السبت 30 مايو 2020 08:20 م

خلال فترة ولاية اللواء "قاسم سليماني" لمدة 23 عاما كقائد له، خضع "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري الإيراني، لـ3 تغييرات تحويلية، من منظمة عمليات خاصة سرية إلى قوة حشد شعبي بقيادة زعيم كاريزمي، ومن مجموعة من الميليشيات المتمايزة المقسمة حسب الجنسية إلى جيش شيعي متعدد الجنسيات، ومن عنصر استكشافي متواضع للحرس الثوري الإيراني إلى القوة المسيطرة داخله.

ويبدو أن مقتل "سليماني"، في 2 يناير/كانون الثاني، قد أثر على هذه الأبعاد التنظيمية بشكل محدود، بناء على دراسة استقصائية لمصادر مفتوحة باللغة الفارسية.

وبصرف النظر عن الدور التعبوي الشعبي لفيلق القدس، الذي كان لا ينفصل عن تمجيد شخصية "سليماني"، لا تزال مذاهبه التنظيمية والتشغيلية تعكس التغييرات التحويلية التي أحدثتها عوامل أخرى غير شخصية قائد المجموعة منذ فترة طويلة. على هذا النحو، فإن الفيلق لا يزال يشكل تحديات كبيرة لواشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط.

وفي العصر الحديث، يمكن القول إن جذور الحرب الاستكشافية الإيرانية يمكن إرجاعها إلى دعم طهران للتمرد الكردي في العراق في الفترة 1961 إلى 1974، والمشاركة في قمع تمرد "ظفار" في عمان في الفترة 1972 إلى 1979، وجهدها المحدود في جنوب اليمن في الفترة 1972 إلى 1975.

وبعد ثورة عام 1979، لم ترث جمهورية إيران الإسلامية مذاهب العمليات الخاصة والأفراد والعتاد للنظام السابق فحسب، بل وسعتها بقوة مع شبكتها من الثوريين في الشرق الأوسط وخارجه.

وشرّعت المادة 154 من دستور جمهورية إيران الإسلامية الإطار التنظيمي للحرس الثوري الإيراني، الذي ظهرت في إطاره العديد من المنظمات الموازية، بما في ذلك "فيلق القدس"، للمشاركة في ما يشار إليه غالبا باسم "تصدير الثورة".

وكان معظم هذا الجهد سريا، لكن ذلك تغير تدريجيا بعد تعيين "سليماني" رئيسا لفيلق القدس، في وقت ما بين 10 سبتمبر/أيلول 1997 و21 مارس/آذار 1998.

وفي البداية، مارس "سليماني" سرية أسلافه. ولكن بعد أن تسبب فيلق القدس، من خلال حلفائه ووكلائه العراقيين، في خسائر خسائر كبيرة للجيش الأمريكي في العراق، فقد اكتسب "سليماني" سمعة سيئة في وسائل الإعلام الدولية.

وأدى هذا الاهتمام بـ"سليماني" بدوره إلى زيادة اهتمام وسائل الإعلام في إيران، حيث قامت آلة الدعاية الإيرانية بتمجيد شخصية "سليماني" لحشد الدعم الشعبي لتدخلاته العسكرية في العراق ولاحقا في سوريا.

ولم يكن العميد "إسماعيل قاآني"، قائد فيلق القدس الحالي، ولا العميد "محمد حسين زاده حجازي"، قائده الثاني، قد أبدى ميلا أو قدرة على تقليد قيادة "سليماني" الكاريزمية.

وقد يكون التعرض المحدود من وسائل الإعلام لفيلق القدس منذ مقتل "سليماني" مؤشرا على التوقف المؤقت لدور الحشد الشعبي للمنظمة والعودة إلى السرية.

وفي جوانب أخرى، من غير المرجح أن يؤثر مقتل "سليماني" بالشكل الذي يعكس التغييرات التحويلية في فيلق القدس.

وأحد الأمثلة على ذلك هو تحويل مجموعة من المليشيات المتمايزة المنقسمة على أساس الجنسيات إلى جيش شيعي متعدد الجنسيات.

ومنذ الثمانينيات، قام الحرس الثوري الإيراني بدعم الميليشيات الشيعية غير الإيرانية، وأبرزها "حزب الله" اللبناني، وفيلق بدر والميليشيات الشيعية الأخرى، التي ظهرت لملء فراغ السلطة في العراق عام 2003.

وهددت الحرب النظام السوري، وتدخلت طهران عسكريا لتأمين بقاء "بشار الأسد" وحماية خط الإمداد من إيران إلى "حزب الله" اللبناني.

ونشرت طهران في البداية "فيلق القدس" في سوريا، ثم لاحقا "حزب الله" اللبناني، ثم فرقة "فاطميون" الأفغانية، ولواء "زينبيون" الباكستاني، والعديد من الميليشيات العراقية، كما يتجلى في رصد الجنازات التي تقام في إيران والعراق ولبنان لمقتل مقاتلين شيعة أجانب في القتال في سوريا.

ووفقا للبيانات من مصادر مفتوحة، منذ يناير/كانون الثاني 2012، قُتل 573 إيرانيا، و925 أفغانيا و118 عراقيا و1262 لبنانيا و174 مقاتلا شيعيا باكستانيا، في القتال في سوريا.

ويجب التعامل مع هذه الأرقام كحد أدنى، حيث قد يكون الرقم الحقيقي أعلى إلى حد ما. ونتيجة لذلك، تمكنت طهران من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في تأمين بقاء النظام السوري.

ومن خلال العمليات المشتركة في سوريا، والتنسيق المكثف بين بعضها البعض ومع القوات السورية الموالية لـ"الأسد" والقوات الجوية الروسية، وبالرغم من الحواجز الوطنية والثقافية وحتى اللغوية، فإن النجاح في تحويل الميليشيات المتمايزة إلى جيش شيعي متعدد الجنسيات من المرجح أن ينجو من مقتل "سليماني".

وهناك أيضا مثال آخر على التغيير التحويلي في "الحقبة السليمانية" من المرجح أن يتجاوز عمر القائد القتيل؛ فكما حولت الحرب مع العراق في الفترة من 1980 إلى 1988 الحرس الثوري الإيراني من مجموعة من الميليشيات البالية إلى قوة عسكرية بارزة في إيران، فإن الحرب في سوريا تحول الحرس الثوري بأكمله إلى قوة استكشافية.

ومما يدلل على ذلك العدد المتزايد من القتلى في سوريا من القوات البرية التابعة للحرس الثوري بخلاف أعضاء فيلق القدس.

ومن بين 573 مواطنا إيرانيا تم تحديدهم قتلى في سوريا، خدم منهم 60 على الأقل في فيلق القدس، بينما لم يتم تحديد انتماء 332 فردا، وربما خدموا أيضا بين صفوفه.

ولا يعتبر ذلك مفاجئا، لأن فيلق القدس هو وحدة عمليات خاصة مكلفة تقليديا بالعمل خارج حدود إيران. لكن المدهش أكثر أن 147 إيرانيا قُتلوا في القتال في سوريا تم تحديدهم على أنهم خدموا في القوات البرية للحرس الثوري الإيراني.

فلماذا قررت قيادة الحرس الثوري الإيراني نشر قواته البرية في سوريا؟

حسنا، كان أول 3 أفراد من الحرس الثوري الإيراني قُتلوا في سوريا، وهم الرائد "محرم ترك"، واللواء "علي أصغري تركاني"، والعميد "حسن شاطري"، المعروف أيضا باسم "حسام خوشنيفيس"، جميعا من أعضاء فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

ويشير تحليل إضافي للانتماء للفرع ووقت الموت أثناء القتال لهؤلاء المقاتلين إلى أن فيلق القدس التابع للحرس الثوري تحمل العبء الأكبر من القتلى في المرحلة الأولى من الحرب في سوريا.

وبما أن فيلق القدس يعد وحدة صغيرة نسبيا داخل الحرس الثوري الإيراني، فمن المرجح أن الخسائر أجبرت قيادة الحرس الثوري الإيراني على نشر قوات برية نظامية في سوريا لتقليل الضغط على فيلق القدس.

ومن المرجح أن يكون للتغييرات التنظيمية تأثير كبير على عقيدة الحرس الثوري وسلوكه المستقبلي. وفي الوقت الذي يتم فيه ترقية المحاربين القدامى من الحرب في سوريا ضمن صفوف المنظمة، فقد تتبنى خطا أقل حذرا وأكثر نشاطا في محاولة لتكرار نجاحها في سوريا.

ويمكن أن يلجأ قادة الحرس الثوري إلى استخدام الجيش الشيعي المتشدد في المعركة. ويبشر مثل هذا التطور بالسوء للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، خاصة إذا ظهرت جمهورية إسلامية أكثر عدوانية وتصادمية ردا على الضغوط الاقتصادية الشديدة التي تفرضها العقوبات الأمريكية.

المصدر | علي آلفونه - معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد