لماذا تسعى مصر للحصول على قروض إضافية من مؤسسات دولية بما يزيد على 9 مليارات دولار بعد يومين فقط من موافقة صندوق النقد الدولي على منحها قرضاً طارئاً بقيمة 2.77 مليار دولار للتعامل مع تأثير وباء "كورونا"؟

تصدر مضمون هذا السؤال تعليقات المهتمين بالشأن المصري عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، منذ نقلت وكالة "بلومبرج" الأمريكية عن مسؤول مصري، طلب عدم ذكر اسمه، أن مصر تستهدف الحصول على أكثر من 5 مليارات إضافية من صندوق النقد، إضافة إلى 4 مليارات دولار من مؤسسات دولية أخرى.

ووفقاً للمسؤول ذاته، فإن مصر تستهدف أن يكون إجمالي ما حصلت عليه من الصندوق 8.5 مليار دولار في إطار جهودها لمواجهة تداعيات فيروس "كورونا"، وهو ما يتناقض مع تصريح لمحافظ البنك المركزي "طارق عامر"، قبل نحو 3 أشهر فقط، أكد فيه أن مصر رفضت عرضا من صندوق النقد الدولي بتقديم تمويل جديد لأنها ليست بحاجة له في ظل تحسن وضعها الاقتصادي، وفقا لما أوردته قناة "دي إم سي"، التابعة للمخابرات المصرية.

وأكد "عامر" آنذاك أن مصر لن تذهب لصندوق النقد مرة أخرى للحصول على أي تمويل جديد، ولكنها ستتوجه إلى سوق الديون الدولية مباشرة، اختصارا للإجراءات التي يتطلبها الصندوق، إذ "يمكن التواصل مع السوق الدولية في يوم واحد، بل يمكن إنهاء التواصل مع السوق الدولية عبر مكالمة هاتفية"، حسب قوله.

 

 

هذا التناقض عزز حالة الدهشة في تعليقات مراقبي الشأن المصري، خاصة في ظل تزامنه مع إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع حجم الديون الخارجية المستحقة على مصر بواقع 3.31 مليار دولار، خلال الربع الأخير من العام الماضي، واستحواذ الديون طويلة الأجل على نسبة 89.9% من إجمالي الدين الخارجي المصري، بقيمة تبلغ 101.4 مليار دولار، إضافة إلى سابقة حصول مصر على قرض من صندوق النقد بقيمة 12 مليار دولار، بنهاية عام 2016 في إطار برنامج إصلاح اقتصادي لمدة 3 سنوات، تضمن زيادات ضريبية وتقليص الدعم.

وتمحورت حالة الدهشة حول سؤال مفاده: إذا كانت أزمة "كورونا" مبررا للاقتراض مجددا، فلماذا لم يتقصر التوجه المصري على سندات السوق الدولية كما صرح "عامر" نفسه؟

تآكل الاحتياطي النقدي

يرتبط الجواب غالبا بالتدفق المفاجئ لأغلب الموارد الدولارية للاقتصاد المصري مع أزمة "كورونا"، وهو ما يضع قيودا متزايدا على الدولة للوفاء بفاتورة الواردات الغذائية والدوائية الخاصة بها، في الوقت الذي تحتاج فيه القاهرة إلى أموال كثيرة لإنعاش القطاع الصحي المتهالك.

وتستورد مصر ما قيمته 5 مليارات دولار شهريا في المتوسط من السلع والمنتجات، بإجمالي سنوي يقدر بأكثر من 55 مليار دولار، وبذلك باتت حاجتها للعملة الصعبة مضاعفة، وهو ما يمكن الوفاء به من مؤسسات التمويل الدولية، لكن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد التي يسببها نقص الموارد الدولارية التقليدية مثل عائدات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج تسببت في خفض التصنيف الائتماني للبلاد مجددا، بما يضعف من قدرتها على الاقتراض من السوق الدولية ويزيد من معدلات الفائدة على الديون المصرية.

ونتيجة لذلك، يظل صندوق النقد هو الملاذ الأخيرة للقاهرة للحصول على التمويل اللازم، واستصدار شهادة ثقة جديدة حول كفاءة الاقتصاد المصري وجدارته بالثقة.

وقد حاولت القاهرة في بداية أزمة "كورونا" اللجوء إلى الاحتياطي النقدي على أمل انتهاء تفشي الوباء خلال فترة قليلة، لكن الحقيقة كانت أن مصر فقدت نحو 8.5 مليار دولار من احتياطي العملات الأجنبية المتوافرة لدى البنك المركزي خلال شهرين، حيث بلغ حجم الاحتياطي في نهاية أبريل/نيسان الماضي 37 مليار دولار، هبوطاً من 45.5 مليار دولار في نهاية فبراير/شباط.

وبإضافة التزام مصر بسداد نحو 28 مليار دولار من الديون (منها 17.5 مليار دولار عبارة عن أقساط وفوائد الدين الخارجي، ونحو 10 مليارات دولار ودائع مستحقة، بحسب تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي المصري) خلال الأشهر المقبلة، فإن حجم السيولة النقدية الحقيقية التي تملكها البلاد تكفي بالكاد لتغطية الواردات الأساسية لمدة شهرين إلى 3 أشهر.

ونتيجة لذلك، يبدو أن الحكومة المصرية لا تمتلك أي بدائل سوى الدخول في دائرة مفرغة من القروض لدعم احتياطاتها النقدية، حسب تقدير الخبير الاقتصادي "مصطفى شاهين"، مشيرا إلى رفع سعر الفائدة على الودائع إلى 14% بعد خفضها إلى 10.25% وتخصيص شهادات بفائدة 14% للجم الاندفاع لاقتناء الدولار، وفقا لما أوردته قناة "الجزيرة".

إدمان الاقتراض

لكن اللجوء إلى صندوق النقد يستلزم إجراء مفاوضات تفصيلية من أجل التوصل إلى وثيقة اتفاق تتضمن شروطا جديدة متعلقة بالسياسة الاقتصادية، ومن المرجح أن يشترط الصندوق إصدار سندات دولية بقيمة مقابلة للقرض، ما يعني زيادة إضافية في أعباء المديونية الخارجية.

ومن شأن هذه الدائرة المفرغة من الديون أن تصادر مستقبل الأجيال القادمة في مصر، التي ستدفع كلفة باهظة للديون وفوائدها، وهو ما حذر منه الخبير الاقتصادي والمستشار السياسي السابق في الأمم المتحدة "إبراهيم نوار" عبر "فيسبوك"، لافتا إلى أن الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" تسلم السلطة في يونيو/حزيران 2014 والديون الخارجية بقيمة 46 مليار دولار، لتبلغ في ديسمبر/كانون الأول 2019 نحو 112 مليار دولار.

وبما أن مصر مدينة حاليا للصندوق بمبلغ 12 مليار دولار، فإن القرض الجديد يرفع قيمة مديونية مصر للصندوق إلى 14 مليارا و780 مليون دولار، واجبة السداد بجانب فوائدها، ناهيك عن التزام مصر بتنفيذ جميع السياسات الاقتصادية التي سيتم فرضها من الصندوق.

ومن المقرر أن تبدأ مصر في سداد أقساط وفوائد القرض الأول في مايو/أيار من العام القادم بشريحة تبلغ 2.75 مليار دولار، فضلا عن وجود شرائح ديون أخرى مستحقة السداد لمؤسسات تمويل دولية قبل نهاية العام الحالي، بما يعني أن كله ما ستفعله مصر هو اقتراض المزيد من الأموال لسداد جزء من ديونها السابقة.

وفي غياب وجود خطة حقيقية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، وليس مجرد إعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة؛ فإن الديون سوف تستمر في التراكم على مصر، ومع مرور الوقت سوف تزداد الشكوك بشأن قدرة القاهرة على الوفاء بالتزاماتها المالية للدائنين.

وعند هذه اللحظة ربما لن تجد مصر من يقرضها المزيد من الأموال سواء من المؤسسات الدولية أو المستثمرين في أسواق الدين.

المصدر | الخليج الجديد