عرض وترجمة: الخليج الجديد

الخلاصة: ربما يأتي يوم يندم فيه الخليجيون على استثماراتهم في مصر، لكنهم الآن لا يزالون ثابتين في دعمهم للقاهرة، بحسب ما يرى «ستيفن كوك». وقد لا تكون هناك شروط صريحة للتمويل المتدفق على مصر من السعودية والإمارات والكويت، لكن هناك بالتأكيد توقع أن تصطف مواقف مصر من القضايا الإقليمية الهامة بشكل وثيق مع مواقف الخليج؛ فالكاتب يؤكد أن التمويل الخليجي ليس فقط لإبقاء الاقتصاد المصري واقفا على قدميه، لكن أيضا لضمان أن مصر تتبع مسارا سياسيا لا يشكل تهديدالمصالح تلك الدول.

 

بقلم ستيفين كوك

يوم الجمعة الماضي (9 مايو)، أوردت النسخة الإلكترونية من صحيفة الأهرام المصرية، أن مصر تُبَطِئ مدفوعاتها السلعية، خاصة المواد الغذائية. يبدو أن احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية البالغة حاليا 17 مليار دولار تعني أن مصر اقتربت من أدنى مستوى للاحتياطيات اللازمة لتغطية وارداتها مدة 3-4 أشهر، وأصبح البنك المركزي «حذِرا بشكل خاص» فيما يتعلق بتخصيص هذه الأموال.

عند إذاعة هذه الأخبار، كتب مسؤول سابق بصندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأميركية إليّ يقول: «هكذا يبدأ ... البنك المركزي عليه أن يجري توازنا دقيقا ... يمسك المدفوعات طويلا جدا فَيُلام على ذلك، لكنه يحتاج لإبطاء استنزاف الاحتياطي الأجنبي ... غالبا ما نرى هذا مبكرا في أزمات الأسواق الناشئة».

كان هناك بعض الكلام اللذيذ مؤخرا، وأبرزه من مديرة صندوق النقد الدولي «كريستين لاغارد»، حول الوضع المالي في مصر، لكن يبدو واضحا أن المصريين سيحتاجون مساعدة إضافية. سيكون رعاتهم المرجحون السعوديين والإماراتيين والكويتيين الذين صبوا في مصر 12 مليار دولار في مختلف الأشكال بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وفي اعتراف ضمني بأن الاقتصاد المصري بحالة كارثية، التزمت الدول الخليجية الثلاث بحوالي 8 مليارات دولار إضافية.

ربما يوم يندم فيه الخليجيون على استثماراتهم بمصر، لكنهم الآن لا يزالون ثابتين في دعمهم للقاهرة. صحيح أن بعض مواطنيهم يتذمر في الجلسات الخاصة ويصرح علنا ​​أنهم لن يستمروا يصبون الأموال في ثقب أسود، لكن الآن، على الأقل، تستمر المساعدة في التدفق. التمويل الخليجي ليس فقط لإبقاء الاقتصاد المصري واقفا على قدميه، لكن أيضا لضمان أن مصر تتبع مسارا سياسيا معينا، لا يشكل تهديدا للسعوديين والإماراتيين والكويتيين في مصالحهم الاستراتيجية المشتركة.

المصريون يجدون أنفسهم في موقف يُحتمل أن يكون مُربكا وربما مفيدا نتيجة مساعدات الخليج. منذ سقوط مبارك، المسؤولون والمسؤولون المحتملون بمصر سواء كانوا من رجال النظام القديم أو الإخوان المسلمين أو ضباط الجيش أو الناصريين الجدد أو كبار رجال الأعمال أو غيرهم، سعوا يائسين لربط أنفسهم بالثورة.

لكن المذهل عدد الشخصيات غير الثورية التي أعلنت رغبتها في «حماية الثورة»، لكن هذه هي السياسة. لا أحد في مصر يبدو، على الأقل، مستعدا ليصرخ فيهم حول هذا الأمر أو يشير إلى أنه بينما تُلمِّع هذه الشخصيات كلماتها ببلاغة عن الديمقراطية والتمكين الوطني، أصبحت مصر تعتمد على تمويل بلدان ليس لها سجل عظيم في دعم أنظمة سياسية أكثر انفتاحا. أيبدو هذا محرجا، لا؟ أم أنه مجرد هذا أنا؟ بعد أقل من عام على انقلاب 3 يوليو والالتزام السعودي الإماراتي الكويتي الرئيسي، لم تدفع الحكومة المصرية المؤقتة والرئيس المفترض، المشير (المتقاعد) «عبد الفتاح السيسي»، ثمنا سياسيا لعلاقة القاهرة بدول الخليج الرئيسة. حتى المرشح الرئاسي «حمدين صباحي»، أحد الأتباع المعلنين لـ«جمال عبد الناصر»، الذي ذهب أساسا إلى الحرب ضد السعودية في اليمن في الستينات الماضية، سجل موقفه مشيدا بالرياض وأبوظبي لدعمهما.

يُرجَّح أن هذا نتيجة لإقرار واسع النطاق بصعوبة ظروف مصر الاقتصادية وأهمية المساعدة في الحفاظ على الاقتصاد المصري واقفا على قدميه. يبدو المصريون ممتنين حقا للمساعدة. قد يكون الأمر فعلا أن السعودية والإمارات والكويت هي التالية على قائمة القوى الخارجية التي مولت مسعى مصر نحو التحديث والتطوير. لم تنته المحاولات بشكل جيد بالنسبة للبريطانيين والسوفيات والأميركيين. ربما ستختلف في حالة دول الخليج لأنها «شقيقة»، على حد تعبير «صباحي»، لكن أظن أنها لن تختلف. في هذه اللحظة، هناك التقاء مصالح بين مصر والسعودية والإمارات والكويت، لكن هذه المصالح قد تتغير أو تتباعد وجهات النظر حول أفضل السبل لتحقيق هذه المصالح بمرور الوقت.

كذلك يتخذ المصريون موقفا مستَفزا إزاء أي إشارة لاعتمادهم على الخليج. سيشيرون سريعا إلى أن السعوديين والإماراتيين والكويتيين يحتاجون مصر لأمنهم. في مقابلة مع صحيفة السفير اللبنانية، أعلن «صباحي»: نحن نقدر هذه المساعدة (المالية)، لكن أنا لا أسميها هدايا. فما دفع دول الخليج نحو مصر هو تعبير عن مصالح هذه الدول، لأن مصر ... من خلال مواجهة الإخوان المسلمين قد خفضت الخطر ليس فقط على الدولة المصرية بل أيضا على الأنظمة العربية، بما في ذلك تلك التي في الخليج. هذه هي نفس المشاعر التي يسمعها المرء من ممثلي الحكومة وآخرين ضمن نطاق النخبة في مصر، لكن يبدو أن المهم ليس فقط ما تقوم به مصر في الداخل.

يقال في القاهرة أنه كانت هناك بعض مناقشات أولية بين القادة المصريين والخليجيين حول كيفية جلب مصر إلى ترتيبات أمن الخليج. هناك سابقة لهذا النوع من الأمور. في 2011، بعد دفع «زين العابدين بن علي» و«حسني مبارك» خارج السلطة، دعت دول الخليج الأردن والمغرب لتصبحا جزءا من مجلس التعاون الخليجي في وقت ما بالمستقبل، وقد سعى الخليجيون سابقا لشراء الدعم والتعاون العسكري المصري والسوري من خلال إعلان دمشق (مارس 1991). تراجعت دول الخليج عن الاتفاق، وفضلت بدلا منه أن تعهد بأمنها حصريا إلى الولايات المتحدة. ليس واضحا ما إذا كان المصريون ودول الخليج مهتمين فعلا باسترجاع نوع من إعلان دمشق، لكن بأي حال، يحمل اعتماد مصر على الخليج مخاطر كبيرة لسياسات القاهرة الخارجية والأمنية.

قد لا تكون هناك شروط صريحة للتمويل من السعودية والإمارات والكويت، لكن هناك بالتأكيد توقع أن تصطف مواقف مصر من القضايا الإقليمية الهامة بشكل وثيق مع مواقف الخليج. في القضايا ذات الأهمية القصوى لدول الخليج، يبدو أن هناك تفاهم ضمني بأن تدفقات المساعدات تعتمد على حملة قمع الإخوان والمساعدة في مواجهة التهديد الإيراني. هذا هو الميل الطبيعي لأولئك الذين هم حاليا في السلطة بالقاهرة، مما يقلل من احتمال الضغوط والتوترات السياسية حتى من الشروط غير المبيَّنة، لكن من الواضح أن دول الخليج تتوقع شيئا مقابل كرمها. يشكل وجود شروط غير رسمية مخاطر إضافية لمصر. باستثناء تصريح أدلى به «حسني مبارك» في 2006 حول كون الشيعة العرب أكثر ولاء لإيران منهم لبلدانهم خلال مقابلة مع قناة العربية، لم تقارب مصر أبدا المشكلات والصراعات الإقليمية بالطريقة الطائفية الصريحة التي تشكل السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي السعودية، على وجه الخصوص. الحصول على تمويل مقابل التنسيق الاستراتيجي الضيق مع دول الخليج قد يجر المصريين إلى ما تبدو رؤية سعودية مَرَضية أحادية البعد للعالم باعتباره سنة ضد شيعة.

هذا لا يمكن أن يكون جيدا لمصر. بالتأكيد، يواجه المصريون مشكلات اقتصادية شاقة بل مخيفة، دفعت بهم إلى أحضان دول الخليج للحصول على المساعدة. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تساعد – فمواردها قليلة وتقديم مساعدات إضافية لمصر عبء سياسي لا تحتمله واشنطن. مع ذلك يحتاج المصريون أن يتوخوا الحذر. الانضمام إلى الفريق السعودي/الإماراتي/الكويتي يضحي برغبة القاهرة في انتهاج سياسة خارجية مستقلة تستعيد يوما من الأيام ما يعتقد كثيرون في مصر أنه مكانها الطبيعي الرائد في المنطقة.■

 

طالع النص الأصلي: Egypt and the Gulf: When a Free Lunch Is Not Free