الخميس 2 يوليو 2020 01:12 م

ربما تكون لغة التهديد محاولة لحفظ ماء الوجه بعد تكبد الجنرال "خليفة حفتر" خسائر فادحة، الشهرين الماضيين، وفقدانه مدن الغرب الليبي، ومدينة "ترهونة" وكامل حدود العاصمة طرابلس.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، قبل أيام، أن "سرت-الجفرة" خط أحمر لمصر لن يسمح بتجاوزه، فإن إشارته نحو تدريب وتسليح أبناء القبائل الليبية، حمل توجها مناقضا لتهديده.

وقد تكون التهديدات المصرية بالتدخل في ليبيا، كبحت نسبيا جماح التقدم التركي على جبهة "سرت-الجفرة"، لكن الواقع الميداني يصب في صالح حكومة "الوفاق"(معترف بها دوليا) وحليفتها أنقرة.

معادلات متغيرة

المعطيات على الأرض تؤكد أن تركيا قلبت الموازين على الأراضي الليبية، وصارت "الوفاق" بفضل دعمها، الأكثر سيطرة على الأرض، والأقوى نفوذا.

ووفق الرئيس السابق لاستخبارات الجيش التركي، الجنرال المتقاعد "إسماعيل حقي بكين"، فإن دخول تركيا على خط الوضع في ليبيا غير المعادلات.

وتحمل مناورات "البحر المفتوح" التي أجرتها تركيا بالبحر الأبيض المتوسط، الشهر الماضي، استعراضا للقوة، ودلالة على إدارة عمليات جوية وبحرية عبر مقاتلات تحلق من تركيا وصولا إلى الأجواء الليبية.

وتعني المناورات التي شملت مسارا بطول ألفي كيلو متر، بمشاركة  17 طائرة تابعة للقوات الجوية و8 فرقاطات وطرادات تابعة للقوات البحرية، تعني دلالة تركية على إمكانية خوض مواجهة طويلة المدى على الأرض الليبية.

لكن مصر هي الأقرب حدوديا إلى ليبيا وهي ميزة نوعية للجيش المصري تمكنه من الزج بالدبابات والمدرعات، والاستفادة من قواعدها العسكرية القريبة من الحدود الليبية (محمد نجيب، سيدي براني، سيوة).

ويرى السفير التركي السابق لدى القاهرة "ياشار قايا"، أن التدخل المصري العسكري في ليبيا سيكون سهلاً نظراً إلى عدم وجود عوائق طبيعية، كما أن رؤساء القبائل الموزعة على جانبي الحدود سيكونون في تعاون مع مصر.

تداعيات خطيرة

من المؤكد أن الصدام التركي - المصري حال حدوثه سيحول ليبيا إلى جحيم، لن يكون بالطبع في صالح أوروبا، وقد يدفع بموجات نزوج جديدة من اللاجئين إلى اليونان وإيطاليا.

وهناك مخاوف جدية من امتداد الحرب إلى السودان وتشاد، كما أن أوروبا ستواجه موجة هجرة واسعة ليست في صالحها، وسينتهي الأمر بتمركز روسيا والصين في ليبيا وهو ما لا تريده واشنطن.

وتنظر الولايات المتحدة بعين القلق والريبة إلى تواجد مرتزقة "فاجنر" الروسية في ليبيا، وتتهم قيادتها العسكرية في أفريقيا "أفريكوم"، موسكو، بإدخال مقاتلات هجومية إلى ليبيا لتغيير طبيعة النزاع الحالي.

وانطلاقا من تلك المخاوف، تبدي واشنطن دعما لتركيا، ولا تهاجم عملياتها لصالح حكومة طرابلس، ومن المؤكد أنها ستعمل على عرقلة تزايد النفوذ الروسي هناك والداعم لـ"حفتر".

مأزق مصري

من وجهة نظر الجنرال "حقي" فإن "السيسي" يمكن أن يستعرض قوته، لكن الطريق إلى سرت طويلة، ومن الصعب عليه الدخول في حرب وزج وحداته ودباباته هناك.

وتلفت مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، الانتباه إلى أن القاهرة تواجه تحديات وتهديدات أخرى تتعلق بملء السد النهضة الإثيوبي، ناهيك عن وجود تنظيم "الدولة الإسلامية" في سيناء (شمال شرقي البلاد).

وتعاني مصر وضعا اقتصاديا صعبا فرضته أزمة فيروس "كورونا"، ما يجعل تكلفة خيار الحرب باهظة، فضلا عن كونها غير مأمونة، في بلد قد يكون مستنقعا لقواتها.

ويرى مراقبون أن تهديدات "السيسي" تستهدف في المقام الأول استدراج المساعدات من السعودية والإمارات، وإجبار حكومة "الوفاق" على وقف تقدمها والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

خيارات أخرى

عسكريا تبدو احتمالات أن تخسر مصر الصدام مع تركيا هي الأقوى، بالنظر إلى إن تركيا ثاني أكبر عضو في حلف الناتو، ولديها قدرات تفوق مصر، بحسب صحيفة صحيفة "الميساجيرو" الإيطالية.

وهناك خيارات أخرى غير الحرب، قد تلجأ إليها مصر، أبرزها تغذية حرب الوكالة، وتوفير الدعم للميليشيات القبلية الليبية، الموالية للقاهرة.

ويؤكد هذا التوجه سفير أنقرة السابق لدى القاهرة "ياشار قايا"، قائلا إن "احتمال المواجهة بين مصر وتركيا غير قائم، يمكن التصارع بالوكالة"، بحسب ما أوردته صحيفة "الأخبار" اللبنانية.

وربما يعتمد الجيش المصري على ضربات جوية خاطفة تعرقل تقدم "الوفاق"، مع تنفيذ عمليات سرية في العمق بواسطة قوات خاصة، لكنها بذلك تغامر بفقدان التقارب مستقبلا في حكومة طرابلس.

على الجانب الآخر، تركيا هي الأقوى عسكريا، لكنها لا تريد حربا واسعة النطاق، وترى أنها نجحت في تحريك الماء الراكد، ومنحت "الوفاق" اليد العليا في الصراع، ودفعت داعمي "حفتر" إلى السعي لوقف إطلاق النار، والتمسك بتفاهمات برلين، واتفاق الصخيرات 2016.

وفي الوقت ذاته، لا تحبذ أنقرة تقسيما لليبيا بين الغرب والشرق عند خط "سرت-الجفرة"، فالأمر سيضر بمصالحها في شرق المتوسط، مع بقاء خيار التوصل إلى حل دبلوماسي قائما.

خيار الحرب الصعب لن يطبق في الوقت الحالي، بحسب تقديرات غربية، لأن الأطراف المعنية لا تريد لطرف واحد أن يحقق انتصارا كاملا، وهو ما قد يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، وربما سحب "حفتر" من المشهد، والوصول إلى تفاهمات سياسية وعسكرية مع "الوفاق" ترضي أنقرة من ناحية، وتحفظ ماء وجه مصر من ناحية أخرى.

المصدر | الخليج الجديد + الأخبار اللبنانية