الأسواق والموارد الطبيعية. حيث تحتاج جميع الدول، بغض النظر عن طبيعتها، إلى أن تكون قادرة على تطوير القدرات للتعامل مع الأزمات العابرة للحدود مثل الوباء الحالي.

إن تفشي الفيروس غير مسبوق ولكن لا يمكن التنبؤ به. وقد حذر باحثو الصحة العامة منذ فترة طويلة من أن خطر تفشي الأمراض المعدية يزداد في جميع أنحاء العالم. يساعد التحضر والهجرة والأسواق المترابطة ومقاومة المضادات الحيوية ومجموعة من العوامل الأخرى في خلق بيئة مناسبة لانتشار أمراض مثل "كورونا" وبهذا النوع من الشراسة المفاجئة التي شهدناها في الأشهر الأخيرة.

إن تفرد حجم وتأثير "كورونا" لا يمكن إنكاره، لكن المشكلة الأساسية التي يمثلها للحكومات ليست جديدة. توجد معضلات مماثلة في شكل تهديدات عابرة للحدود مثل الاتجار بالبشر والإرهاب والانتشار النووي وتغير المناخ.

ومثل الأوبئة، تتحدى هذه الأنواع من التهديدات المفاهيم التقليدية للأمن القومي لأنه لا توجد دولة واحدة تنتجها، ولا يمكن لأي دولة أن توقفها بمفردها. والأهم من ذلك، أن الأمل الوحيد للتصدي لمثل هذه التهديدات هو التعاون الفعال بين الدول ذات القدرات العالية. وهذا يعني أن البلدان ذات الاقتصادات السليمة وأسواق العمل والحكومات لابد أن تكون قادرة على حشد الموارد وإدارة المنافع العامة بشكل فعال.

يسلط الصراع المستمر بين واشنطن وطهران الضوء على مفارقة الدول التي تسعى إلى إضعاف أو شل بعضها البعض بينما تحتاج إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى.

لكن منطق التخلي عن التنافس الجيوسياسي يمتد إلى دول أخرى أيضًا.

تمثل كل الطاقات والموارد التي تنفقها الهند وباكستان في مواجهة بعضهما البعض حول كشمير الآن موارد ضائعة في معركة وجودية ضد "كورونا". وعلى سبيل المثال فإن أي هجوم قد تطلقه موسكو على أوكرانيا يفتح الطريق أمام العدوى لتصل عبر الحدود الروسية.

لا يعني هذا أن "كورونا" سيسمح للدول بترك خلافاتها جانبا. لن تتلاشى الخصومات والأعمال العدائية بسبب الوباء، لكن الجهود المنسقة لإضعاف الدول بشكل منهجي لم يعد من الممكن اعتبارها حوكمة مسؤولة من قبل القادة الوطنيين.

لقد عفا الزمن على الاستراتيجيات الجيوسياسية العدائية البحتة مثل التي تتبعها الولايات المتحدة ضد إيران. يعترف الكثير من صانعي السياسة في واشنطن بالفعل بهذا من حيث المبدأ، ولهذا السبب تختار الولايات المتحدة التعاون مع باكستان بدلاً من مواجهة دولة "لها تاريخ في دعم الإرهاب" ونشر تكنولوجيا الأسلحة النووية.

وتعتبر العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان نموذجا للعلاقة المعقدة. فلا يمكن اعتبارهما حلفاء أو أعداء. ومنذ عام 2002، قدمت الولايات المتحدة لباكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات، وهو مبلغ خصص الكثير منه لمكافحة الإرهاب. لكن على مر السنين اشتكى المسؤولون العسكريون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا من أن باكستان تساعد "طالبان" والجماعات المسلحة الأخرى التي تهاجم القوات الأمريكية في أفغانستان.

من جانبهم، عبّر القادة الباكستانيون عن غضبهم من مئات الغارات الأمريكية بطائرات بدون طيار في بلادهم على مر السنين وغيرها من الإجراءات الأمريكية المرفوضة بالنسبة لهم. ربما لا يوجد شيء يوضح الطبيعة المشحونة للعلاقة أكثر من حقيقة أن الغارة الأمريكية عام 2011 في باكستان التي قتلت "أسامة بن لادن" حدثت بدون تعاون باكستاني.

تكشف النظرة الصادقة للعلاقات الأمريكية الباكستانية عن وجود دولتين تشتركان في الأعمال العدائية والمصالح المشتركة في نفس الوقت. ولكن بالرغم من العديد من المشاكل الخطيرة، ظلت ثلاث إدارات أمريكية متتالية حتى الآن ملتزمة بالتعامل مع باكستان. والسبب بسيط إن جعل باكستان عدواً صريحاً هو أخطر بكثير من جعل باكستان شريكاً صعباً ضد تهديد الإرهاب العابر للحدود.

يجب على الولايات المتحدة تطبيق نفس المنطق على علاقتها مع إيران ومع كل دولة أخرى. إن كتاب اللعب القديم للولايات المتحدة، الذي يعتمد على تقويض واستعداء الأمم على أمل أن تتغير أو تنهار، يشكل الآن مخاطر تفوق أي أمل في الفوائد المستقبلية.

قد يرغب المسؤولون الأمريكيون في تغيير طبيعة وسلوكيات حكومة معينة، لكن هناك طرق لمتابعة ذلك بطريقة سلمية.

لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل المخاطر التي تشكلها الخلافات التي لا نهاية لها والتي تترك دولاً مثل إيران غير قادرة على أن تكون شريكة عند الحاجة. وسيكون من الحكمة جعل هذا الدرس المبكر لوباء "كورونا" مبدأً حاكماً جديدا في السياسة الأمريكية.

المصدر | مارك كوكيس/ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد