الجمعة 5 يونيو 2020 04:33 م

دعمت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا الاستراتيجيات القمعية للحكومات الديكتاتورية عندما واجهت هذه الأنظمة احتجاجات شعبية واسعة النطاق، وذلك في سبيل مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، ويتجلى هذا بشكله الأوضح في منطقة الشرق الأوسط.

ظلت الولايات المتحدة لعقود من الزمن تدعم وتمول وتسهل مباشرة التكتيكات والاستراتيجيات القمعية التي تستخدمها الحكومات المختلفة عبر الشرق الأوسط في أماكن مثل السعودية و(إسرائيل) والبحرين وغيرها.

ولكن، وصلت مثل هذه الجهود الأمريكية إلى آفاق جديدة في ظل إدارة "دونالد ترامب"، الذي امتدح -على سبيل المثال- الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" باعتباره "ديكتاتوره المفضل"، ودعم بشدة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بعد مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، كما دعم التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني في عمق الضفة الغربية المحتلة.

ومع استمرار انتشار الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة بعد وفاة "جورج فلويد" بسبب وحشية الشرطة؛ يبدو أن الاستراتيجيات التي تدعمها أمريكا في الخارج، وكذلك التكتيكات التي طورها العديد من المستبدين بعد سنوات من قمع شعوبهم، وجدت طريقها إلى الوطن.

محاكاة مستبدي الشرق الأوسط

غالبًا ما يتعلم الدكتاتوريون من بعضهم البعض، ويبدو أن "ترامب" بدأ في التبني المحلي للاستراتيجيات القمعية التي غالبًا ما تدعمها الولايات المتحدة في الخارج.

يوازي الخطاب والإجراءات التي اعتمدتها إدارة "ترامب" بعد مقتل "جورج فلويد" بشكل غريب التكتيكات القمعية والخطاب الانقسامي المتعمد الذي اعتمدته الأنظمة الاستبدادية داخل الشرق الأوسط بعد الثورات العربية عام 2011.

تحدث مثل هذه التشابهات لأن النخب الحكومية غالبًا ما تتعلم من الدول الأخرى عند التفكير في كيفية إسكات المعارضة والسرديات البديلة، في سعيها للحفاظ على سلطتها في نهاية المطاف.

وسع "ترامب" بشكل متزايد من رصيد سياساته القمعية وخطاباته بمواجهة الاحتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مستندًا إلى استراتيجيات مماثلة لتلك التي استخدمتها الحكومات الديكتاتورية في أماكن مثل السعودية ومصر والبحرين وغيرها.

وعلى الرغم من أن المقارنة بين هذه الحالات محدودة بالتأكيد - فيما يتعلق بالاختلافات في أنواع النظام، ومدى اتساع الاحتجاجات، والمظالم والمطالب الأساسية للمتظاهرين- فإن رصد تشابه هاتين الحالتين سيساعد على توضيح الاستراتيجيات التأسيسية التي تستخدمها الحكومات المختلفة لإسكات المعارضة، بغض النظر عن الجغرافيا أو الثقافة أو الدين.

أوجه التشابه

التشابه الأول هو استخدام قوة شرطية مسلحة لقمع الاحتجاجات عن طريق الترهيب ومختلف الأساليب التخريبية.

وكما شوهد خلال الانتفاضات العربية؛ تم تصوير الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة بطريقة مشابهة وهي تطلق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق الحشود، وتستخدم المركبات لمحاولة دهس مجموعات من المتظاهرين، وتضرب المتظاهرين، وتستخدم مجموعة من الأساليب القسرية المختلفة في محاولة للسيطسرة على الشارع.

تم وضع أكثر من 60 مليون شخص في العديد من المدن الأمريكية تحت حظر التجوال المشدد في ظل محاولة الحكومة لاستعادة السيطرة، واستخدمت الإدارة بالتزامن مع الأجهزة الأمنية فرقا شبه عسكرية وغير رسمية من مؤيدي الحكومة لمضايقة المتظاهرين.

استخدمت الأنظمة القمعية منظمات مثل "البسيج" في إيران ومجموعات من البلطجية الموالين للنظام مثل الشبيحة في سوريا لتعزيز جهود الأجهزة الأمنية التقليدية، حيث تسمح طبيعة هذه المنظمات غير الرسمية الشبيهة بالعصابات لها بالعمل مع مراقبة أقل نظرًا لكونها خارج إطار إنفاذ القانون الأمريكي التقليدي وغياب مساءلة رسمية لها أمام الدولة.

في أعقاب الاحتجاجات، شجع "ترامب" مؤيديه علانية على الحشد ضد المتظاهرين، وكانت هناك العديد من التقارير التي تفيد بأن مؤيدي "ترامب" دشنوا احتجاجات مضادة وتحرشوا بالحشود في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

وعلاوة على ذلك، كانت هناك زيادة سريعة في وجود أفراد مسلحين مجهولين يظهرون في مواقع الاحتجاجات، دون الإشارة إلى هويتهم.

عندما لا يعود بإمكان الأجهزة الأمنية التقليدية ردع الحشود؛ غالبًا ما يتم نشر القوات العسكرية على أمل السيطرة على الوضع.

وعلى الرغم من حقيقة أن هناك حاليًا عدد كبير من أفراد الحرس الوطني الفاعلين في الولايات المتحدة بقدر ما توجد قوات عاملة في العراق وسوريا وأفغانستان مجتمعة، إلا أن "ترامب" يواصل تهديده بنشر أفراد عسكريين فاعلين واستخدام لقوة الجيش غير المحدودة للسيطرة على المتظاهرين.

يوضح هذا الخطاب أن إدارة "ترامب" تتصرف على أساس الاعتقاد بأن الجيش في خدمة أجندته الشخصية وليس الشعب، فيما يتفق مع نمط ديكتاتوري حقيقي.

التشابه الثاني

هو شيطنة المتظاهرين ومحاولة بناء سرديات بديلة من أجل تقويض جهودهم، فقد وصف "ترامب" المحتجين بأنهم قطاع طرق ومتطرفون وحثالة وخاسرون وأناركيين ومجرمون وبلطجية، ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير القلق هو استخدامه المتزايد لوصم "الإرهاب".

هذا تكتيك تستخدمه الأنظمة القمعية بشكل منتظم في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث يتم استغلال تسمية "الإرهاب/ الإرهابي" بشكل متكرر في محاولة شيطنة ونزع الشرعية عن جميع أشكال المعارضة.

وصف "ترامب" المتظاهرين بأنهم إرهابيون محليون، وأعلن مؤخرًا أنه سيصنف حركة "أنتيفا" باعتبارها منظمة إرهابية ("أنتيفا" هي حركة ضد التفوق الأبيض والمتطرفين البيض اليمينيين وليست منظمة).

غالبًا ما يوفر مثل هذا الخطاب للحكومات كبش فداء عظيم؛ فمن خلال وصف المحتجين بأنهم إرهابيون، يتم تصوير الإجراءات المضادة لقمع تحركاتهم على أنها عمليات مشروعة تهدف إلى دحر أعداء الدولة وليس المتظاهرين السلميين الداعين للتغيير.

التشابه الثالث

هو "مظهر الرجل القوي" الذي يمثله "ترامب" حاليًا ومحاولته تقديم نفسه على أنه البديل الشرعي الوحيد لـ "الفوضى وغياب القانون".

كثيراً ما استخدمت الأنظمة عبر الشرق الأوسط هذا التكتيك، حيث صاغت الوضع كخيار بين "الإرهابيين والمجرمين" (أي أولئك الذين يتظاهرون) أو "القانون والنظام".

روج "ترامب" مرارًا لعبارة "القانون والنظام"، بحجة أن الإجراءات التي تتخذها إدارته هي الشيء الوحيد الذي يحول دون تحول البلاد إلى حالة من الفوضى، وهدد المتظاهرين متعهدًا بترسيخ "الهيمنة" عبر "القوة الساحقة"، بما في ذلك "الكلاب الوحشية" و "الأسلحة المشؤومة".

الشبه الرابع

وأخيرًا، فإن الشبه الرابع هو التلاعب بسياسات الهوية لتعزيز قاعدة الدعم الشعبي، حيث كان التلاعب بسياسات الهوية أحد العناصر الأساسية لاستراتيجيات "فرق تسد" التي تستخدمها أنظمة الشرق الأوسط المختلفة لتقويض المعارضة الموحدة، ويتجلى ذلك عبر استغلال الهويات العشائرية أو الطائفية أو المحلية أو العائلية.

تجلى هذا بشكله الأوضح في مسيرة "ترامب" إلى كنيسة "سانت جونز" التاريخية حيث وقف لالتقاط صورة وهو يحمل الكتاب المقدس.

سارع الإنجيليون المسيحيون البيض؛ وهم قاعدة الدعم الرئيسية للرئيس، إلى الترحيب بخطوة "ترامب"، بحجة أن الرئيس "يرتدي درع الله".

يشبه هذا إلى حد كبير سعي الأنظمة في دول مثل السعودية أو إيران في كثير من الأحيان لتبرير أفعالها القمعية تحت عباءة الدين، حيث سعى "ترامب" أيضًا إلى بناء قشرة شرعية لأفعاله أثناء التحدث إلى قاعدته الشعبية.

قمع مرتد

تستخدم واشنطن ضد المتظاهرين بشكل متزايد الاستراتيجيات الواسعة لمختلف المستبدين في الشرق الأوسط، والمصممة لتقويض المعارضة، بدعم من الولايات المتحدة.

وتُظهر هذه المقارنات كيف تسعى النخب الحكومية من جميع الأنواع في كثير من الأحيان إلى الاستفادة من "الدليل الإرشادي للديكتاتور" عندما يواجهها تحدٍ لسلطتها.

لم يتضح بعد ما إذا كان الفصل التالي من هذا الدليل (إطلاق الذخيرة الحية على الحشود) سيجد طريقه إلى شوارع أمريكا.

ومع ذلك، هناك شيء واحد مؤكد؛ هو أن الاستراتيجيات القسرية والقمعية التي تدعمها واشنطن بانتظام في الخارج وجدت طريقها إلى الوطن.

المصدر | جوناثان هوفمان / ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد