كان شهر يوليو/تموز حتى الآن شهرا مثيرا للاهتمام بالنسبة لرئيس النظام السوري "بشار الأسد". وبعد مرور أيام قليلة من الشهر، شهد "الأسد" أكبر مسؤول في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي يدلى ببيان حول استعداد الاتحاد لدعم سوريا، بشروط صارمة بالطبع.

وتزامن هذا البيان من "جوزيف بوريل" مع رسالة بريد إلكتروني مسربة من الإمارات تظهر مدى يأس أبوظبي لدرجة أن تلجأ عمليا إلى التوسل إلى واشنطن للتدخل عسكريا في ليبيا ضد الحكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا، والمدعومة فعليا من أنقرة.

وفي وقت سابق، عرضت الإمارات على "الأسد" 3 مليارات دولار لتخريب وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه برعاية تركية روسية في إدلب.

وفيما يبدو، فإن حكام الإمارات لديهم الكثير من الوقت والمال للإنفاق على الحروب بالوكالة، الأمر الذي يوفر لـ "الأسد" أموالا لا يستطيع الروس ولا الإيرانيون حشدها.

وتبدو سوريا مرة أخرى نقطة محورية، ليس فقط بالنسبة للغرب، ولكن أيضا لدول الخليج العربية بقيادة "محمد بن زايد".

وتواجه سوريا، التي تتعرض لعقوبات جديدة بموجب قانون "قيصر"، مستقبلا قاتما تحت حكم "الأسد".

ومن المؤكد أن الزعيم السوري انتصر في الحرب بمجرد تدخل روسيا في أواخر عام 2015. لكن الفوز بالسلام لا يزال مستحيلا؛ في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تواجهه البلاد.

وتنحدر سوريا إلى مستويات جديدة من الفقر لم يسبق لها مثيل، ما يجعل الخيارات السهلة تنفد من زعيمها ونظامه.

غنيمة لا تقاوم

ومن وجهة نظر الإمارات، التي ربما تلعب دورا أكثر مما تستطيع تحمله في ليبيا، أصبحت سوريا مغرية بشكل متزايد، بالنظر إلى أنها ساحة المعركة الأخيرة مع تركيا، ومع كون نظامها يائس للغاية للجصول على الأموال. وفي نفس الوقت تعد ليبيا معقدة وصعبة وممتدة على عكس "سوريا الأسد".

وفي 27 مارس/آذار 2020، نشر "محمد بن زايد" تغريدة حول مكالمة هاتفية مع "بشار الأسد"، هي الأولى منذ توقف العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وسوريا عام 2012.

وبعد أسبوعين، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عن تفاصيل صفقة بين الزعيم الإماراتي ونظيره السوري. ويزعم التقرير أن "بن زايد" عرض على "الأسد" 3 مليار دولار أمريكي مقابل استئناف القتال في إدلب، المنطقة السورية المتاخمة لتركيا، وخرق اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه بين أنقرة وموسكو في 6 مارس/آذار 2020.

وجعلت الحرب السورية الفصائل واللاعبين الإقليميين يغيرون ولاءاتهم أكثر من مرة خلال 9 أعوام. لكن الإمارات ترى أنه يمكنها دوما الرهان على "الأسد"، في مواجهة "أردوغان" وتركيا بغض النظر عن النتيجة النهائية التي سيؤول إليها الصراع.

وهكذا، لا تقدم الإمارات المساعدة لسوريا فحسب، بل أعادت بناء العديد من المؤسسات العامة السورية، مثل محطات الطاقة والمياه، بالإضافة إلى توفير التدريب العسكري للنظام السوري مؤخرا، بما يشمل ذهاب بعض الضباط السوريين إلى الإمارات للتدريب.

ولكن دخول الإمارات إلى المعترك السوري لن يسهم إلا في زيادة الاستقطاب والصراع في البلاد. وحتى الآن، قاوم "الأسد" كل الجهود التي بذلها "بوتين" لجمع النظام مع أحزاب المعارضة في سوريا بهدف إعادة تقديم دمشق كدولة يمكن للغرب أن يتعامل معها، مع وضع "بوتين" نفسه في مركز الأموال المتدفقة.

وربما يرى "الأسد" أن التعاون مع "بن زايد" يبدو كخطوة ذكية. ويعني دق إسفين بين حليفيه الإقليميين اللذين أكسباه الحرب، وهما إيران وروسيا، من أجل كسب قوة أكير لنفسه.

لعبة متأخرة

ولكن مع انهيار العملة السرية، وتحول "الأسد" لانتزاع الثروة من مؤيديه السابقين، فإن على المرء أن يتساءل عما إذا كنا نشهد تراجعا بطيئا لسلالة "الأسد"، وبالتالي تكون خطة "بن زايد" للدخول كلاعب إقليمي في سوريا متأخرة جدا.

وبطبيعة الحال، يمكننا أن نفترض أن الإمارات على استعداد لاستثمار أي جهد لمواجهة تركيا، ولكن الأمور في أبوظبي نفسها تصبح أكثر صعوبة مع نفاذ الأموال التي تستخدمها الإمارة لتمويل مغامراتها الخارجية بوتيرة متزايدة.

واضطرت الإمارات في الأشهر الأخيرة إلى تجاوز العقوبات الأمريكية في تعاملاتها التجارية مع إيران، وهي تتعرض الآن للمضايقة بسبب الإجراءات الجديدة التي اتخذتها الولايات المتحدة بشأن تعاملاتها مع "الأسد".

وبالنظر إلى أن اقتصادها في حالة سيئة للغاية، مع رحيل الآلاف من الوافدين، وانهيار أسعار النفط، وتراجع عائدات السياحة بسبب تفشي فيروس كورونا، فعلى المرء أن يتساءل كم الوقت يمكن أن تتحمل الإمارات فواتير سياساتها المكلفة.

لكن في حين أن ليبيا تبدو مستنقعا مكلفا، كانت أبوظبي ترى حتى وقت قريب أن سوريا أصبحت "فاكهة متدلية رخيصة"، لكن هذه النظرة تتغير الآن مع دخل قانون "قيصر" حيز التنفيذ.

وفي الأسابيع الأخيرة، شاهدنا تقارير عن برنامج الفضاء الإماراتي، والإطلاق الوشيك لمركبة فضائية جديدة ستصل إلى كوكب المريخ.

وقد يتساءل الكثيرون عن الكوكب الذي توجد عليه الإمارات بالفعل بينما تظهر مثل هذه الأخبار في نفس الصفحة مع أخبار حول الانهيار الوشيك للاقتصاد، وأزمة ليبيا، وتراجع عملية السلام في اليمن وسط سيطرة الانفصاليين المدعومين من الإمارات على مواقع رئيسية مثل سقطرى، بينما تُلام الجهات التي ترعاها أبوظبي على انهيار اتفاق السلام الموقع عام 2019.

بالتزامن مع ذلك، كشفت التطورات الأخيرة أيضا أن الحرب السيبرانية التي تقودها الإمارات في المنطقة كانت أعمق مما كان يُعتقد سابقا.

وكشفت صحيفة "ديلي بيست" أن الإمارات خلقت 19 صحفيا مزيفا نشروا 90 مقال رأي في 46 منصة مؤخرا.

ولم تكتف المقالات بالثناء الملحمي على الإمارات، لكنها هاجمت تركيا وقطر بلا هوادة.

لعبة مزدوجة

ومع ذلك، إذا أردنا تصديق الأخبار الحالية حول الإمارات وسوريا "الأسد"، فإن "بن زايد" يلعب لعبة مزدوجة، تماما كما يلعب الروس على كلا المعسكرين في ليبيا.

ويلعب "بن زايد" دور صديق "الأسد"، لكنه سيسعى أيضا إلى مصادقة خليفته في حال خسارة الرئيس السوري للدعم الشعبي.

ومع ذلك، قبل أن نسرع في القفز إلى الاستنتاجات المبكرة حول سقوط "الأسد"، علينا أن نتذكر أن المعلقين الغربيين قللوا باستمرار من قدرة "الأسد" على البقاء.

وبالتأكيد فإن أبوظبي لا ترغب في رحيل "الأسد" الآن، ولكن أهدافها في دمشق لا تتعلق بـ"الأسد" ذاته بقدر ما تتعلق بتركيا، وسوف تسعى الإمارات لإقامة علاقات ودية مع أي نظام في دمشق طالما أن هذا النظام لن يكون صديقا لأنقرة.

المصدر | مارتين جاي/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد