الخميس 10 سبتمبر 2020 04:50 م

ظهر فيديو يعترف فيه جنديان من ميانمار بشكل رتيب يخلو من المشاعر، ودون أن يرمشا بأعينهما إلا قليلًا، بجرائم الإعدام والمقابر الجماعية، ومحو القرى والاغتصاب.

وقال الجندي "ميو وين تون" في شهادة بالفيديو أن الأمر الصادر في أغسطس/آب 2017 من قائده كان واضحًا: "أطلق النار على كل من تراه وكل من تسمعه".

كما أضاف إنه أطاع الأمر، وشارك في مذبحة لـ 30 من مسلمي الروهينجا ودفنهم في مقبرة جماعية بالقرب من برج شبكة خلوية وقاعدة عسكرية.

وفي نفس الوقت تقريبًا، كان هناك الجندي "زاو نينغ تون" الذي شهد إنه ورفاقه في كتيبة أخرى اتبعوا توجيهًا مماثلا من رئيسه: "اقتل كل من تراه، سواء أطفال أو بالغين".

وقال الجندي "زاو نينغ تون": "مسحنا حوالي 20 قرية"، مضيفًا أنه هو أيضًا ألقى الجثث في مقبرة جماعية.

وتعد شهادة الجنديين بالفيديو، والتي سجلتها إحدى الميليشيات المتمردة، المرة الأولى التي يعترف فيها أفراد من تاتماداو، كما يُعرف جيش ميانمار، علانية بالمشاركة فيما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه حملة إبادة جماعية ضد أقلية مسلمي الروهينجا في البلاد.

ونُقل الرجلان، اللذان فرّا من ميانمار الشهر الماضي، إلى لاهاي يوم الاثنين، حيث فتحت المحكمة الجنائية الدولية قضية تنظر في ما إذا كان قادة التاتماداو قد ارتكبوا جرائم واسعة النطاق ضد الروهينجا.

أول شهادة من نوعها

تعكس الفظائع التي وصفها الرجلان أدلة على انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان لأكثر من مليون لاجئ من الروهينغا يقيمون الآن في بنجلاديش المجاورة، لكن ما يميز شهادتهم هي أنها تأتي من الجناة وليس الضحايا.

وقال "ماثيو سميث"، الرئيس التنفيذي لمنظمة "فورتيفاي رايتس" لحقوق الإنسان: "هذه لحظة تاريخية للروهينجا وشعب ميانمار في كفاحهم المستمر من أجل العدالة. هؤلاء الرجال يمكن أن يكونوا أول جناة من ميانمار يُحاكمون في محكمة العدل الدولية، وأول شهود من الداخل".

ذكرت "نيويورك تايمز" أنها لا تستطيع التأكيد بشكل مستقل من ارتكاب الجنديين للجرائم التي اعترفا بارتكابها، لكن التفاصيل الواردة في رواياتهم تتوافق مع الأوصاف التي قدمها عشرات الشهود والمراقبين، بما في ذلك لاجؤون من الروهينجا وسكان أراكان وجنود التاتماداو والسياسيون المحليون.

كما أكد العديد من القرويين بشكل مستقل مكان وجود المقابر الجماعية التي تحدث عنها الجنود في شهادتهم، وهي الأدلة التي ستستفيد منها التحقيقات في المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من التحقيقات. ويُذكر أن حكومة ميانمار نفت مرارًا وجود مثل هذه المواقع في جميع أنحاء المنطقة.

لكن الجرائم التي يقول الجنود إنها ارتكبت على يد كتائب المشاة وقوات الأمن الأخرى (قتل حوالي 150 مدنيا وتدمير عشرات القرى) ما هي إلا جزء من حملة ميانمار الطويلة ضد الروهينجا، وهي تجسد لعملية منسقة ومحسوبة لإبادة مجموعة أقلية عرقية.

تحطيم الرواية الرسمية

حفزت مذابح الروهينجا التي بلغت ذروتها في عام 2017 واحدة من أسرع رحلات فرار اللاجئين في العالم، ففي غضون أسابيع، تم اقتلاع 3 أرباع مليون شخص عديم الجنسية من منازلهم في ولاية أراكان الغربية في ميانمار، حيث هاجمت قوات الأمن قراهم بالبنادق والمناجل وقاذفات اللهب.

وقال شهود وناجون إن الرجال المسنين قُطعت رؤوسهم، واغتُصبت فتيات صغيرات، وتم تقطيع غطاء رأسهن لاستخدامه في عصب العينين.

كما قدرت منظمة أطباء بلا حدود أن ما لا يقل عن 6700 من الروهينجا، بينهم 730 طفلاً، تعرضوا للقتل من أواخر أغسطس/آب إلى أواخر سبتمبر/أيلول 2017، وقالت الأمم المتحدة إن ما يقرب من 200 مستوطنة للروهينجا دمرت بالكامل من 2017 إلى 2019.

وفي تقرير نُشر العام الماضي، قالت بعثة لتقصي الحقائق تابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: "هناك خطر جسيم من وقوع أعمال الإبادة الجماعية أو تكرارها، وأن تفشل ميانمار في التزامها بمنع الإبادة الجماعية، والتحقيق في الإبادة الجماعية وسن تشريع فعال يجرم الإبادة الجماعية ويعاقب عليها".

ونفت حكومة ميانمار أي حملة مدبرة ضد الروهينجا. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، دافعت قائدة البلاد "داو أونغ سان سو كي"، عن ميانمار ضد تهم الإبادة الجماعية في قضية أخرى منظورة في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

وشهدت "أونغ سان سو كي"، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، تلطخًا لإرثها بسبب دعمها للجيش ورفضها إدانة اضطهاد الروهينجا.

ولم يُعاقب سوى عدد قليل من جنود التاتماداو، بأحكام بالسجن لفترة وجيزة، على ما قال الجيش إنه زلات فردية في بضع قرى.

وبالرغم أن الروهينجا من ولاية أراكان في ميانمار، إلا أن حكومة البلاد تدعي أنهم متطفلون أجانب، بل أشار مسؤولو ميانمار إلى أن الروهينجا أحرقوا قراهم لكسب التعاطف الدولي.

لكن روايات الجنديين تحطم تلك الرواية الرسمية.

رواية تدعمها أدلة

ليس من الواضح ما الذي سيحدث للرجلين، اللذين لم يتم توقيفهما لكنهما وُضعا فعليًا في حجز المحكمة الجنائية الدولية يوم الاثنين، ويمكنهما الإدلاء بشهادتهما في المحكمة ووضعهم تحت حماية الشهود، كما يمكن محاكمتهما.

ورفض مكتب المدعي العام بالمحكمة التعليق علنًا على القضية، لكن شخصين على دراية بالتحقيقات قالا إن مسؤولي المحكمة استجوبا الرجلين على نطاق واسع في الأسابيع الأخيرة.

وعادة ما تسعى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة شخصيات رفيعة المستوى متهمة بارتكاب جرائم خطيرة مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية، وليس الجنود العاديين.

ولم يعلق "بايام أخافان"، المحامي الكندي الذي يمثل بنجلاديش في دعوى ضد ميانمار في المحكمة الجنائية الدولية، على هويتي الرجلين، لكنه دعا إلى المساءلة لمنع المزيد من الفظائع ضد 600 ألف من الروهينجا الذين ما زالوا في ميانمار.

وقال "أخافان": "الإفلات من العقاب ليس خيارًا. بعض العدالة أفضل من عدم وجود عدالة على الإطلاق".

كما ستضيف روايات الجنود وزناً إلى القضية الأخرى في محكمة العدل الدولية، التي اتُّهمت فيها ميانمار بمحاولة "تدمير الروهينجا كمجموعة، كليًا أو جزئيًا، باستخدام القتل الجماعي والاغتصاب و أشكال أخرى من العنف الجنسي، فضلاً عن التدمير المنهجي لقراهم بالنيران".

وكانت دولة جامبيا هي التي رفعت هذه القضية العام الماضي نيابة عن 57 دولة في منظمة التعاون الإسلامي. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت هولندا وكندا أنهما ستقدمان الدعم القانوني للجهود المبذولة لمحاسبة ميانمار على الإبادة الجماعية، واصفين ذلك بأنه "مسألة تهم البشرية جمعاء".

في أغسطس/آب 2017، أجرت كتيبة المشاة الخفيفة 353 و 565 عمليات تطهير عرقية في المناطق التي تحدث عنها الرجلان، في بلدات بوثيدونغ ومونغداو.

وكان الضباط القادة الذين قال الجندي "ميو وين تون" أنهم أمروه بالقضاء على الروهينجا، هم العقيد "ثان هتيكي"، والنقيب "تون تون" والرقيب "أونغ سان أو"، والذين كانوا يعملون هناك في ذلك الوقت، وفقًا لما قاله زملاؤهم من الجنود.

ويوجد برج شبكة خلوية بالقرب من قاعدة كتيبة المشاة الخفيفة 552، على مشارف بلدة تونج بازار، بالقرب من المكان الذي قال الجندي "ميو وين تون" إنه ساعد فيه في حفر مقبرة جماعية.

وتعتبر القاعدة معروفة في المنطقة لأنها تعرضت، إلى جانب 20 مركزًا لحرس الحدود، لهجوم من قبل مسلحين من الروهينجا في 25 أغسطس/آب 2017، مما أدى إلى اندلاع العمليات العسكرية الوحشية ضد المدنيين الروهينجا.

وقال لاجؤون من الروهينجا كانوا يعيشون في قرية مجاورة للمخيم 552 إنهم تعرفوا على الجندي "ميو وين تون"، ووصفوا بالتفصيل موقع مقبرتين جماعيتين في تلك المنطقة.

كما قال السكان الذين لا يزالون في المنطقة، والذين تحدثوا مع صحيفة "نيويورك تايمز"، إنهم يعرفون أيضًا عن مواقع الدفن الجماعية بالقرب من المعسكر.

وقال "باشا ميا"، وهو لاجئ الآن في بنجلاديش، إن جدته دُفنت في إحدى المقابر الجماعية بجوار القاعدة، إلى جانب 16 آخرين على الأقل من قرية "ثين جا نيت" المجاورة، والمعروفة بلغة الروهينجا باسم "فيرخالي".

وأضاف: "عندما أتذكرها، أبكي فقط. أشعر بالسوء لأنني لم أتمكن من منحها جنازة مناسبة".

وقال شهود عيان إنه بعد إلقاء الجنود للجثث في قبرين على ضفاف القنوات، أحضروا جرافات لتغطية الجثث، وقال الجندي "ميو وين تون" إنه شارك مع آخرين في دفن 8 نساء و7 أطفال و 15 رجلاً في قبر واحد.

وتم محو قرية "ثين جا نيت" من الخريطة بالنيران، ويشير عدد قليل من خزانات المياه إلى أن قرية الروهينجا الصاخبة كانت موجودة هناك ذات يوم.

ومع غزوهم للقرى المحيطة بتونج بازار، يبدو أن الجندي "ميو وين تون" (33 عامًا) قد نسي عدد الروهينجا الذين قتلتهم كتيبته، فهل كانوا 60 أم 70 أم أكثر؟ لا يذكر.

وقال في الفيديو: "أطلقنا النار على الجميع بشكل عشوائي. أطلقنا النار على جباه الرجال المسلمين وركلنا الجثث في الحفرة"، كما اعترف إنه اغتصب امرأة.

كما اعترف الجندي "زاو نينغ تون"، وهو راهب بوذي سابق، بضبابية مشابهة، حيث امتد زمن قتل كتيبته لحوالي 80 من الروهينجا من ساعات إلى أيام. وقال الجندي إنه اقتحم وأفراد آخرون من كتيبته 20 قرية في بلدة مونغداو، بما في ذلك دو تان ونغان تشونغ وكيت يو بيين وزين باينج نيار ويو شي كيا.

وتم إحراق بعض هذه القرى بالكامل، وقال الناجي "بشير أحمد" إن كتائب التاتماداو دخلت قريته زين بينج نيار، في وقت مبكر يوم 26 أغسطس/آب 2017، مضيفًا: "كانوا يطلقون النار كلما وجدوا أحدًا أمامهم. أحرقوا منازلنا. لم يبق شيء".

وقُتل أكثر من 30 ساكنًا في زين بينج نيار، وفقًا لشهادة الناجين.

وقال الجندي "زاو نينغ تون" (30 عامًا)، إنه و4 أفراد آخرين من كتيبته قتلوا بالرصاص 7 من الروهينغا في زين بينج نيار، وأضاف في الفيديو إنهم أسروا 10 رجال عزل، وقيّدوهم بالحبال، وقتلوهم ودفنوهم في مقبرة جماعية شمال القرية.

وهناك بعض التناقضات بين روايات الجنود وتلك الخاصةبذوي الضحايا من الروهينجا، حيث وصف الجندي "ميو وين تون" برج الشبكة الخلوية بأنه شرق قاعدة 552 بينما هو في الواقع يقع في الجنوب الغربي.

لكن معظم التفاصيل الأخرى مدعومة بأقوال الشهود والناجين.

وفي قرية نجان تشونغ، التي نجا جزء منها من الدمار، وصل 5 أو 6 جنود من كتيبة المشاة الخفيفة رقم 353 بعد ظهر أحد الأيام في أواخر أغسطس/آب 2017 واغتصبوا 5 نساء، حسبما قال أحد السكان الذي لا يزال يعيش في القرية الصغيرة، وقال هو وسكان آخرون إن أزواج النساء قُتلوا في وقت لاحق.

وقال الجندي "زاو نينغ تون" إنه لم يرتكب عنفًا جنسيًا لأن رتبته كانت أدنى جدًا من أن يشارك، وقال إنه بدلاً من ذلك، وقف للحراسة بينما اغتصب آخرون نساء من الروهينجا.

شهادة بلا مشاعر

ينتمي كلا الجنديين اللذين اعترفا بقتل الروهينجا إلى أقليات عرقية في بلد يتم فيه إضفاء الطابع المؤسسي على اضطهاد هذه الجماعات.

وفي وقت سابق من هذا العام، انتهى الأمر بالاثنين في حجز "جيش أراكان"، وهي ميليشيا عرقية من أراكان تقاتل حاليًا التاتماداو، والتي سجلت اعترافاتهما بالفيديو، وقال الرجلان إنهما هربا من التاتماداو.

وتقول مصادر عسكرية إن الفرار من الجندية مشكلة خاصة في مناطق صراع الأقليات العرقية، ويُعتقد أن حوالي 60 جنديًا قد فروا من كتيبة المشاة الخفيفة 565.

وقال الجندي "ميو وين تون"، وهو فرد من جماعة شاني العرقية، في شهادته بالفيديو، في تدفق نادر للمشاعر في شهادته: "لقد تعرضت للتمييز العنصري".

وفي وقت لاحق، كان يصف كيف أمر قائده العقيد "ثان هتيكي"، الكتيبة بـ "إبادة" الروهينجا.

وقال وهو يواجه الكاميرا بشكل يخلو من المشاعر: "لقد تورطت في قتل 30 مسلمًا بريئًا من الرجال والنساء والأطفال دفنوا في قبر واحد".

المصدر | حنا بيتش و سو نانج/نيويورك تايمز - ترجمة الخليج الجديد