الثلاثاء 26 مايو 2020 07:58 ص

في ضوء الإغلاق العالمي الناجم عن تفشي كورونا، يبدو أن قول "توماس فريدمان" المأثور بأن "العالم مسطح" بسبب الترابط المتزايد، قد عفا عليه الزمن.

وكان الرجل يعتقد أن الترابط المتزايد نتيجة العولمة، أمر لا مفر منه. ومنذ تسعينات القرن الماضي، تم اعتبار القومية في الغرب أمرا سلبيا؛ حيث امتدت سلاسل التوريد حول العالم، وأصبح السفر الدولي والتدفقات المالية أكثر تواترا.

واعتقدنا أن عصر المعلومات الرقمية قادنا إلى تجاوز الطبيعة والتاريخ معا. لكن انتهت هذه الأوهام فجأة بسبب وباء "كورونا"، الذي أثبت أن العالم مستدير بالفعل. لكن يبدو أنه مقدر لنا تكرار أخطاء التاريخ.

وكان الازدهار الاقتصادي للغرب مصطنعا ومبنيا على مستوى معيشي مصطنع أيضا من خلال الاستعانة بمصادر خارجية للعمالة و كذلك على أسواق أخرى حيث التصنيع أرخص.

وكان الأساس المنطقي هو أنه من الأرخص الاستعانة بمصادر خارجية للإنتاج في المناطق التي كانت فيها اللوائح الصحية أو البيئية ضعيفة أو غير موجودة.

نتيجة لذلك، تم رفع مستوى معيشة المجتمعات الغربية عبر سلاسل التوريد التي تعتمد على اقتصادات دول أخرى من بينها دول فقيرة.

ومع نمو الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان، فإننا نتسبب في تطورها من اقتصاد الإنتاج فقط إلى اقتصاد الخدمات أيضا، لقد اعتقدنا أننا وصلنا إلى مرحلة من التاريخ يكون فيها الاهتمام بالذات والإيثار مترادفين.

لكن في قوة هذه الفكرة كان يكمن ضعفها. وعلى وجه التحديد في المناطق ذات اللوائح الضعيفة، التي تجعلها جذابة وفعالة من حيث التكلفة للتصنيع وأرخص للشراء، كان المكان الذي يوجد فيه خطر متزايد لأن تخرج الأوبئة المحلية وتنتشر لتصبح أوبئة عالمية.

وتسعى الشركات حاليا إلى دعم تصنيعها بعيدا عن الصين، ونقل سلاسل التوريد إلى دول جنوب شرق آسيا الأصغر مثل فيتنام.

وأعلنت شركة "أبل" العام الماضي عن خططها لتنويع صناعتها بدلا من الاعتماد على الصين. وأصدرت شركة "كيرني"، وهي شركة استشارات صناعية دولية، مؤشرها السنوي السابع لإعادة الشراء، الذي حدد أنه في عام 2013، احتفظت الصين بـ67% من السلع الآسيوية المصدرة إلى الولايات المتحدة.

وبحلول الربع الثاني من عام 2019، انهارت حصة الصين بنسبة 56%، بانخفاض أكثر من 1000 نقطة أساس.

وتتوقع "كيرني" أن الشركات ستضطر إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير في إعادة التفكير في استراتيجيات المصادر وسلاسل التوريد الخاصة بها بالكامل.

ونظرا لأن تعزيز الشعور بالأمان سيكون مرتبطا بالتحكم في سلاسل التوريد، سيكون هناك اتجاه متزايد بعيدا عن تنويع سلاسل التوريد التي تم تعطيلها في الدول المجاورة مثل كوريا الجنوبية واليابان، بسبب الفيروس التاجي، نحو سلاسل التوريد المحلية داخل الحدود الوطنية.

ويزداد الزخم حيث تخشى إدارة "ترامب" من استخدام الصين سلاسل التوريد كسلاح حاسم لصالحها. وتحاول الإدارة الأمريكية الحد من اعتماد الولايات المتحدة على الصين في الأدوية والمنتجات الطبية مثل المضادات الحيوية ومسكنات الألم المستخدمة في جميع أنحاء العالم، وكذلك الأقنعة الجراحية والأجهزة الطبية.

وفي المقابل، تشجع إدارة "ترامب" تصنيعا أمريكيا أكبر للأدوية، وهو ما سيكون أكثر تكلفة. ومن المحتمل أن يمتد هذا إلى صناعات مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا.

ولن تكون الولايات المتحدة قادرة على بناء قاعدة التصنيع بين عشية وضحاها. وكرر وزير الشؤون الاقتصادية والطاقة الألماني "بيتر ألتماير" مخاوف الولايات المتحدة، حتى أنه أثار خيار تأميم الشركات الاستراتيجية المهمة.

((2)

وسيؤدي تقويض سلاسل التوريد العالمية المتوطنة في التجارة الدولية إلى زيادة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والانقسامات بين الدول، وانهيار المشاريع متعددة الأطراف، والتي بدورها تمهد الطريق للصراع بين الدول في المستقبل.

ومن المحتمل أن تؤدي هذه الاتجاهات، إلى جانب تعطيل الفيروسات التاجية للأسواق العالمية، إلى نظام عالمي مجزأ، ما يؤثر سلبا على اقتصادات التصدير في أوروبا.

وبدأ الفيروس التاجي بالفعل في تقويض شرعية المشروع الأوروبي بطريقة أكبر مما كانت الحركات القومية تأمل في تحقيقه.

واشتبك وزراء المالية الأوروبيون حول دول الاتحاد الأوروبي التي يجب أن تشارك في ديون "سندات كورونا"، في حين ردت فرنسا وألمانيا على طلب إيطاليا لأجهزة التنفس الصناعي برفض مصحوب بإغلاق حدودهما مع إيطاليا.

وفي نفس الوقت تقريبا، فرضت الولايات المتحدة حظرا من جانب واحد على الرحلات الجوية التجارية مع الاتحاد الأوروبي.

وأحبط الفيروس التاجي استراتيجية النمو الاقتصادي وتطلعات السياسة الخارجية في الصين؛ حيث من المرجح أن تعيد الدول النامية النظر في "مبادرة الحزام والطريق" الصينية.

وتتزايد المشاعر المعادية للصين بين صانعي السياسة الغربيين. وفي المملكة المتحدة، هناك معارضة متزايدة لبناء "هواوي" شبكات الجيل الخامس للهواتف المحمولة.

وفي أواخر مارس/آذار، تخلت الولايات المتحدة عن سياستها القديمة في الحفاظ على الوضع الراهن تجاه تايوان. ووقع الرئيس "دونالد ترامب" قانون مبادرة الحماية والتحسين الدولية لحلفاء تايوان، الذي يعني زيادة دعم الولايات المتحدة لتايوان، ويغير التعامل مع الدول التي تقوض أمن تايوان أو ازدهارها.

وردت بكين بأنها سترد بقوة إذا تم تطبيق القانون، في حين تزيد الصين من تدريباتها العسكرية حول تايوان. ومن المرجح أن تتزايد التوترات؛ حيث تدعم الولايات المتحدة بشكل متزايد حركة استقلال هونج كونج، وتبدي استعدادها لمواجهة الصين في بحر الصين الجنوبي.

وبالمثل، من المحتمل أن تنجذب واشنطن إلى مواجهة مع كوريا الشمالية؛ لأن انهيار النظام الصحي في كوريا الشمالية يهدد نظام "كيم يونج أون" بما يقوده إلى شن هجوم عسكري.

وكانت مرحلة العولمة التي قادها الغرب جعلت اقتصادات الخدمات غير مسؤولة عن تصنيع المنتجات التي تستهلكها.

وبدلا من ذلك، اعتمدت على الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج السلع الرخيصة في مناطق بعيدة؛ ما أدى إلى مستويات غير مسبوقة من الازدهار الاقتصادي "المصطنع".

ولم تصل الديمقراطيات الليبرالية إلى "نهايتها التاريخية الطبيعية"؛ حيث كان من المفترض أن تدخل في صراع وجودي في نهاية تاريخها، لكن يمكن بسهولة تدميرها بواسطة فيروس صادر عن مجتمع كانت تعتمد عليه ولم تشارك في معاييره.

وعلى نفس المنوال، احتوت قمة الإمبراطورية الرومانية على بذور انحلالها؛ لأنها أصبحت مفرطة في قوتها ويصعب إدارتها.

ويشير المؤرخ "إدوارد جيبون"، في كتابه عام 1776 "تراجع وسقوط الإمبراطورية الرومانية"، إلى أن الرومان أصبحوا ضعفاء، واستجابوا لتحديات التضخم المفرط والحروب الأهلية والثورات من خلال الاستعانة بمصادر خارجية للدفاع عن إمبراطوريتهم في المناطق النائية، حيث اعتمدوا على "المرتزقة البربريين مثل القوط الغربيين".

وحدث ما لم يكن في الحسبان مع زيادة الإنتاج الاقتصادي لهؤلاء "المرتزقة" وتزايد قدرتهم على شن الحرب؛ حيث شجعهم هذا الوضع، في نهاية المطاف، إلى الانقلاب ضد مشغليهم وطرد الإمبراطورية الرومانية.

وبالمثل، زاد الغرب من ازدهار الدول البعيدة، ودعمت تفوقها العسكري عبر سلاسل التوريد العالمية الممتدة. هذا بالإضافة إلى أن تفكك العولمة سيزيد من احتمالات الصراع بين الدول والقوى العظمى.

وكان كل ما يتطلبه الأمر مجرد فيروس لإظهار مدى ضعف المنظومة، التي كانت أضعف مما توقعه أي شخص.

المصدر | باراك سينر/ناشيونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد