الأربعاء 12 أغسطس 2020 05:16 م

حدث تقدم في أواخر يوليو/تموز نحو إحياء اتفاقية الرياض التي تهدف لتهدئة الصراع في جنوب اليمن، وهي الخطة التي تم التوصل إليها بوساطة سعودية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

يشار إلى أن تعثر اتفاقية الرياض، بين الحكومة اليمنية ممثلة بالرئيس "عبدربه منصور هادي" والمجلس الانتقالي الجنوبي ممثلاً برئيسه "عيدروس الزبيدي"، جاء بسبب انعدام الثقة المستشري بين الموقعين وعدم قبول أنصار اليمن الموحد بها، حيث يخشون أن أجندة المجلس الانتقالي الجنوبي لا تتوافق مع هذا الهدف.

ولم يُنفذ اتفاق الرياض بنجاح منذ أن تم الاتفاق عليه، واندلعت اشتباكات في وقت سابق من هذا العام بين القوات الموالية لحكومة "هادي" والقوات المتحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي في أبين.

كما تصاعدت التوترات في أبريل/نيسان عندما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي "الحكم الذاتي" في جنوب اليمن، فيما كان مدفوعًا بشكل جزئي بالاحتجاج على فشل حكومة "هادي" في تقديم الخدمات بعد فيضان مدمر ضرب مدينة عدن.

وصعّد المجلس الانتقالي الجنوبي بمصادرة الأموال المخصصة لفرع البنك المركزي اليمني في عدن والمطالبة بدفع رواتب لقواته الأمنية، والتي كان معظمها يواجه تصعيد "الحوثي" في ​​محافظة الضالع ومناطق أخرى في الجنوب.

تدابير بناء الثقة

وعلى الرغم من أن اتفاقية الرياض ليست مثالية، إلا أن الضغط السعودي على الأطراف لإعادة الالتزام بمبادئها قد ساعد في تحفيز بعض تدابير بناء الثقة بين الجانبين.

ففي 29 يوليو/تموز، ألغى المجلس الانتقالي الجنوبي قرار الحكم الذاتي بعد تأكيدات من نائب وزير الدفاع السعودي "خالد بن سلمان"، بأن حكومة "هادي" ستلتزم بإعادة تشكيل مجلس الوزراء بتمثيل متساوٍ من الشمال والجنوب، بما يشمل أعضاء موالين للمجلس الانتقالي الجنوبي لتمثيل مصالح الجنوب.

وكان هذا بمثابة تنازل سياسي كبير خفف المخاوف بشأن المواجهات العسكرية المحتملة ومستقبل الوحدة اليمنية.

وكان هذا الإنجاز غير متوقع، وأتى بعد تقارير عن الجمود في المفاوضات وزيادة الخطابات المثيرة للانقسامات على الأرض.

فقبل أسبوع من ذلك، تصاعدت التوترات مع اندلاع مظاهرات كبيرة في لحج وحضرموت دعماً لإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي الحكم الذاتي، وفي تلك الأثناء، اندلعت احتجاجات مناهضة للمجلس الانتقالي الجنوبي في أبين والمهرة.

واستخدم المجلس الانتقالي التظاهرات كوسيلة ضغط خلال المفاوضات، وهي استراتيجية عملت لصالحه حيث نجح المجلس الانتقالي الجنوبي في الاحتفاظ بالقوات العسكرية تحت قيادته لحماية المجتمعات الجنوبية من هجمات الحوثيين المحتملة، بعد أن زادت جرأتهم ​​مؤخرًا عقب سيطرتهم على قطاعات من الأراضي التي كانت الحكومة تسيطرعليها في الشمال.

وبالرغم من البيئة الإيجابية والالتزامات المتجددة باتفاق الرياض من كلا الجانبين، إلا أن الامتثال الواسع للاتفاق لا يزال غير مؤكد بسبب الافتقار إلى التأييد الوطني، وخاصة من الخصوم السياسيين للمجلس الانتقالي الجنوبي في المجتمعات الجنوبية والشمالية، والذين يخشون من أن أي صفقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي سوف تزيد من تمكين الجماعة وتجلب لها "شرعية غير مستحقة".

وفي الواقع، قفزت شعبية "هادي" بين بعض منتقديه في عام 2019 عندما واجهت قواته المجلس الانتقالي الجنوبي عسكريًا وصعدت مرة أخرى عندما قاوم الانخراط في المحادثات التي توسطت فيها السعودية في جدة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي أدت إلى اتفاق الرياض.

يخشى معظم اليمنيين الذين يدعمون الدولة الموحدة من أن الاعتراف بالمجلس الانتقالي ككيان سياسي شرعي سيضعف حكومة الوحدة، ويفضلون النهج المطلق في التعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره فصيلًا مسلحًا يجب تجريده من السلاح واحتواؤه.

وغالبًا ما يختزل خصوم المجلس الانتقالي الجنوبي الجماعة في كونها مجرد وكيل للإمارات، التي تواصل تمويل ودعم بعض عملياتها السياسية، لكن هذا لا يأخذ في الاعتبار الدعم الشعبي الذي يتمتع به المجلس الانتقالي الجنوبي في مجتمعاته.

وتواصل حكومة "هادي" والموالون لها تجاهل الاحتجاجات في المنطقة الجنوبية الداعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي والمبالغة في الإعجاب بالاحتجاجات الداعمة لـ"هادي".

ويؤثر جزء كبير من هذه الدعاية على احتمالات التنفيذ الحقيقي لأي اتفاق، وعلاوة على ذلك، فإن استبعاد المجلس الانتقالي الجنوبي لا يبشر بالخير لليمن لأنه يعمق التهميش السياسي.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لحكومة "هادي" أن تطلب نزع سلاح القوات المتحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي لأنها غير قادرة على حماية الجنوب من التوغلات العسكرية للحوثيين، حيث تستمر الاشتباكات مع قوات الحوثي في ​​الضالع وشن الحوثيون ضربات بطائرات مسيرة على أهداف في الجنوب.

وعلاوة على ذلك، يعد الافتقار إلى التمثيل السياسي والضيق الاقتصادي -على الرغم من وفرة الموارد في الجنوب- أحد أكبر المظالم التي تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي.

وقد أدى الفشل في فهم التهميش الذي عانى منه الجنوب بعد الوحدة مع الشمال في عام 1990، والاستغلال والقمع اللاحقين بعد الحرب الأهلية عام 1994، إلى توسيع الفجوة بين المجتمعات وكان بمثابة الحشد الرئيسي للقضية الجنوبية.

محاولات إحياء الاتفاقية

وبالنظر إلى الدور العسكري الذي تلعبه القوات المتحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي في مواجهة الحوثيين، اختار السعوديون نهجًا واقعيًا للتعامل مع الأزمة الجنوبية من خلال دفع كل من حكومة "هادي" والمجلس الانتقالي الجنوبي لإنهاء المواجهات المسلحة ضد بعضهما البعض، وإدخال الحد الأدنى من شروط الأمن والنظام السياسي التي من شأنها أن تسمح لكلا الجانبين بالتعاون.

كما يعالج السعوديون بعض القضايا الأساسية التي لا تستطيع حكومة "هادي" معالجتها بشكل واقعي في الجنوب؛ ومن أهمها خطة الإنعاش السريع لعدن والمساعدات الاقتصادية، والتي تعالج بشكل غير مباشر تصور الإهمال الموجود لدى المجتمعات الجنوبية، لا سيما بالمقارنة مع المناطق الأخرى المحررة من سيطرة الحوثيين، والتي ازدهرت خلال الحرب، مثل مأرب.

اتُّخذت خطوات إيجابية أخرى فورية نحو تنفيذ اتفاق الرياض، حيث عين "هادي" الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي "أحمد حميد لملس" من شبوة محافظا جديدا لعدن واللواء "أحمد محمد سالم الحميدي" رئيسا للأمن في عدن.

ويمنح كلا هذين الإجراءين، جنبًا إلى جنب مع التوجيه بتشكيل حكومة جديدة في غضون شهر، المجلس الانتقالي الجنوبي طريقة للمشاركة في الحكومة ومقعدًا على الطاولة خلال أي مفاوضات مستقبلية قد تترتب عليها كيفية حكم اليمن.

وفي حين أن هذه الإجراءات تمثل تقدمًا ملحوظًا، إلا أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت ستساعد في إصلاح الخلافات بين الجانبين على المدى الطويل أو منع الأطراف من كلا المعسكرين من تقويض الاتفاقية.

وإجمالا، فإن هناك حاجة إلى نقاش أكثر شفافية حول عسكرة الجنوب والمسؤولية عن حمايته، فضلاً عن عملية حوار مكثفة من شأنها أن تتدفق إلى المستوى المحلي بعيدًا عن أجندات الأحزاب السياسية وطموحاتها الإقليمية، كي يتحقق اتفاق الرياض ويحدث فرقًا حقيقيًا ودائما ويمنع تفتيت البلاد.

المصدر | فاطمة أبو الأسرار - معهد دول الخليج العربية بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد