"آيا صوفيا لن تُسمّى متحفًا، سيتمّ تجريدها من هذا الاسم، سنسمي آيا صوفيا مسجداً".. بهذه الكلمات أعاد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، منذ أيام، الجدل إلى الواجهة حول المتحف الكائن في إسطنبول، حينما أعلن عزمه تحويله ليصبح "مسجد آيا صوفيا"، معتبراً أن هذا الإجراء يعدُّ "مطلبا يتطلع إليه الشعب التركي والعالم الإسلامي منذ أعوام".

وبرر "أردوغان"، في مقابلة مع تلفزيون الخبر التركي، اتجاهه لإعادة آيا صوفيا كمسجد إلى أن عملية تحويل المسجد إلى متحف عام 1934 "كان خطأ كبيرا" من الناحية التاريخية، آن الأوان لتغييره، وبأن السياح سيأتون من كل مكان ليزوروا آيا صوفيا بعد عودته كمسجد كما يزورون مسجدي السلطان أحمد والسليمانية بإسطنبول، بما يعني أن عملية التحويل لن تؤثر على إتاحة الزيارة للمسلمين وغيرهم من جميع أنحاء العالم.

لكن هكذا مبررات لا تلقى صدى لدى بلدان الغرب المسيحي، خاصة اليونان المجاورة، التي تراقب عن كثب الإرث البيزنطي في تركيا.

وعندما تحدث "أردوغان"، في مارس/آذار الماضي، عن الموضوع اعتبرت وزارة الخارجية اليونانية ذلك "إهانة للمسيحيين والمجتمع الدولي"، في حين يرى المسؤولون الأتراك أنه لا يحق لليونانيين الاعتراض على عودة آيا صوفيا كمسجد أو قراءة القرآن فيه، بعدما هدموا الكثير من الآثار العثمانية التي بقيت في بلادهم والتي كانت لقرون خاضعة لحكم العثمانيين، وأساؤوا استخدام آثار أخرى لدرجة أن أحد مساجد مدينة سالونيك حُوّل إلى صالة سينما تعرض الأفلام الإباحية، كما أن أثينا من بين عواصم عالمية قليلة لا يُسمح فيها ببناء المساجد.

ولذا يرى الباحث التركي المتخصص في العلاقات الدولية "علي باكير" أن تمثيل اليونان للصوت الأبرز والأكثر اعتراضاً على عودة آيا صوفيا كمسجد يعود إلى محاولة أثيناء تقديم نفسها على أنها الحامي للإرث المسيحي، مشيرا إلى أن هكذا موقف يأخذ زخماً كبيراً في الداخل اليوناني وأيضاَ في العواصم الغربية، لا سيما تلك التي تتخذ مواقف معادية للدين كفرنسا، بما يؤمن دعماً سياسياً ودبلوماسياً لأثينا، وفقا لما نقلته قناة TRT التركية.

فرصة تاريخية

ومن المنظور ذاته، لكن من زاوية مقابلة، يرى المحلل السياسي التركي "محمد جيليك"، أن محاولة "أردوغان" دفع ملف آيا صوفيا للواجهة في هذا التوقيت تحديدا ينطوي على "تقدير موقف" يرى في الوضع الدولي القائم حاليا "فرصة تاريخية" اكتسبت فيها تركيا زخما إسلاميا يمكنها من استعادة الكثير من إرثها العثماني.

فآيا صوفيا أحد أهم الرموز ذات الدلالة على فتح إسطنبول، وكذلك دخول المدينة تحت حكم المسلمين، وتحويله من مسجد إلى متحف جرده من الأجواء الروحانية بصورة شبه تامة، وتحول بسبب ذلك إلى مصدر حزن للمتدينين، وأحد مطالبهم الملحة.

غير أن "أردوغان" نفسه كان متحفظا إزاء خطوة عودة آيا صوفيا كمسجد، واكتفى منذ وصوله إلى السلطة في 2003، بالمساح بتزايد النشاطات المرتبطة بالإسلام موقع المتحف، ومنها تنظيم حلقات لتلاوة القرآن أو إقامة صلوات جماعية أمامه.

وبدا تحفظ الرئيس التركي جليا خلال حملته للانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي وعد قبلها بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، لكنه عاد عقب فوزه للتراجع قائلًا إن تحويل المتحف لمسجد ريما يضر عشرات المساجد بأوروبا.

لكن تطورات المشهد الإقليمي وتصدر تركيا مشهد زعامة العالم الإسلامي للمرة الأولى منذ انهيار الدولة العثمانية أعاد حسابات الدولة التركية على ما يبدو، وهو ما يظهره سماح مجلس الدولة، العام الماضي (أي بعد عام من تراجع أردوغان عن وعده)، بتحويل كنيسة "شورا" البيزنطية في إسطنبول إلى مسجد في قرار اعتبره البعض "اختبارا" قبل البت في مستقبل آيا صوفيا.

فشورا ذات وضع مطابق لآياصوفيا من الناحية التاريخية، وتم تحويله لمتحف بقرار وزاري في عام 1945 بعد أن كان مسجداً منذ عام 1511، وجاء في حيثيات حكم مجلس الدولة أنه "لا يمكن تحول دور العبادة إلى أغراض أخرى".

وتعود قصة آيا صوفيا إلى عصر الإمبراطور جستنيان، الذي شرع في بناء الكنيسة عام 532 ميلاديا واستغرق بناؤها 5 سنوات، ثم تم افتتاحها رسميا عام 537 ميلاديا، وبقيت على وضعها ككنيسة لمدة تزيد عن 900 عام، لتمثل الكنيسة الرسمية للدولة المسيحية البيزنطية، وجوهرة عاصمتها القسطنطينية، رغم تهدمها واحتراقها أكثر من مرة، إلى أن فتح السلطان العثماني "محمد الفاتح" المدينة عام 1453 فغيّر اسمها إلى "إسطنبول"، ودخل هذه الكنيسة فصلّى فيها أول جمعة بعد الفتح، وجعلها مسجداً كبيراً يرمز لقوة الدولة العثمانية وسيطرتها.

وأضيف للمبنى الأثري منبرا ومئذنة مصنوعة من الخشب، ومن هنا ظلت آيا صوفيا مسجدا لمدة 431 عاما، حظي خلالها برمزية كبيرة لدى الأتراك، إلى أن قرر مؤسس تركيا الحديثة "مصطفى كمال أتاتورك"، الذي أنهى حكم الخلافة العثمانية عام 1923 وأعلن قيام جمهورية علمانية بدلاً منها، منع إقامة الشعائر الدينية فيه العام 1931، ثم حوله في 1934 إلى متحف فني يضم كنوزاً أثرية إسلامية ومسيحية.

تحد دولي

ويعد الموقف الدولي التحدي الأبرز أمام "أردوغان" في ملف عودة آيا صوفيا كمسجد، خاصة بعدما أدانت لجنة الولايات المتحدة حول حرية الديانات في العالم تصريحاته عن المتحف، وقالت في بيان "إن آيا صوفيا يحمل أهمية تاريخية وروحية عميقة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، ويجب الحفاظ على وضعه كمتحف"، ووصفت نوايا الرئيس التركي بأنها "استفزازية وضارة بلا داع للأقليات الدينية في تركيا".

الموقف ذاته عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، الأربعاء الماضي، في بيان، جاء فيه: "نحث السلطات التركية إلى أن تواصل الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف، بوصفه تجسيدا لالتزامها باحترام التقاليد الدينية والتاريخ الغني، الذين ساهموا في بناء الجمهورية التركية، وأتاحوا لها أن تبقى منفتحة على الجميع".

وتزداد صعوبة التداعيات الدولية لعودة آيا صوفيا كمسجد بانتقال ردود الفعل الدولية إلى المستوى الديني، بعدما صرح  رئيس إدارة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو "متروبوليتان هيلاريون" للتليفزيون الروسي الحكومي بأن "تحويل الأثر التاريخي آيا صوفيا في إسطنبول من متحف إلى مسجد سيكون غير مقبول"، مضيفا: "لا يمكننا العودة إلى العصور الوسطى الآن (..) نحن نعيش في عالم متعدد الأقطاب، نعيش في عالم متعدد العقائد ونحتاج إلى احترام المشاعر الدينية".

المتدينون والقوميون

لكن "أردوغان"، في المقابل اعتبر، الجمعة، أن انتقاد أنقرة بسبب التحويل المتوقع للأثر القديم آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، يشكل "هجوما على سيادة تركيا"، مضيفا: "الاتهامات الموجهة لبلادنا بخصوص آيا صوفيا، تعتبر استهدافا مباشرا لاستقلالنا، في الوقت الذي تتعرض فيه المساجد في كافة أرجاء العالم للهجمات".

جاءت تلك الكلمة خلال مراسم وضع حجر الأساس لمسجد "بربروس خير الدين باشا" في منطقة لفانت بإسطنبول، ما قدم مؤشرا على مخاطبة "أردوغان" لمشاعر "المتدينين" و"القوميين" في بلاده، وهما مكونا التحالف الذي يمثل حكومته الحالية (حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية).

من هنا يرى الخبير في شركة Verisk Maplecroft لتقييم المخاطر "أنطوني سكينر" أن توقيت تصعيد "أردوغان" لقضية آيا صوفيا لا يخلوا من فوائد داخلية لمعسكره السياسي، وبالتالي "قتل عصفورين على الأقل بحجر واحد"، وفقا لما نقلته صحيفة "أوراسيا ديلي" الروسية.

وأوضح أن الزعيم التركي يمكنه، عبر تحويل آيا صوفيا لمسجد، تعزيز قاعدته السياسية الإسلامية والقومية، بالحفاظ على درجة التوتر في العلاقات مع اليونان، واستعراض قدرة أنقرة على اتخاذ قرارات سيادية دون النظر إلى مواقف القوى الخارجية، بما في ذلك القوى العالمية العظمى.

الأمر ذاته سلطت عليه وكالة الأنباء الفرنسية الضوء، مشيرة إلى أن "أردوغان" يسعى إلى كسب أصوات الناخبين المحافظين والقوميين، خاصة بعد خسارة حزبه لحكم بلديتي أنقرة وإسطنبول في الانتخابات المحلية الأخيرة.

فهل تدعم مكتسبات آيا صوفيا، الإقليمية والمحلية، دخول "أردوغان" في مغامرة دولية جديدة؟ أم يعود الرئيس التركي إلى سابق تراجعه؟ أسبوعان على أقصى تقدير يفصلان مجلس الدولة التركي عن إعلان حكمه في القضية، وبعدها يتحرك زعيم العدالة والتنمية وحلفائه مدعوما بتأييد أجهزة الدولة، أو يعيد الملف إلى التجميد مجددا.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات